لا شك أن دبي مدينة حديثة دخلت العصر بأكثر من حُلّة مدنية وجمالية وسياحية بخليطها العالمي الوافد من شتى القارات وهو يتفاعل بأكثر من صورة واكثر من مدى. ولأن دبي باتت حقاً ملتقى ثقافات العالم بأنشطتها الثقافية والفنية والعمرانية المستحدثة فإنها وفّرت الفرص الكبيرة لتفاعل حضاري ثقافي بين عناصر الشعوب الوافدة إلى المدينة في حرية مفتوحة للجميع لمثل.
هذا التلاقح اليومي الذي يفضي إلى التعبير عن هويات المجتمعات الوافدة وتنشئتها الثقافية والجمالية. لنا أن نبصر الكثير من واجهات المحلات التجارية والفنادق والمطاعم وصالونات الحلاقة وكل المحلات والدكاكين الصغيرة التي يديرها وافدون عرب أو آسيويون أو أفارقة سنجد إشارة ما للنوع الثقافي المحلي الذي يشير إلى تلك العمالة الوافدة وإفرازاتها الثقافية المختلفة ورموزها المتعددة.
بمعنى سنجد في التسميات حصراً ما يشير إلى ذلك في ما يمكن أن نسميه بـ «ثقافة الواجهات» فكيف سنقرأ هذه التسميات إشارياً ودلالياً ورمزياً للنوع الثقافي الوافد؟ يؤثر عن القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت عبارته المعروفة عن الصين «لا توقظوا التنين النائم» لكن هذا التنين الذي كان يخيف في الماضي، فإن يقظته في دبي أنتجت صناعة وتجارة مزدهرة، حيث يقدر الخبراء أن يكون (سوق التنين الصيني) في دبي واحداً من أكبر العلامات التجارية الشاخصة التي تقع على شارع الإمارات.
وهي الدالّة الشاخصة في هذا الاستقراء السريع كونه أكبر مجمع تسويقي صيني يقع خارج الصين واختير موقعه في دبي على أطراف المدينة وتم بناؤه على شكل «تنين» كبير وهو الرمز الأزلي للشعب الصيني بآفاقه الأسطورية وتأويلاته المعروفة لدى هذا الشعب المتحضر والغارق في تراثه التاريخي والشعبي الذي يسير معه جنباً إلى جنب واقعياً وأسطوريا وحضارياً أيضاً، بما يمثل أيقونة بارزة للتنوع الثقافي المحلي في هذه الواجهة العملاقة التي اختارها منظموها لأن تكون خارج مركز المدينة لدلالات نفسية وثقافية وأسلوبية معبّرة عن تراث وتاريخ وجمال فني من السهل رؤيته والانغماس في تفصيلاته الكثيرة.
الهامش الذي صار مركزاً
لماذا صار التنين الصيني على أطراف دبي وليس في مركزها؟
سأقول إن ضخامة المبنى واتساعه قد لا يسمح أن تكون له رؤية مباشرة من قبل الآخرين وقد يختلط بأسواق ومولات ومحلات وفنادق وأبراج شاهقة تحجبه عن الأنظار أو تحجب أجزاء كبيرة منه. هذا بتفسير مباشر أما في التفسير الجمالي فقد يحق لنا القول إن موقع التنين في الصحراء معزولاً عن الأنشطة الداخلية للمدينة سيحقق الكثير من الإشارات الضمنية التي يتوخاها هذا السوق، وأولها أنه سيكون جاذباً لعيّنات مجتمعية مختلطة ويسحبها إلى بؤرته ويفرض عليها شروطه التسويقية نوعاً وسعراً (والبضاعة الصينية معروفة برخص أثمانها).
وثانيها سيقود النوع الثقافي العشوائي إلى عقد صلة شبه دائمة بينه وبينها بما يحقق له مكانة تسويقية رائجة مبعثها التنوع السلعي، لاسيما ذلك الذي يحمل إيقونات محلية يغلب عليها الإطار التراثي والشعبي ومن ثم التنين بتجلياته الأسطورية المختلفة التي تغيب عن وعي المتسوق في كثير من الأحيان لكنه يجدها ماثلة هنا في هذا المجمع الضخم الذي صُمم معمارياً على شكل تنين.
انسحب سوق التنين من المركز إلى الهامش ليحقق مركزيته منفرداً في الصحراء في محاولة جذابة أن يكون الهامش هو بؤرة النشاط التسويقي والثقافي! تاركاً المركز زاخراً بأنواع مختلفة من الأسواق الصغيرة والكبيرة، مبتعداً قدر الإمكان إلى عزلة مقصودة كي لا يتشابه مع المعاني التجارية الأخرى ويماثلها، يبررها أولاً ضخامة المبنى الممتد بطولٍ أفقي متعرج وهذا ما لا يستوعبه فضاء المركز المكتظ بمعمار عمودي مختلف، وتالياً للانفراد بوضع علامة دالّة عليه كونه السوق الأكبر والأكثر زهداً والأكثر إنتاجاً متنوعاً.
وفي هذا الهامش الذي تحول إلى مركز فردي استطاع التنين الصيني أن يكوّن له رؤيا بانورامية فردية خاصة به، استجلبت زبائن من مختلف التيارات المحلية من داخل دبي وخارجها، بل حتى من خارج دولة الإمارات، فثمة العديد من المتسوقين العُمانيين يزورون هذا المركز خلال نهار واحد مبتعدين عن زحام الطرقات وضجيج المدينة الذي لا يهدأ، وهنا يحقق هذا السوق استثناءً جديداً في كسبه لنوع ثقافي آخر يأتي من خارج الحدود ليكون رافداً له في تأكيد جذبه السياحي والثقافي والتسويقي ويكون القادم إليه .. إليه وحده دون بقية الأسواق!
هذا المجمع يحمل معه أنساقه الثقافية في كل شيء بدءاً من معماره وحتى أدق المعروضات فيه، مروراً بالتنوع الصيني المتميز في الرسومات والإشارات الدالّة إلى حضارة عريقة تجسدت بهيئة خرافية للتنين، ولا يمكن اعتبار الرسوم والإشارات المحلية التي يكتظ بها السوق عابرة في تكوينه الثقافي وإرثه الاجتماعي.
بل الأصح يمكن اعتبارها بمثابة وقائع ثقافية كاملة تشي بالنوع المحلي بمرجعياته التاريخية والأسطورية كنصوص صامتة لها قوة النفاذ والتأثير في التلقي الوافد بأنواعه المختلطة، وهي نصوص تختزل الكثير من تلك الوقائع إشاريا وإيحائياً وصولاً إلى جماليات المكان بوصفه حاضنة معرفية تحولت إلى مكان تسويقي كبير، وهو يجسد التلاصق الحميمي بين الذات المفردة والمجموع الكلي تحت سقف التنين..
هذا التنين الذي يُسيّر الشعب الملياري منذ أكثر من سبعة آلاف سنة على إيقاعات معرفية وشفاهية مختلفة، بينها الأسطوري بتجلياته الكثيرة والتاريخي بوصفه حاضنة زمنية عميقة في الوجدان الصيني والثقافي كونه الوعاء الضامن لديمومة التقاليد والأعراف المتنوعة التي تحفل بها البلاد الصينية ونفاذها في الحياة اليومية.
في أحشاء التنين
للمعماريين رؤاهم الخاصة في تصاميم المباني على أشكالها المختلفة وعادة ما يعتبرون المباني فراغاتٍ تحاط بالسطوح والجدران والسقوف. ومهمتهم بالنتيجة هي تشكيل الفراغ بطريقة علمية وهندسية وجمالية تنعكس فيها ثقافة المصمم ووعيه في تشكيل الفراغ من الداخل والخارج.
وفي تصميم مبنى التنين كسوق تجارية كبيرة هي الأوسع مساحةً في دبي، بقي المصمم الصيني محافظاً على تقاليد مفهومة لأسطورة التنين روحياً وثقافياً واعتبارياً وجمالياً فحقق الشرط الثقافي الأسطوري أولاً في تشكيل الفراغات الخارجية من جسم المبنى الضخم كالجدران المستطيلة العالية، كما تحقق له ملء الفراغات، الداخلية، بمربعات ومستطيلات وأقواس شكّلت في أحشاء التنين بقعاً وعلامات لمحلات مختلفة تضامنت بمجموعها لتكون إيقونات تنينية صغيرة ترفد المتسوق بشتى الاحتياجات الاستهلاكية والكمالية.
معمارياً انبنى السوق الصيني على شكل تنين بعمارة مضغوطة لكنها منطرحة على الأرض لتشغل حيزاً كبيراً في مساحة 980 متراً وتترك الفضاء دون ان تستثمره، فالتنين كائن أرضي بالنتيجة بجسمه الطويل المتعرج؛ أما الفضاء المتروك من حوله فتنسجه الأساطير الشعبية المحلية حول قدرة التنين في التحول والتماهي إلى الأشكال كلها بوصفه الطاقة الأكثر تعبيراً عن شعور العامة من الصينيين من أنه الطوطم الذي يحميهم من الكوارث كلها
(كان للتنين في الحكايات الشعبية الصينية أشكال تخيلية فله قرن وحراشف وشارب ويمكنه أن يطير إلى السماء ويغطس في الماء وبذلك يثير غيوما وينزل مطراً. له أيضاً رأس حصان وعيون الجمبري وعنق سلحفاة وقرون أيل وله كفوف نمر ومخالب نسر وذيل سمك الزينة الذهبي) لذا فالمعمار التنيني الماثل في دبي هو نتاج الأسطورة والعقيدة الدينية، قريب من التأثر بالمدرسة الكونفوشيوسية التي أثْرتْ المعمار الصيني كثيراً وبعيداً عنها أيضاً باتجاه المسألة الدينية التي تقوم على ثلاث عقائد هي الطاوية الصينية والبوذية الهندية والإسلامية القادمة من بلاد العرب وفارس وآسيا الوسطى.
ولما كان التنين طوطم قدماء الصينيين. وهو يمثل اندماج طواطم ورموز القبائل الصينية القديمة المتعددة، بعد توحدها معا في شعب واحد هو الشعب الصيني المبكر. ومع دخول الصين فترتها الإقطاعية بات التنين تدريجيا رمزا خاصا مقتصرا على الأسرة الإمبراطورية. وكان الإمبراطور يعتبر تجسيدا للتنين. ونتيجة لهذا كانت القصور الإمبراطورية مليئة بصور مزخرفة للتنانين وتظهر أشكال متنوعة منها في العمارة الصينية.
لذا يؤكد جونق نان وهو باحث في التاريخ الصيني ان التنين يرمز إلى الأخلاق والفضيلة ومساعدة الآخرين ولا يرمز إلى الشر والعداء لذا فهو حاضر في حياة الصينيين .. هذا الحضور المتين بينه وبين الشعب الصيني انعكس على ثقافة شعب بأكمله واخترق تاريخ حضارة قديمة ليستقر في جوهرها في العصور كلها.
ثقافة التنين الأكبر
يشار إلى الصين بالتنين الأكبر «يه ْفهَُ» ولهذه التسمية عمقها في جوهر الحضارة الصينية، فقد كان البشر البدائيون يعتقدون بوجود علاقة بينهم وبين الحيوانات والنباتات، لذلك كانوا يختارون نوعاً ما منها كطوطم يمكنه من أن يدافع عن القبيلة ويكون رمزاً لها. وكان البدائيون من الصينيين يعتقدون بقوة التنين الذي يجلب لهم الخير ويدافع عنهم لذلك صار طوطماً ورمزاً للأمة الصينية.
التنين هو ظاهرة خاصة للثقافة الصينية وكان الأباطرة في العهود القديمة الصينية يسمون أنفسهم بأبناء السماء من التنين الحقيقي ويمكن مشاهدة رسومات التنين داخل القصور الإمبراطورية. وبالنسبة إلى الصينيين فإنه يمثل مشاعر إزاء الوطن الأم.
ويقول الباحث الصيني «لي شن يي» ان التنين هو رمز القوة وإن معنى أسطورة التنين هو معنى خفي فعندما يستحيل الربيع وتسكن الرياح ويتأخر المطر تظهر مثل هذه الحيوانات في حياة الناس والتي دائماً لها مغزى في حياتهم مثل العنقاء والتنين والسلحفاء ووحيد القرن وفي كثير من الأحيان ترمز للقوة والمنعة والآن يستخدم هذا التنين للدلالة على الملك القديم وللزخرفة في المنازل والأماكن العامة.
ويقال ان أول ملك تنين موجود في متحف في خونان وهو طويل جداً يحمل ألواناً مختلفة يشبه السحلية وكان سريعاً كالبرق يتحرك مثل السمكة في الماء وفي قوته كالصاروخ وكثير من الصفات التي جعلت منه رمزاً للقوة!؟
يعود تاريخ ولادة التنين الرمز إلى ولادة الصين نفسها ويقول علماء الأنتروبولوجيا في الصين إن التنين هذا الكائن الخرافي ليس إلا عملية تسوية تاريخية لتوحيد أجزاء كبيرة من البلاد حيث كانت كل عائلة حاكمة تتخذ لها ولشعبها رمزاً كالأفعى والنسر والنمر وغيره وقد قدر لأحدهم ان يوحد هذه الأجزاء تحت مملكة واحدة دون المساس برموزهم أو تغليب رمز احد على الآخر فكان ان اخترع هذا الكائن الخرافي الذي يمثل في شكله وصفاته وقوته جميع الحيوانات في تلك الحقبة التي تستخدم الرموز. ظاهرة تقليدية
تطغى الثقافة الصينية على الحياة الفكرية ومن أبرز مظاهر هذه الثقافة التي يمكن معاينتها، التظاهرات التقليدية ك«عيد التنين»، «عيد الربيع» واحتفالات «رأس السنة الصينية». على أنه نظرا لتواجد عناصر أخرى (غير صينية) بين تركيبة المجتمع، فقد كان لهذه الأخيرة تأثيرها هي أيضا على الثقافة المحلية. وكانت «هونغ كونغ» السبب في انتشار الثقافة الصينية الشعبية في العالم، وقد ساهمت الأفلام والموسيقى والكتب والمجلات في هذه العملية.
اسطورة التنين
يحكى في الأساطير ان التنانين كانت تحكم الأرض بعدل بحكمتها الكبيرة التي اكتسبتها بسبب طول عمرها قبل ظهور البشر وحين ظهر الإنسان تنازلت التنانين له عن حكم الأرض وساعدوهم على الحكم ولكن البشر انقلبوا على التنانين وأبادوهم جميعا في حرب مهولة.
رمز الأمة الصينية
المتأمل إلى رسومات التنين يدرك أن أعضاءه مأخوذة من عدة حيوانات. فالتنين الراهن له قرون غزال وجلد أفعى ومخالب نسر وقوة نمر وسرعته وغيره، والتنين لا يرمز إلى الأمة الصينية فقط وإنما إلى روحها ووحدتها القائمة على التعددية المتناغمة.
معابد الثقافة
نظرا لأن الصينيين القدماء اعتقدوا في عدم هلاك الروح، فقد كانوا غالبا يعبدون البشر المميزين بعد موتهم، فكان كونفوشيوس يُعبد على أنه السيد أو الأستاذ الروحي للمثقفين في الصين القديمة، وبجانب كل مدرسة كان يوجد معبد لكونفوشيوس. هذه المعابد الكونفوشيوسية التي كانت تُسمى أيضا معابد الثقافة، كانت مراكز روحية للعلماء الصينيين على مدى ألفي سنة. وكان لعامة الناس معابد مخصصة لكونفوشيوس تسمى معابد العلماء.
أكبر مجمع تجاري
بتاريخ 7-12-2004 تم افتتاح سوق التنين الصيني «دراغون مارت» في دبي بمساحة مخازن تبلغ 30 الف متر مربع دبي الذي يعد اكبر مجمع تجاري في العالم لعرض وبيع المنتجات الصينية في مكان واحد خارج الصين. ويعتبر اكبر بناء يتخذ هذا التصميم في العالم حيث انه يجمع تشكيلة واسعة من المنتجات والخدمات الصينية.
يبلغ طوله 2ر1 كيلومتر حيث يصل طول جسم التنين إلى نحو 980 مترا وعرضه 110 أمتار وارتفاعه 4ر6 أمتار في حين تبلغ أبعاد رأس التنين المكون من طابقين 220 مترا طولا و210 مترا عرضاً و18 مترا ارتفاعاً. ويضم رأس التنين حديقة صينية في الطابق الأرضي فيما يشغل السوق مساحة تصل إلى 150 ألف متر مربع.
وارد بدر السالم



