يلقب الأديب النيجيري سايبريان إكوينسي الذي اعتبر من رواد الأدب في موطنه، بشارلز ديكنز أفريقيا نظرا لتصويره حياة المجتمع النيجيري والأفريقي بعمق وبعد إنساني واقعي. وتعتبر أعماله بمثابة نافذة على تاريخ الأمة، لا سيما شخصياته التي تنتمي إلى ثقافات وحضارات أفريقية متنوعة.
وقال عن مكانته كأديب، «لم تمنحني الخمسون عاما التي كتبت خلالها الروايات والقصص القصيرة وكتب الأطفال، سوى عالم الشهرة مجردا من الثروة. لو كنت أميركيا يعيش في أميركا أو أوروبا، لكنت أطفو الآن في يختي الخاص على شاطئ فلوريداوبعد صدور روايته الأولى تبلورت رؤية إكوينسي لدوره كأديب وراصد للحياة النيجيرية، وبذا بدأ بزيارة المدن والضواحى والقرى والتعرف على سكانها وعاداتهم إلى جانب إتقانه لعدد كبير من اللهجات المحلية. ومع مضي الزمن أنتج العديد من الكتب معظمها للأطفال، وما زالت تلقى رواجا في مختلف دول أفريقيا نظرا لربطه فيها بين الأسطورة والواقع المحلي. وتضم مجموعته «الفتى قارع الطبل» ونشرت عام 1960 و«جواز سفر مالام إيليا» ونشرت في ذات العام و«العشب المحروق» ونشرت عام 1962 و«صانع المطر» ونشرت عام 1965 و«فتى مخيم الفحم» ونشرت عام 1971 بالإضافة إلى رواياته منها «خلف جدران الدير» ونشرت عام 1987 و«الذهاب إلى مكة» ونشرت عام 1991.
ووظف دراسته ومهنته كصيدلي في أعماله الأدبية، كما عمل في الإعلام المرئي وأصبح مديرا لاحقا وكتب العديد من النصوص والسيناريوهات للإذاعة والتلفاز. واستقال من منصبه عام 1966 قبل الحرب الأهلية. والفترة الوحيدة التي قضاها خارج بلده كانت في لندن خلال دراسته للصيدلة.
وفي عام 1961 نشر روايته «جاغوا نانا» التي حققت له شهرة واسعة واعتبرت من أهم أعماله الأدبية، ثم أصدر بعد ذلك الجزء الثاني «ابنة جاغوا نانا» ونشرت عام 1993. ونال في عام 1968 جائزة الأدب العالمية داغ هامارسكجولد. وفي المحصلة كتب مئات القصص القصيرة وعشرات الروايات ما بين الرومانسية والأدبية إلى جانب كتب الأطفال.
وتحكي روايته «جاغوا نانا» قصة إحدى النساء الريفيات اللواتي هاجرن من القرية إلى العاصمة لاغوس. وما دفع الزوجة جاغوا نانا إلى مغادرة قريتها والاستقرار في المدينة، انتقادات وتلميحات أهل قريتها أوغابو الذين كانوا يلومونها لعدم قدرتها على الإنجاب على الرغم من مرور 3 أعوام على زواجها. وفي لاغوس وجدت نفسها في عالم قيمه معاكسة تماما لسكان قريتها.
ويصور إسكويني مدينة لاغوس في البداية كما رأتها جاغوا التي تعجب بمظهر الشابات الأنيقات المتحررات اللواتي يعملن في المكاتب مثل الرجال، ويرقصن ويرتدين أحذية بكعوب عالية وملابس ضيقة تظهر مفاتنهن. مدينة لا أحد يدين أو يحاكم الآخر لفشله أو عدم قدرته على القيام بدوره الطبيعي في الحياة.
وفي المدينة انتقلت جاغوا من ظرف سيئ إلى أسوأ مع عدم الشعور بالرضا. وفي المقهى الليلي تروبيكانا وجدت لنفسها أو حياتها مكانا. وفيه كانت ترفه عن زبائنها بعد أن أصبحت بائعة هوى على مستوى نخبة المجتمع، ولقبت باسمها جاغوا تيمنا بسيارة الجاغوار الثمينة الخاصة بالأثرياء.
ويصف اسكويني بصورة بانوراميا واقعية حياة الليل الصاخبة والمظلمة في المدينة التي تجمع بين نماذج عديدة من البشر والمهن والعصابات. واستغرقت جاغوا في عوالمه وعاشت حياة مرفهة عبر لعبها دور المحظية لرجال ذوي نفوذ، وبالطبع كان لديها دوما خيارات بين السياسيين ورجال العصابات وغيرهم من القادرين على تأمين كماليات حياتها اليومية التي كانت تعني لها الكثير. ولم تكن لتتردد في أن تجوب الشوارع بين الحين والآخر لتأمين عدد من الكماليات.
وحينما تجاوزت الأربعين، بدأت بإعادة النظر في حياتها، لا سيما وأن الشاب الذي أحبته ودفعت له مصاريف دراسته وسفره إلى لندن أحب فتاة من عمره.
ومع تقلص فرصها لم يكن أمامها خيار للاحتفاظ بكماليات حياتها، سوى قبول عرض رجل سياسي لتكون محظيته على الرغم من نفورها من رجال السياسة. ومع دخولها هذا العالم يتسع نطاق وعيها بمحيطها وبلعبة الكبار في المدينة، وتساهم بحماس في الانتخابات وشراء الأصوات النسائية.
ومن خلال تلك الأجواء تعي أهمية وجودها في الحياة ولا تتردد في الدفاع عنه.وينقل إسكويني القارئ من خلال جاغوا إلى عالم السياسة والسلطة في لاغوس، ويتجلى من خلال الأحداث والصراعات أن السياسي في لاغوس ينجح اعتمادا على الرشاوي والقتل والاستعانة بالعصابات.
وحينما يخسر حاميها الانتخابات يطلب منها أن تخفي بعض الأوراق له وأن لا تظهرها مهما كانت الدوافع، وذلك حتى تهدأ الأمور. وكما هي العادة يسعى المنتصرون خلفه بهدف الانتقام مما يدفعه إلى الهرب وهي كذلك كل في طريقه.
تعود جاغوا إلى قريتها لتجد فيها السكينة والألفة والمحبة وكل ما كانت تفتقده في المدينة، وتتألق فرحا عندما تكتشف أنها تحمل جنينا في أحشائها، وبذا تعود إلى ذاتها إلى الآخر وتستقر في حياتها الجديدة، لا سيما بعد اكتشافها أن الأوراق التي خبأتها لحاميها لم تكن سوى كم كبير من المال. وعليه تفتح مشروعا تجاريا في قريتها وتعيش حياة سعيدة. وكما جذبت مدينة لاغوس جاغوا، جذبت شخصيتها القارئ لاكتشاف خبايا عوالم مدينة لاغوس.
المؤلف في سطور
بدأ إكوينسي الذي ولد في بلدة مينا في 26 سبتمبر عام 1921، بنشر أول أعماله عام 1947، وكانت قصة قصيرة بعنوان «إيكولو» ثم «المصارع ومخلب النمر». أما أول رواية له فنشرت عام 1954 بعنوان «سكان المدينة» التي اعتبرت حينها أهم رواية لكاتب نيجيري، قبل ظهور الأديب شينوا أشيب.
وتميز إكوينسي بقوة ودقة ملاحظته إلى جانب موهبته في التماهي العميق في أي سيناريو أو بيئة ومنح شخصياته أساليب وسلوكيات أفراد من واقع الحياة اليومية. وفي سنواته الأخيرة كان يكتب سيرته الذاتية «في زمني» إلى جانب عمله على عدد من الكتب حينما وافته المنية في 4 نوفمبر 2007 خلال وجوده في غرفة العمليات.
لكتاب: جاغوا نانا
تأليف: سايبريان إكوينسي
الناشر: هاينيمان 1987
الصفحات: 192صفحة
القطع: المتوسط
Jagua Nana
Cyprian Ekwensi
Heinemann 1987
P 192

