تمتاز خصوصية الحياة بإتقان فن العيش، والذين يجيدون مصادقة الحياة يعيشون بسلام ويعرفون أن الأقدار تسوقهم إلى حقول أكثر سعادة، ويعرفون أنهم يسيرون باتجاه حلم مؤكد، إنهم ببساطة متفائلون يرون بقعة ضوء في نهاية النفق ولا يرون كتلة الظلام التي تحيط بهم، لقد أتقنوا فن الأمل وعرفوا قيمة العيش بسلام وطمأنينة.
ذات يوم قال الشاعر ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، وذهبت تلك المقولة نهرا يجري في سهول الروح ولكأنه ينحت في جفاف الأفئدة، فيرسم فيها أخدودا سيعرفه هؤلاء الذين أتقنوا فن العيش وأعطوا وقتهم للأمان كي يبقى الأمل نابضا وتبقى السعادة حولهم بجناحين من نور وسلام.
يشعر المرء بالرعب عندما يتهدد أمنه ويشعر بالغضب عندما يغيب سلامه ويكاد يموت من الغيظ إذا تعرضت أحلامه للتخريب، كيف ذلك وهل تحتاج هذه الأشياء البسيطة إلى حماية، وما نوع الحماية التي تكون للحلم، وهل تعني أن تعود البشرية إلى تلك الحروب الكونية مرة أخرى لتهدم في لحظات ما أنفقت هور في تشييده، أي حماية تلك التي يبحث المرء عنها ؟
لقد عرف الناس آلاف الطرق لحماية حياتهم وأموالهم ولم يعرفوا سبيلا واحدا لحماية أرواحهم لذلك كانت الأديان طريقا آمنا للصفاء، ولكن بسبب الأديان أيضا قامت حروب وانتهت إمبراطوريات وتراجعت أمم، وأصبح البحث عن ملاذ آمن أكثر أهمية من العيش بسلام أو الاستمرار في رؤية الضوء في نهاية النفق.
حولنا آلاف المجازر باسم العقائد أو باسم الأعراق وفي الطريق ملايين سيقتلهم الجوع، وهو الرعب الأكبر للبشرية، ولطالما كان الغذاء مصدرا للرعب والسعادة، سعادة في الحصول عليه ورعب من فقدانه، لذلك ترانا اليوم نبحث عبر قمم كبرى عن «الأمن الغذائي» ونخاف ان يقتتل العالم مرة أخرى للحصول على مزارع القمح أو الأرز أو الذرة، تلك الحقول الشاسعة التي تطعم الملايين يمكن أن تحرقها قذيفة واحدة.. واحدة فقط لا تحتاج سوى إلى ضمير ميت ليموت البشر جوعا.
متى يعيش العالم في صفاء، ومتى يدرك أن الحياة الآمنة هي أن نتقبل الآخر وألاّ نقصيه وأن هناك متسعا للعيش للجميع بطمأنينة وسلام.
