واصل فريد زكريا في كتابه الجديد »العالم في مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية « تفكيره الإستراتيجي حول بعض المسائل الحساسة التي تشغل معظم المثقفين وأصحاب القرار. والسؤال الأول هو التالي: هل ستظل أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم؟ وإلى متى؟
أم أنه ستحل محلها قوى عظمى أخرى كالصين مثلا؟ كيف سيكون عليه وجه العالم بعد انتهاء الهيمنة الأميركية المطلقة؟ على هذه الأسئلة وكثير غيرها يجيب المؤلف. وهو يقول بما معناه: لقد هيمنت أميركا على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وجدار برلين عام 1990. ولا تزال تهيمن عليه حتى الآن: أي منذ حوالي العشرين سنة. ولكن ذلك لن يستمر إلى الأبد.
والأميركيون يقولون بما معناه: انظروا من حولكم. لقد تحولت مراكز التجارة والاقتصاد العالمي إلى »دبي« في الخليج العربي، وإلى بعض المدن الصينية والهندية الأخرى ولم تعد أميركا هي مركز العالم اقتصاديا.
بل وحتى الطائرات العملاقة الكبرى أصبحت تصنع في أوروبا وليس في الولايات المتحدة. أو قل بأن أوروبا أصبحت تنافس الولايات المتحدة على ذلك بعد أن كانت شركة بوينغ هي التي تحتكر ذلك. وأكبر استثمارات للأموال في العالم اليوم تحصل في ابوظبي لا في واشنطن أو نيويورك.
فهل هذا معقول؟ ألن يشعر الأميركان بالهلع من هذه التطورات والمتغيرات التي ما كانوا يتوقعونها أبدا؟ ألم تكن أميركا مركز الاقتصاد العالمي منذ عام 1945 وحتى اليوم؟
لقد كانت تحتكر لوحدها كل مراكز الاقتصاد العالمي تقريبا إذا ما استثنينا اليابان والاتحاد الأوروبي. ولكن هذه المراكز تبعثرت الآن في شتى أنحاء العالم. فأصبحت في بومباي بالهند، أو في بكين وبيجنغ بالصين، أو في دبي وأبوظبي بالخليج، أو في سنغافورة، أو في ماكاو، الخ. حقا لقد أصبح العالم تعدديا ولم يعد أميركيا.
وبالتالي فالهيمنة الأميركية المطلقة على العالم سوف تنتهي قريبا، وبما بعد عشر سنوات أو عشرين سنة على أكثر تقدير. وسوف يصبح العالم متعدد الأقطاب لا أحادي القطب كما هو حاصل حاليا. ولكن هذا لا يعني أن أميركا سوف تنتهي وتموت.
هذا تصور خاطئ للأمور وتخوف لا داعي له على الإطلاق. فأميركا ستظل قوة عظمى ولفترة طويلة. بل إنها ستظل القوة العظمى الأولى في العالم حتى بعد وصول الصين والهند وروسيا إلى مرتبة القوة العظمى.
ويضرب المؤلف على ذلك المثل التالي:
إن الجوائز الرياضية كانت تذهب في السابق في أغلبيتها إلى اللاعبين الأميركان. ولكنها الآن أصبحت موزعة على عدة دول أن تفقد أميركا حظها الكبير منها. وبالتالي فهل ينبغي أن نحزن لأن الآخرين ينجحون ويتفوقون؟ أبدا لا. فنحن مكانتنا محفوظة، وهي لا تزال الأولى.
ثم يردف فريد زكريا قائلا: نعم إن العالم يشهد حاليا تحولات رهيبة تقلق الأميركيين. فأنا عندما أتجول في مختلف المناطق والبلدان الأجنبية أشعر بذلك. هناك بالطبع كره متزايد لأميركا بسبب سياستها الخارجية. ولكن بعض الأميركان يقولون: إنهم يكرهوننا. فالقوي دائما محسود ومكروه. انظر الفرنسيين كم يغارون منا.
ولكن ينبغي على الأميركان أن يخرجوا من هذه الحسابات الصغيرة. فالعالم انتقل من مرحلة كره أميركا، إلى مرحلة ما بعد أميركا، أو قل أنه في طور الانتقال حاليا.
وهذا ما ينبغي أن يروه بأم أعينهم. ويضرب المؤلف على ذلك عدة أمثلة أولها نهاية السلام الأميركي أو بالأحرى الهيمنة الأميركية المطلقة على العالم. هذه الهيمنة دامت طيلة فترة ما بعد الحرب الباردة ولكنها انتهت الآن أو أوشكت على الانتهاء. وينبغي على الشعب الأميركي أن يتعود عليها. ينبغي أن يعلم أن هناك شعوبا في العالم غيره.
يقول فريد زكريا: عندما كنت أزور الهند في الثمانينات من القرن المنصرم كنت أسمع أصدقائي الهنود يمدحون أميركا ويبدون إعجابهم الكبير بها وبغناها وحداثتها التكنولوجية وتفوقها. وكانوا مبهورين على وجه الخصوص بكبار المقاولين والرأسماليين الأميركان من أمثال دونالد ترومب.
ولكنهم الآن ما عادوا مبهورين إلى مثل هذا الحد. لماذا؟ لأنه يوجد عندنا في الهند أكثر من عشرة رأسماليين أغنى من دونالد ترومب. ثم لأن الهند أصبحت أكبر بلد منتج للأجهزة المعلوماتية والعقول الالكترونية والهواتف الخلوية. لقد أصبحت دولة صناعية وتكنولوجية من الدرجة الأولى. فلماذا تظل مبهورة بأميركا؟
ثم يقول فريد زكريا بأنه إذا كانت الأخبار السياسية سيئة هذه الأيام بالنسبة لأميركا فإن الأخبار الاقتصادية تظل جيدة. ويضرب على ذلك المثل التالي: في شهر يوليو من عام 2006 التقى بأحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية المخضرمين. وعبّر له هذا الأخير عن قلقه من قوى حزب الله الذي استطاع أن يصمد مدة ثلاثة وثلاثين يوما أمام أكبر آلة عسكرية في الشرق الأوسط.
وقال له: الشيء ثم يقول فريد زكريا بأنه إذا كانت الأخبار السياسية سيئة هذه الأيام بالنسبة لأميركا فإن الأخبار الاقتصادية تظل جيدة.
ويضرب على ذلك المثل التالي: في شهر يوليو من عام 2006 التقى بأحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية المخضرمين. وعبّر له هذا الأخير عن قلقه من قوى حزب الله الذي استطاع أن يصمد مدة ثلاثة وثلاثين يوما أمام أكبر آلة عسكرية في الشرق الأوسط.
وعندئذ سأله فريد زكريا: ولكن ماذا عن الاقتصاد الإسرائيلي؟ ماذا عن الشيكل؟ هل انهار؟ فأجابه: لا، بالعكس، لقد ازداد قوة. وهنا يكمن وجه الغرابة والتناقض.
واستنتج فريد زكريا أنه ما دام الاقتصاد الإسرائيلي قويا فهذا يعني أن إسرائيل لم تهزم في الحرب فعلا. فالاقتصاد هو معيار كل شيء، واقتصاد إسرائيل هو أقوى وأحدث اقتصاد في المنطقة، والهزيمة العسكرية التي منيت بها أمام حزب الله ليست خطيرة إلى الحد الذي نتصوره، على حدقوله.
الكتاب: العالم في مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية
تأليف: فريد زكريا
الناشر: و. و. نورتون وشركاه
نيويورك 2008
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
d lrow nacirema-tsop ehT
airakaZ deeraF
notroN .W .W
ynapmocdna
8002 kroY weN
882.P
