هنالك قاعدة معروفة بين الفنانين التشكيليين تقول «يعرف الفنان إلى أين تذهب لوحته إذا كان يحبها»، لهذا فإن تأسيس صالة غاليري «أيام» للفن التشكيلي السوري في دبي هي خطوة رائدة وغير مسبوقة تصب في هذا المنحى وتلخص العلاقة القائمة بين الإبداع ورأس المال وبين الثقافة والثروة وتؤكد أن الفن الذي كان رافضاً للواقع يقبل بواقعية العصر الذاهب سريعا إلى ما بعد العولمة بعد أن تجاوز في طريقه نظريات عصر ما بعد الحداثة وما بعد سقوط التاريخ وصدام الحضارات.
لقد أصبح الفن التشكيلي كسواه من القطاعات الخاضعة للاستثمار ودخلت لوحاته في تصنيف «الادخار والعقار والشيك المعلق على الحائط» ناسفة نظرية الفنان العالمي الهولندي المعروف فان ران رامبرانت الذي كان يكتب تحت أعماله «هذه اللوحة ليس لها ثمن». وأكدت أن الفن في دبي يحافظ على مستواه وأن اللوحة التي دخلت ميدان الاستثمار وتباع في الصالات العالمية بملايين الدولارات، تحتفظ في دبي بقيمتها الفنية أولا والمادية ثانيا، لأن دبي استطاعت أن تجمع بمهارة بين المال والاستثمار والمشاريع الثقافية والفنية.وبذلك تتكامل دبي كمدينة حضارية ومعاصرة والإنجاز الحقيقي هو إعطاء الفرصة لهؤلاء المبدعين أن يتمتعوا بثمار أعمالهم في حياتهم وليس بعد مماتهم كما يحصل في هذه الأيام لفنانين كبار تباع أعمالهم بملايين الدولارات وكانوا في حياتهم يعيشون الكفاف ان لم نقل العوز.
ان غاليري «أيام» تجربة جديدة ومغامرة هي الأولى من نوعها سواء على صعيد دبي او العالم العربي. وتأتي أهميتها من خلال عاملين: أولهما، أن هذه الصالة تعرض تجارب ونتاج مجموعة من الفنانين السوريين في دبي .وهي بالتالي تمنح محبي الفن ومتابعيه من البلدان الأخرى فرصة التعرف على تجارب ومناهج مختلفة، وثانيهما أن مستثمر الصالة خالد السماوي تبنى تجربة هؤلاء الفنانين من مختلف الأجيال، وقدم لهم فرصة التفرغ للفن والإبداع، وذلك أسوة بكبرى الصالات والغاليريات في الغرب.
ولتسليط الضوء على هذه التجربة الفنية والإبداعية الجديدة التقت «مسارات» بعدد من المتابعين والمهتمين بهذا الإنجاز على هامش حفل الافتتاح لصالة «أيام» كما تم استطلاع آراء عدد من الفنانين المتعاونين مع الغاليري عن تجربتهم الفريدة ورؤيتهم لهذه التجربة الرائدة:
تجربة جريئة
أكد محمد المر نائب رئيس هيئة الثقافة والفنون في دبي لـ «مسارات» أن «ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو جمع الصالة ما بين أعمال الرواد والشباب من الفنانين السوريين، وما بين المدارس الكلاسيكية والحداثة وإلى ما بعد الحداثة. وهذا يساعد على تكوين صورة عامة عن نتاج وإبداع الفنانين السوريين، وبالتالي فإن تلك الصالة بمثابة متحف مصغر لمدارس وأعمال الفن السوري».
وعن رأيه في التجربة يقول، «هذه التجربة تشكل إضافة لحركة الفن التشكيلي في دبي من حيث مغامرة التخصص الفريدة بين صالات العرض العديدة في دبي، لا سيما وأن صالات العرض بصورة عامة هي مشاريع تجارية وفنية تستمد استمراريتها من تحقيق الأرباح».
كما منح وجود مجموعة من الفنانين المتعاونين والمشاركين في الأيام الأولى من افتتاح غاليري «أيام» المهتمين و الزوار الفرصة للتواصل المباشر مع الفنانين والاطلاع منهم على أعمالهم بصورة خاصة والفن بصورة عامة.
احتضان الموهوبين والمظلومين
ووصف يوسف عبدلكي الفنان السوري المخضرم الذي يحتل مكانة بارزة في ساحة الفن التشكيلي العربي المعاصر، خطوة غاليري «أيام» بأنها أحدثت ثورة ديناميكية في الوسط الفني التشكيلي في سوريا بعد ركود طويل.
وهي شبيهة بالثورة التي كان رائدها المهندس المعماري محمد دعدوش الذي افتتح أول صالة عرض خاصة في منتصف الستينات وذلك في بيت عربي في بوابة الصالحية، في زمن كانت صالات الفن التشكيلي منذ الاستقلال وحتى الستينات تابعة للحكومة».
وأضاف: «وكما تبعت صالة دعدوش الأولى افتتاح صالات خاصة عديدة، فإنني آمل أن تتكرر تجربة «أيام» ويتم افتتاح العديد من الغاليريات المشابهة التي ستحتضن المزيد من الفنانين الموهوبين المظلومين الذين يعيشون خارج الضوء حالياً. هذا الأمر سيمنح الحياة التشكيلية التوازن المفقود ما بين داخل وخارج أيام».
وعن رؤيته لدبي قال، «كانت دبي مدينة مال وأعمال ومركز استثمار، والآن مع الاهتمام بالمشاريع الثقافية والفنية تكاملت صورة دبي كمدينة حضارية معاصرة وديناميكية، لتكون مركز استقطاب عالمي شامل. وإن لم تكن دبي مدينة أبوابها مشرعة نحو المستقبل، لما كانت أيام أو غيرها في دبي الآن».
كما أبدى إعجابه بكثافة الحضور في افتتاح صالة «أيام» والأهم من ذلك في رأيه، ذلك الشغف الذي لمسه لدى الزوار من مختلف الجنسيات وثقافتهم الغنية عن الفن المعاصر، ويصف هذا الأمر بأنه مؤشر إيجابي لإيقاع الحياة في دبي.
الطفل الإماراتي بعدسة الفنان
ويبين الفنان المخضرم المصور الفوتوغرافي نصوح زغلولة الذي أمضى معظم حياته في مدينة باريس بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة في دمشق، أن «أيام» كانت الدافع لعودته إلى وطنه تاركا عمله كمدرس للتصوير الفوتوغرافي للأبيض والأسود في المعهد العالي للسينما في باريس إلى جانب عمله كمخرج صحافي.
وبالإضافة إلى كونه أحد الفنانين المتعاونين مع «أيام»، فهو مسؤول عن الاتصال والمطبوعات الخاصة بالغاليري، ويذكر أنه تم طباعة 17 كتابا خلال هذا العام بتقنيات وجودة عالية، بواقع كتاب عن كل فنان قدم معرضا فرديا وعدد من الكتب الأخرى عن مجموعة الفنانين الشبان وباللغتين العربية والفرنسية أو الإنجليزية.
ويفيد أنه مقل جدا في معارضه لحرصه الشديد في انتقاء الصور الفنية لكل معرض، فتقديم الأعمال الفنية مسؤولية كبيرة جدا وعبر عن ذلك بقوله، «المعرض الفني بصورة عامة، كمن يفرض أعماله على الناس، وعليه فالعالم ليس بحاجة إلى المزيد من التلوث البصري فوق ما يحيط بنا من تلوث. لذا فإن الاختيار بالنسبة لي بمثابة لحظات مرعبة».
ويرى زغلولة دبي بعيون المستقبل ويشرح ذلك بقوله، «أرى الطفل الإماراتي وتراكم الثقافة البصرية الفنية عنده التي سيقدمان مستقبلا أجيالا مدهشة بثقافتها الفنية المتقدمة والمعاصرة».
حدس الفنان
وقال ثائر هلال أحد الفنانين المتعاونين، «إن أيام مشروع استثنائي منح أفراد المجموعة الإحساس بالأمان والاستقرار وبالتالي فرصة للتفرغ والإبداع». وعن رؤيته لدبي بصفته فنانا مقيما في دولة الإمارات قال، «تقوم دبي الآن بدور حيوي ومهم على كافة المحاور من اقتصاد واستثمار وسياحة وثقافة، وتوفر للفن القاعدة الأساسية للانطلاق إلى العالمية».
وشارك هلال في المعرض من خلال لوحته «فصول» التي تلخص تجربته الفنية الجديدة التي امتدت لما يقارب من عشرة أعوام انتقل فيها من الرسم الكلاسيكي إلى اختزال الشخوص أو الطبيعة إلى عناصر تجريدية اعتمد فيها التكرار واللعب بالألوان وانعكاساتها.
دبي نافذة لفضاء أوسع
ويرى الفنان مهند عرابي المقيم في سوريا، أن مشروع «أيام» ساهم في تفعيل وتنشيط الحركة الفنية في سوريا، وعن افتتاح فرعها الجديد في دبي يقول: «أيام في دبي، فتحت للفنانين نافذة على فضاء أوسع كمدينة ونشاط وتسويق».
وأعرب عن إعجابه بمستوى الحضور الذي يتميز بثقافة فنية عالية ومتنوعة إلى جانب الذائقة التي يتمتع بها. وتتميز لوحات عرابي خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق بالعفوية التي يستمدها كما يقول من إسقاطه لجميع ما تعلمه من نظريات عن الفن وتركيب الألوان، والتركيز على المتعة في الرسم.
جمهور متجدد
يعتبر الفنان وليد المصري، أن أهمية تجربة «أيام» تكمن في تسويق أعمال الفنانين بمهنية وحرفية عالية المستوى، ما يتيح للفنان التفرغ للفن باعتباره حاجة إنسانية وحمايته من التحول إلى المهنية. وقال ان «أجمل ما في دبي أنها مدينة متجددة، ولا يمكن رؤيتها كمكان ثابت. وما يميزها أن جمهورها متجدد وهذا يعني رؤية أكبر عدد ممكن من الناس لأعمال الفنان».
دبي تصنع الحضارة
ويوضح نهاد الترك أن «أيام» ساهمت في حل مشكلتين أساسيتين كان يعاني منهما، الأولى تسويق أعماله وما يتطلبه هذا الأمر من جهود ووقت وحرفية، وثانيا صعوبة التركيز والتفرغ للفن مع التزامات ومسؤوليات الحياة. وعن حصوله على فرصة التفرغ قال، «منحني التفرغ القدرة على التوازن وبالتالي صفاء الفكر والدافع لمزيد من الإبداع والإنتاج».
أما عن آلية التعاون مع «أيام» فقال الترك: «العقد مع الغاليري يتضمن العديد من البنود المرتبطة بكلا الطرفين، وعائد الفنان المالي مرهون بإنتاجه، فالغاليري تحصل على جميع اللوحات التي ينتجها الفنان المتعاون، لتقوم بتسويقها بصورة حرفية عالية وبالتالي تحقق للفنان الانتشار».
وعن زيارته لدبي قال الترك، «هذه أول زيارة لي ولا أخفي شعوري بالدهشة والذهول. في دبي يصنعون الحضارة ولا يعيشون على أمجاد الماضي. أنا على يقين أن دبي بعد عشر سنوات ستكون قد تجاوزت مراحل تتطلب مئات السنين. كما أنها مركز مهم لتسويق الإنتاج الفني، وهو دور في غاية الأهمية ويتطلب الكثير من الجهد والتعب».
وفي إطار رؤية دبي المستقبلية كمركز للفن ووسيط بين الغرب والشرق، واحتوائها للتجارب الرائدة على صعيد العالم العربي والشرق الأوسط اختتم نهاد الترك كلامه بالقول: يمكن استقراء المستقبل لتكون هذه المدينة قريبا مركزا وتجمعا حيويا لبانوراما شاملة تمنح المستثمرين في الفن من مختلف أصقاع العالم الفرصة للاطلاع في جولة واحدة على جميع فنون الشرق الأوسط المعاصرة واقتناء الأعمال الفنية.
خالد السماوي مؤسس «أيام» دمشق
* خالد السماوي مؤسس غاليري «أيام» في نوفمبر عام 2006 في دمشق وهو رجل أعمال ذو خبرة في الاستثمار.
* بدأ السماوي باقتناء اللوحات عام 1997 حينما كان يعيش في سويسرا.
* بعد التقاعد عاد إلى بلده سوريا حاملا معه مجموعة لوحات ثمينة يبلغ عددها 300 لوحة، وبدلا من تعليقها على جدران مكتبه قرر أن تكون هذه المجموعة نواة لفتح صالة فنية.
* تعتمد رؤيته للاستثمار في الفن على أن الفنانين التشكيليين شركاؤه، وكذلك اللوحات، وشركات المزاد المختصة بالفن، والمشترون ومقتنو اللوحات أيضا. وبذلك كلما زاد دعم المشترين تمكن من ترويج الفن الذي يشترونه.
*احتضنت «أيام» مجموعة من الفنانين السوريين الذيين يقارب عددهم 22 فنانا حتى الآن.
* تقوم «أيام» بتسويق الفن التشكيلي السوري المعاصر في الداخل والخارج. الأسد يزور «أيام»
زار الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد صالة غاليري «أيام» خلال زيارته لدبي حيث شاهد الأعمال المعروضة في الصالة، واستمع إلى شرح عن طبيعة اللوحات المعروضة من مدير الصالة ومؤسس مشروع «أيام» خالد السماوي، وقد رافقه في الجولة معالي عبدالرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وعدد من أعضاء السفارة السورية في أبوظبي.
«أيام» دبي
* افتتحت غاليري «أيام» دبي في 29 مايو 2008
* عدد اللوحات المعروضة 80 لوحة.
* بلغت القيمة الإجمالية للوحات المعروضة ما يزيد على 20 مليون درهم.
* مبنى الغاليري يقع قرب التقاطع الثالث في القوز
وتقارب مساحته حوالي 750 مترا مربعا.
* يبلغ ارتفاع الصالة الرئيسية 10 أمتار مع صالة متوسطة في الطابق الفني، وغاليري في الخلفية يتم افتتاحه في المناسبات. أما الجزء الداخلي فيضم جدراناً متحركة للتحكم بمساحة الفراغ.


