لحظة
وهو يفتح باب شقته، تمنى أن يدخل ليجدهم جميعا منتظرين عودته، ويسارعون بسؤاله عن سبب تأخره، ولماذا لم يتصل بهم ليطمئنهم عليه. تمنى لو صرخوا أيضا في وجهه يؤنبونه على عدم مجيئه مبكرا، يصرخون بكل قوتهم، ويبددون سكون الشقة، العمارة، الشارع.
ويسرع عدد من الجيران بفتح الأبواب أو الشبابيك ليستطلعوا سبب الصراخ الذي سيحدّدون مصدره بسهولة، و قد يتضايق بعضهم بعد فترة لأن عدم فهمهم لم يشبع اندفاعهم ليطلوا على ما يحدث، وسيظل عدد آخر ينتظر معاودة انفجار الصراخ، ويرهفون أسماعهم ليلتقطوا ما قد يتناثر من كلمات تعرّفهم ما طرأ على تلك الشقة الصامتة منذ زمنٍ.تمنى لو يجدهم، لكنهم ماتوا جميعا ما عدا أخيه محمد الذي يسكن الآن في شقة أخرى بعد زواجه.مثل تلك اللحظات هي ما تجسّد موتهم، وتجعل أهون فعلٍ مثل أن تفتح باب شقتك شاهدا على قبورهم المتناثرة في أنحاء مختلفة غير معروفٍ عنه أنه يمكن أن تأسره لحظة مثل هذه، وأن يظل فيها منذ دخوله وجلوسه على الكرسي المواجه للباب. لا يرغب أو لا يقدر على الخروج من أمنيته أن يكونوا في انتظاره.لم يكن يريد إخبارهم بخبر يفرحهم، أو يستشيرهم في مشكلة تواجهه. فقط كان يريدهم الآن.
حدث هذا من قبل، لكن شعوره بغيابهم كان يتبدد ما إن يدخل وينشغل بخلع ملابسه عنه، وأحيانا يظل الشعور معه لكنه يصير مثل أصواتٍ تأتيه من التلفزيون وهو في المطبخ يعد العشاء، وربما لا ينتبه إليها أصلا حينما ينهمك فيما يفعله أو يسرح بتفكيره في أشياء أخرى.
لكنه هاهو يجلس ويرى أمه تأتى له بالعشاء، ويلمح رأس أبيه النائم في غرفته، ويسمع أخويه مجدي ومدحت وهما يتكلمان عما حدث في الجامعة، وأمامه يرى نفسه وهو صغير يخبط الكرة في الحائط لترتد إلى كفيه فينجح في الإمساك بها أو تصطدم بذراعيه فترتدّ إليه هو الجالس على الكرسي فيعيدها إلى صاحبها الذي ينتظرها فاتحا يديه.
وجد أن قيامه عن الكرسي سيصرفهم جميعا، سيحرمه من أن يراهم، ويكون أشبه بطردٍ لهم.
أسرع نحو الباب وفتحه، جذب المفتاح الذي نسيه فيه من الخارج، وأتته أصواتهم المتداخلة منها ما يضحك ومنها ما يهمس له ألا ينسى مرة أخرى، ومنها ما تنصحه أن يسرع بالدخول إلى غرفته ولا يردّ على أبيه المتضايق من نسيانه الدائم.
غير معروف عنه أنه يمكن أن تأسره لحظة مثل هذه، لكن مع استمرارها طويلا الليلة، شعر بها تعلّمه كيف يصدقّها، وتختبر- في نفس الوقت- مدى مقدرته على تحمّلها.
بحثٌ
سيطرت عليه في الفترة الأخيرة فكرة أن ما يبحث عنه قاب قوسين أو أدنى من يديه لكنه لا يراه. مجرد فكرة، لأنه لم يختبرها جيدا في حياته، ولم تعطه أي برهانٍ عليها سوى ماكينة الخياطة القديمة التي كانت تديرها يدٌ والأخرى تمرر القماش أو ما تخيطه تحت السن المدبب.
ففي يوم أراد أن يجمّل شقته بتحفة قديمة، فخرج مع صديق إلى بائع أنتيكات في باب اللوق، وأعجبته أشياء كثيرة لم يستطع شراءها لغلو أسعارها، فذكّره صديقه بماكينة الخياطة التي يمتلكها، ونصحه بأن يجلوها ويحسن اختيار مكان لها في شقته.
وهذا ما فعله، وأطال النظر إليها في الأيام الأولى إعجابا بها، وعلّق أصدقاءٌ له على غرابتها وجمالها، لكن كثيرا منهم أغفلوها تماما إلا إذا نبهّهم هو فيكتفون بـ «جميلة»، يقولونها سريعا لينتقلوا إلى الحديث عن أشياء أخرى.
أقنع نفسه بأنها دليلٌ على أن ما يبحث عنه في متناول يديه. وما كان يشكّكه أحيانا في هذا الدليل أن من اقترح عليه الماكينة صديقه ولم تنبع منه، وخفّف من حدة شكّه بأن التحفة كانت في شقته، وهو من حدّث صديقه عنها، وأن كل ما يحتاجه بعد ذلك هو ترك الفكرة تتغلغل داخله ويؤمن بها لتثمر بعد ذلك كل ما يتمناه.
لم يعد ينبّه أحدا إلى الماكينة لكنه ظل حريصا على تلميعها ويتضايق لو طالها غبارٌ، ويطيل النظر إليها أحيانا لعلها تشير إلى ما لا يراه.
صباح الخير
إذا استيقظت من النوم، وكان مزاجك سيئا، لا تريد أن تتكلم مع أحد ولا حتى أن تقول صباح الخير، فما عليك سوى الاتصال بهذه الأرقام، وتستمع للرنات وكأنك تنتظر أن يجيبك أحد تعرفه. قل صباح الخير لمن يرد عليك.
* صباح النور، مين معايا؟
* مش فاكرني؟
تأكد أن سؤالك سيساعدك على إطالة المكالمة قليلا، فأي واحد منا يشك في ذاكرته عند سماعه هذا السؤال، وفى نفس الوقت يتطلع إلى الكشف عن السر الذي يخفيه، بالطبع يوجد أناس لا يمثل السؤال لهم أي شيء، لكن اطمئن، حينما تتصل بهذه الأرقام التي ذكرتها لك سيرد عليك شخص-غالبا سأكون أنا- ويكون متفهما لسبب اتصالك ويجيبك عندما تسأله مش فاكرني،
* لا، والله، فكرني بحضرتك.
ولن يكشف لك أنه متواطئ معك حتى لا يفسد اللعبة، وعندما يجدك متحيرا فيما ستقوله، سيسارع لإنقاذك بصيحة لن تكون شديدة جدا، ويذكر لك اسما ليكن«عبدالله»
* انت فين ياراجل؟
الآن أصبحت الكرة في ملعبك، إما اختيار أن تكون عبدالله وتبدأ في سرد أحداث تخصه أو تتأسف وتقول النمرة غلط. وغالبا سيشجعك ترحيبي بك على اختيار الاحتمال الأول ، لكن-انتبه- سيلازمك اختيارك عدة أيام، اتصل خلالها بك وأجرى حوارا مع عبدالله، ولو أغلقت السماعة في وجهي سأتصل بك مرات أخرى، لا رغبة في الحوار معك بل عقابا لك على تركك اللعبة، مما سيزيد من تعكير مزاجك وندمك على اتصالك بي من البداية.
أما إذا واصلت اللعبة فعليك تذكّر كل ما تحكيه عن عبدالله، لأنك لو نسيت شيئا سأذكّرك به وأشكّك في أنك الشخص المطلوب، مما يضطرك إلى التأكيد على أنك هو بذكرك تفاصيل كثيرة قلتها من قبل مع السماح لك بالاستطراد فيها،.
وعندما أثق مرة أخرى في أنك عبدالله، سيأتي دورك لتمتحن ذاكرتي، وسأتناسى بعض التفاصيل مطالبا أن تذكرني بها، وكما اتضح لك، لو كنت ناسيا سأشكّك فيك مرة أخرى، فتعتصر ذاكرتك لتمنحك التفاصيل التي تناسيتها، وقد أساعدك قليلا حينما أتأكد من جدية محاولاتك. طبعا ممكن بأدب طلب الخروج من اللعبة كلها.
وسأوافق، بشرط السماح لي بالاتصال بك ياعبدالله حينما أكون مثلك الآن، وسأكرر تحذيري ألا تنسى كل ما قلته لي، لكن التحذير هذه المرة رغبة في ألا يظل وجود عبدالله حبيس دائرة الشك والمحاولات المستمرة للتأكد أنك هو، ففي النهاية لا ذنب له أنه وجد في لعبة، ومن حقه التقدم في حياته قليلا بفضل اثنين يتذكرانه جيدا، حتى لو كان تذكّرهما مرتبطا بمزاجهما السيئ وعدم رغبتهما في قول صباح الخير.
القفاش في سطور
* قاص وروائي مصري
*مؤلفاته القصصية «السرائر» و«شخص غير مقصود» ورواياته «تصريح بالغياب» و«أن ترى الان» و«مسألة وقت». ويؤكد النقاد أن منتصر القفاش يعتمد في كتاباته القصصية والروائية على شكل المقطع وعلى الشخصية المركزية التي تختلف في مركزيتها عن شخصيات الأدب الكلاسيكي من حيث انتمائها للهامش وتفكك وحدتها النفسية والاجتماعية.
والصحافي والأميرة في باريس

