اقتحمت نينار إسبر في حوارها الصريح مع والدها الشاعر الكبير أدونيس المحظور المتعلق بالجنس والدين، واتسم عملها الذي صدر مؤخرا باللغة الفرنسية تحت عنوان «حوار مع والدي أدونيس» بجرأة قادمة من أنثى تجاوزت الخوف والحرج الذي يحكم تقليديا العلاقة بين الأب وابنته، فكسرت التابوات في تعبيراتها الانفعالية والعاطفية محاولة اكتشاف الأب ومن خلاله الرجل.

وحملت أسئلة مكبوتة إلى الشاعر والعاشق والصديق لتوظفها في مشهد حواري كانت تحتاجه صريحا ومكثفا، فحققت من خلال المكاشفة العفوية قيمة أدبية لعملها ونجحت إلى حد بعيد في تقديم صورة مختلفة لأدونيس الأب والرجل والإنسان. عن هذه الهواجس كان هذا الحوار التالي نصه مع مع نينار أسبر: تفوقت في عملك الأخير جرأة على والدك الشاعر والناقد المعروف أدونيس وتخطيت الحرج في أسئلتك المباشرة والصريحة؟نشأت في بيئة بعيدة عن العقد نقول فيها الأمور كما هي ولطالما كان والدي صديقا لي أنا وشقيقتي أرواد، وعندما قررت أن أقوم بهذا الحوار مع أدونيس لأتعرف على الأب، كنت أمام خيارين إما أن أكون صريحة جدا لأعرف هذا الرجل أكثر أو أن أطرح الأسئلة التقليدية وبالتالي لا داعي للكتاب من أساسه، وهكذا بدأت من الأمور الشكلية وتدريجيا تعمق الحوار نحو الأمور الحساسة.

لماذا اخترت أدونيس بالتحديد وما العبرة من إقامة حوار صريح إلى هذا الحد بين ابنة وأبيها؟

طرحت أسئلة عديدة يخطر في بال كل فتاة أن تسألها لوالدها، أردته حوارا بيني وبين أبي لأتعرف أكثر عليه، فأدونيس لطالما كان غائبا منذ طفولتي، أنا أعرف الشاعر والأديب والرجل العام وليس الخاص بالمعنى الأبوي الحميمي، أدونيس كان بعيدا باستمرار تارة بسبب الأحداث وأحيانا لانشغالاته العديدة في بلدان العالم.

حيث كان يمكث في كبرى المدن سنة وأحيانا أشهر، وكثيرا ما كان يضطر للسفر والبقاء بعيدا عن المنزل فترات طويلة بحكم آرائه الجريئة في السياسة وغيرها، وعندما يكون حاضرا بيننا تسرقه الكتب الكثيرة فالمنزل كله كان عبارة عن مكتبات معلقة على الجدران.

وهذا ولد لي عقدة، أمي خالدة سعيد كاتبة أيضا ويظل الاثنان مشغولين بالكتب والكتابة على الدوام، كنت أفتش عن أدونيس الصوت والحضور والجسد وأراقبه من بعيد دون إمكانية التواصل والتقرب منه، وبغض النظر عن كونه رجلا مشهورا فهو لذيذ على المستوى الشخصي خفيف و«عييش»، من هنا جاءتني فكرة الكتاب الذي أيقنت أنني سأتمكن من خلاله مجالسة .

والدي أطول وقت ممكن وأخبرته أنه لدي أسئلة كثيرة أطرحها عليه وهو مضطر أن يبقى معي حاضرا بجسده وليس على الهاتف كالعادة حتى أنهي العمل، وخططت لأسئلة هي في الحقيقة مطولات لأنني اعتقدت أنه كلما كانت الأسئلة أطول كلما مكث معي أكثر.

البعض يعتبر أن المجتمع العربي لا يتقبل هكذا نوع من الكتب الجريئة وأن ذلك هو السبب وراء عدم ترجمته للغة العربية؟

لم أكتب هذا الحوار من أجل أحد بل من أجلي أولا، الفكرة من وراء الكتاب أن أجلب أدونيس إلى عالمي وعالمي هو باللغة الفرنسية التي أرتاح لها رغم أنني شغوفة باللغة العربية لكني لا أتقنها بالشكل المهني كما يجب، وما قيل حول الترجمة خاطئ فالكتاب سيصدر في سبتمبر باللغة العربية عن دار الساقي وقد ترجم إلى اللغة السويدية وحاليا يترجم للإيطالية وقريبا للتركية والإنجليزية والإسبانية.

أين عبر أدونيس عن رأيه بصراحة خلال الحوار وأين تحفظ؟

قال كل ما يفكر فيه فيما يتعلق بتجربته الشعرية والجوانب العاطفية لديه، لكنه كان متريثا في موضوعات تتعلق بالدين والعلاقات الجنسية وحثني أن أكون منطقية وغير متطرفة، وقد أحرجته في بعض المقاطع بسؤالي عن جسد الفتاة الابنة من زاوية النظرة الأبوية لها أي الفتاة في عيون والدها.

وكيف يخلق الأب عادة حاجزا أخلاقيا بينه وبين ابنته فالفتاة جسد أيضا كما هي ابنة، وسألته بالتحديد كيف تشعر عندما ترى ابنتك جميلة يافعة وجذابة ما الذي يخطر ببالك أولا، ارتبك قليلا ثم قال لي أفرح وأكون فخورا بها وبنفسي لأنني أنجبت فتاة جميلة ومهضومة.

ما الجديد الذي قدمته عن أدونيس ولم يكن ممكنا للقارئ أن يعرفه عنه من خلال كتاباته؟

المشكلة أنني لم أقرأ كتبه كلها وغالبا ما أفضل أن أشاهده في أمسيات شعرية حية، هذا غريب بعض الشيء لكني أريده أبا وحسب.

هل استطعت أن تكوني مهنية وموضوعية في حوار أنت جزء منه ووالدك هو الطرف المقابل؟

لم أسأل أدونيس وأنا أفكر أنه الشاعر والمثقف وإلا لكنت فشلت، اتخذت قراري منذ البداية أن تكون أسئلتي تلقائية نابعة من أحاسيسي لا أريدها كبيرة ومعقدة فقد خضع أدونيس لهذا النوع من الاختبارات الصحافية مع أشخاص مخضرمين.

لذلك أنا لم أسأله عن الكتابة والشعر وهموم الثقافة اعتمدت السهولة لأصل إلى عمق الأب وأعرفه أكثر، وبمجرد أن سمحت لنفسي أن أسأل ما يحلو لي خرجت المقابلة عفوية وظهرت حاجتي الكبيرة للتحدث مع والدي.

ما الذي جذب القارئ أكثر موضوع الكتاب أم شخصية أدونيس المعروفة؟

في العالم العربي اهتموا بالكتاب لأنهم يهتمون لأدونيس الشاعر، لكن في الغرب استحوذ كثيرا على اهتمام الفتيات اللواتي يرغبن في فهم طريقة تفكير آبائهن تجاه أمور حياتية عديدة لاسيما .

وأنني أهديته لكل اللواتي يحببن آباءهن، وقد سرني كثيرا عندما علمت وأنا في صالون أدبي في الدار البيضاء أن أخبرني بعض الأهالي أنهم أهدوا أولادهم الكتاب ليقرأوه لأنه يجيب فعلا عن أسئلة كثيرة لدى الفتيات قلما يطرحونها بصراحة.

ما الذي حققته على المستوى الشخصي من هذا العمل؟

الأهم بالنسبة لي أننا أصبحنا أنا ووالدي أقرب بكثير من قبل، حدث بيننا تواطؤ ضمني بعد المقابلة، شعر أنني فهمته وأنني لست غاضبة منه وأنه صار بإمكانه الاعتماد علي، وشعرت أنني تحررت من عبء غيابه وقلت له أن ذلك سبب لي ضعفا في علاقتي مع الرجل بشكل عام.

كيف كان انطباع أدونيس الأول بعد قراءته الكتاب؟

كان فخورا بعملي وقال حرفيا مهم جدا وهذا أسعدني إلى حد كبير.

ماذا عن مشاريعك الأخرى؟

أنا فنانة في الأساس درست الفنون الجميلة في باريس واشتغلت على موضوعات تصويرية تتعلق بفن الفيديو ولا يزال لدي الكثير لأفعله في هذا المجال، شاركت في عدة معارض كان آخرها في غاليري «شقة 22» في المغرب وفي باريس،.

وأتلقى منذ ثلاث سنوات دروسا في الغناء الأوبرالي وأمارس الرقص الشرقي بانتظام، فمنذ أن هاجرنا إلى فرنسا قبل 22 عاما وأنا متمسكة بكل ما له علاقة بأوجه حياتي كامرأة عربية ويزعجني كثيرا ارتداد الشباب المهاجرين نحو التعصب الديني كتعبير عن التمسك بهويتهم بدل التوجه نحو المضيء من تراثنا.

تتنقلين بين الشام وبيروت وباريس ما هي علاقتك بكل من هذه المدن؟

سوريا تمثل الروابط العائلية بالنسبة لي فجدتي والدة أدونيس التي أعشقها تعيش هناك وأنا أحرص على زيارتها بانتظام وأيضا عائلة أمي، لكن بيروت هي حياتي أشعر أنني بالقلب والجسد لبنانية وبالعقل فرنسية، فرنسا كونتني ثقافيا وإنسانيا وصيرتني قبضاية لأنها بلد صعب جدا.

أدونيس الأب التقليدي

ظهر أدونيس في الكتاب على العموم في صورة الأب بالمعنى التقليدي للكلمة، فجأة صار يتدخل في التفاصيل ينفعل يحتد يقول لي لا هنا ولا هناك، صدمني فعلا لم أعتده إلا محايدا في تربيتنا وأمي كانت المنوطة بأمور التوجيه وإصدار أوامر الممنوع والمسموح، وعندما احتككت معه في هذه التجربة استشعرت حرص الأب ودوره المألوف وأظن أن القارئ استشعر من خلال نبرته وتحفظه على بعض النقاط أنه أدونيس الأب والإنسان.

الخصام مع الأهل

لم أستطع من قبل أن أثبت نفسي أمام أدونيس الأب نتيجة غيابه ومن لا يتخاصم مع أهله لا ينجح في اختراع شخصيته، لم أعرف كيف أتخاصم مع والدي وهذا لم يعمرني لكن الكتاب الذي تعاتبنا فيه وتصالحنا واتفقنا بناني من الداخل، انقلبت الأمور كلها وشكل الكتاب لي تاريخا فاصلا بين مرحلتين قبل الإصدار وبعده.

ثناء عطوي