ما أكثر ما كتب في المتن وعنه، إلى درجة أن مجرد الحديث عن المتن، والتأكيد عليه، يعني أن المعني به، أقرب إلى الأصولية، بمعنى التصلب، ورفض التجديد، وبالمقابل يكون الحديث عن الهامش، تنسيبا لصاحبه إلى عالم التجديد، أو الأصولية المضادة، وربما الحداثة، وربما أكثر أيضاً، إلى عالم الإبداع.
وبذلك يدرج المتن في عداد المستهلَك والمستهلِك معاً، بينما الهامش، فيدرج في فضاء المنتج ومطوّر الإنتاج.
لكأن كل حديث في النقد، أو في الأدب، بات اصطفافاً حول أحدهما، وخلافاً مع الآخر، وليس في وسع المنخرط في النقاش، أن يكون في موقع يتعداهما، وفق تصور مختلف.
هذا يعني أن على أيّ كان ضرورة تحديد موقفه من طرفَي الثنائية المتباعدين، أن ينظم عالمه، بما فيه من موجودات وعناصر، في مضمار المتن أو الهامش، ولكل منهما اعتباره الخاص.
تُرى هل حقاً أن ما يثار باسم النقد، وبالطريقة التصارعية هذه، جديد في تاريخه؟ هل ارتبط التفريق بينهما برجل التفكيك المعتبَر جاك دريدا، أم أن الموضوع المثار بالطريقة الاستنفارية السالفة، فيه الكثير من التجنّي على اللغة، وضمناً على كل من المتن والهامش نفسه.
ربما جاز في الإمكان ـ هنا- الحديث عن أوجه الخلاف أو الاختلاف في استعمال المفاهيم أو المصطلحات، في تاريخ كل منها، وكيفية تعرضها للتغير والتحول أو التحوير، أما أن يُنظَر في موضوع المتن والهامش، وكأنهما خطان لا يلتقيان، كما هو المعهود في الحسابات الإقليدية، وبنوع من البداهة المسبقة، فهذا ما يجب التوقف عنده، لما فيه من خلط كبير وخطير معاً.
لأن ليس من موضوع ما، ويكون مكتملاً، مثلما أن التمييز بينهما بالصورة السابقة، إساءة بالغة إلى اللغة بالذات، لأنها في أصلها اختلافية، وهي التي تعرّف بهويتها، من ناحية بنيتها، على أنها شمَّالة أو ضمَّامة الاختلافات الكبرى،.
وإلا لما كانت لغة أساساً، كما يدل عليها ذلك التنوع أو التعدد في المعاني لسَير الكلمة الواحدة، وفي المنحى المرافق والموضح، يمكن التساؤل قليلاً: هل الضفة هامش للنهر، والنهر- بالتالي- متن الضفة، وحدقة العين متن للعين، بينما المحيط بها هامشها، وهل الجسد كمفهوم حيوي هامش للروح، أما بالعكس، ليكون الآخر متناً؟
إن كل قراءة، وكل قراءة في قراءة، تحمل من قوى التفكيك الداخلية، والقابلية لعدم التماسك، وليس العكس، والبقاء خارج التأطير، ما لا يمكن حصره، وبالتالي، تلك القابلية للتركيب والتشذيب.
وفي تاريخ القراءة، يسهل تتبع حركية بناء النصوص، وكيف تتداخل (أي كيف يحصل التناص)، أقول : في بنائها وفي هدمها بالمقابل، لأن ثمة تداخلاً وحتى تفاعلاً بين حياة النصوص وموتها، إنما في طرائق قراءتها وإنتاج المعاني ذات الصلة باختلاف الطلائق تلك.
وفي قراءة أي موضوع، تكون الأسئلة التي يطرحها الموضوع نفسه من الداخل، ما يصعب البت فيه بصورة نهائية، لأن أي نص، مهما بدا من الصغر، هو أكبر من صاحبه، مهما عظمَنَت مكانته، فهو موجود قبله بجانب منه، وباق من بعده.
وهو الذي يحيله إليه أثراً من آثاره، ليكون هو محكوماً به، بما يتم تفعيله من الداخل، وأن ما يضاف إليه، ينمّي تلك القابلية فيه للمزيد من التغير والتحول، ويعني هذا، أن النص، أي نص، يظل قابلاً للمكاشفة أو المقاربة النقدية في كل آن وحين، وهذا يتوقف على مدى المرونة في القراءة، وفي كل نص، يتوافر كم كبير من خطوط الاتصال، وأوجه الاكتشاف المغيَّبة.
وفي انتظار من يشير إليها، وهذا يعني أن اللغة توليدية واستيلادية، من خلال البنية التركيبية فيها، والقدرة الدائمة (ودائماً بحسب المستخدِم)، على الإتيان بصور مستحدثة.
كما لو أن اللغة تمارس في تاريخها المتعدد المسارات، صنوفاً مختلفة من حالات الموت والانبعاث، وتبادل المواقع القيمة بينهما، ومن حالات النسخ والتنسيخ، لأن الطاقة الكامنة فيها، تكون حياتية، وبوجود البشر، ومن هنا أضفيَ على اللغة الكثير من القوى التي تحملها داخلها، كما يمكن ملاحظة ذلك في تاريخ اللغة، وتعدد وظائفها، وصلاتها بمختلف العلوم الطبيعية والإنسانية.
ويعني ذلك أن أي حديث عن المتن، يتضمن كشف حساب الهامش، والعكس صحيح، وما يتبدى هنا من جانب قيمي، اعتباري، والحذر في مكاشفة القراءة، بالنسبة لأي نص كان، من خلال إدارة تضيء مختلف جوانبها، مع الوعي المسبق بأنها قراءة في سلسلة القراءات اللامتناهية، كما يمكن ملاحظة ذلك فيما نقرأ ونكتب، ونشهد من تحول في فعلَي القراءة والكتابة.
ولكن، ماذا نقول عن النص الذي كان هامشاً؟ هل هو هامش باستمرار، أم يريد التعريف بمفهومه الثقافي والجمالي، على أنه ذاتيُّ التجديد؟
أليس النص: الهامش، وفق المنطق الذي يعرَّف به، قد أوقع بنفسه في «أحبولة» النص: المتن؟ وهذا يبرز أكثر، عندما يمارس ممانعة ما، بكونه لا يقبل مقاربة نقدية من الخارج، وهذا خروج عن تاريخ المفهوم بالذات، عن منطق المعنى ودلالاته.
ذلك لا يعني أن ما شهدناه في العقود المنصرمة، من تحولات في مفهوم القراءة، وفي جانب الإزاحات التي مورست في نصوص لصالح أخرى، وفي مختلف المجالات، في النقد الفكري والفلسفي والأدبي والفني...الخ، من المنظور السالف الذكر.
وكيف أننا تلمَّسنا في التحول هذا، طابعاً من الاستكشاف لما هو جديد، وللغواية القارة في أي نص، أو عمل إنساني، نقيم معه علاقة اتصال ما، ثقافية طبعاً، ولكن، ما أريد تبيّنَه هو في عدم الانسياق العاطفي خصوصاً، وراء ما لم ينقَّب في بنيته ومفهومه،.
كما ينبغي، هو التأني في استخدام الجمل التي سرعان ما تتحول أحياناً إلى أحكام قيمة ( في إطار : يجب ،ويجب..)، إذ لا يمكننا أن نكون في مستوى الحقيقة التي ننادي بها، في مستوى الحقيقة التي نريدها أكبر منا، وإلا لما شدَّتنا إليه، وهي داخلنا وخارجنا معا، لنحسن التحرك باسمها باستمرار( أين هو المتن، وأين يكمن الهامش في سعينا إلى الحقيقة؟.
في مجال أي قراءة كانت، إن لم نعترف لهذه القراءة، بقيمة تاريخية وتربوية تعزّز فينا سلوكنا المحفّز على المكاشفة المزيد مما يشغلنا، في نطاق الحقيقة التي يجب صونها، وعلى أن الحقيقة المتعلقة بالقراءة هذه وديعة تاريخية بالتالي، يجب التذكير بها.
وهذا يجعلنا أكثر تآلفاً مع الحقيقة التي تتوزع في مختلف النصوص والجهات التي نستشرفها، وبالتالي، ولكي نكون على بيّنة، على أن المتن والهامش، لا يمكن التفريق بينهما، إلا من منظور إجرائي، كونهما يشكلان وجهين قابلين للنمو، لعملة واحدة،.
هي الحقيقة التي تشدنا إليها، مثلما نندفع إليها، وفي الوقت نفسه، تشد سوانا إليها، فهي الوحيدة التي لا تقبل الاحتكار، وهذا يقودنا إلى مفترق طرقها، ليدرك كل منا، أنه بحاجة إلى متن الآخر وهامشه، والعكس صحيح بالمقابل، داخله وخارجه !
