تضم «دفاتر سنوات 1913 - 1939 » للمؤلفة مارينا تزفتاييفا كتابات متنوعة إذ فيها يوميات كانت الشاعرة الكبيرة قد تعوّدت على كتابتها، وفيها بعض الملاحظات على قراءات كانت قد قامت بها، و تعليقات على مسائل الحياة اليومية، هذا بالإضافة إلى الكثير من التأملات والانطباعات . لكن بكل الحالات يجد القارئ في هذه الدفاتر ملامح العالم وإطار الحياة التي قدمت فيه الكاتبة أشعارها التي رددتها روسيا، وأبعد منها، العالم أجمع.
إن العام الذي بدأت فيه المؤلفة كتابة هذه الدفاتر ـ 1913 ـ سبق قليلا نشوب الحرب العالمية الأولى والعام الذي أنهتها فيه 1939 ـ سبق قليلا أيضاً نشوب الحرب العالمية الثانية. وفي المرتين بدت وكأنها تستقرئ التاريخ. لكن على مدى الكتابات التي تحتويها ـ أي الدفاتر ـ يبدو الألم بمثابة الخبز اليومي لحياة هذه المرأة ـ الشاعرة.
وهذا ما كانت قد ترجمته شعرا منذ ديوانها الأول عام 1910، ثم في دواوينها اللاحقة والتي أكثرها شهرة شعر الجبل و شعر النهاية اللذين تتحدث عنهما، وعن ظروف كتابتهما، في هذه الدفاتر. هذا بالإضافة إلى كتاب اعترافات حمل عنوان: العيش مع النار .
هذه «الدفاتر» يتم نشرها بعد ما يزيد على 60 سنة من وفاة صاحبتها منتحرة ، وذلك لسبب بسيط هو أنه تمّ العثور عليها منذ فترة قصيرة فقط من الزمن. وجرى جمعها وتصنيفها ونشرها كاملة . وإذا كانت هذه الكتابات قد كشفت عن العديد من الأسرار التي أحاطت بحياة صاحبتها فإنها قد كشفت أيضاً عن بعض الجوانب التي لم تكن معروفة، إذ أن الشاعرة كانت قد حرصت، كما يبدو، على إخفائها، وليس أقلها هو أنها كانت تحمل مشاعر معادية للسامية وهذا ما تكتبه صراحة عام 1919 وجاء فيه: ما لا أستطيع أن أغفره لليهود هو أنهم يفرّخون بسرعة .
أو ما تكتبه في أحد دفاترها لعام 1918 عن المرأة التي كانت الشاعرة تقطن عندها وجاء فيه: إنها نوع من العنكبوت اليهودي الصغير . وجاء في أحد كتاباتها المؤرخة ب18 نوفمبر 1918 وصفها لامرأتين يهوديتين ما مفاده: كانت توجد على يساري امرأتين يهوديتين قذرتين ومزعجتين . وتضم هذه الدفاتر صفحات كثيرة عن حالة البؤس التي عاشتها الشاعرة مع طفلتيها أليا وايرينا.
هذه الابنة الأخيرة توفيت في أحد ملاجئ الأيتام كانت أمها قد وضعتها به على خلفية اعتقادها أنهم يقدمون به الأرز والشوكولا للأطفال النزلاء. ولكن تلك الابنة ماتت من الجوع . ويخال للقارئ أنه ليس أمام أشخاص من لحم ودم وإنما أمام شخصيات روائية قد خرجت للتو من « البؤساء » الذي وصفهم فكتور هوغو في روايته الشهيرة التي تحمل هذا العنوان.
ما تبينه كتابات هذه الدفاتر هو أن صاحبتها عاشت لسنوات طويلة موزعة بين البحث عن تأمين أبسط سبل العيش، تقطع الأخشاب أو طلب المساعدة من المارّة في شوارع موسكو وبين الكتابة. كتابة الأشعار التي قرأها عشرات الملايين من البشر في جميع أنحاء العالم.
لم تكن مارينا تزفتاييفا تكره فقرها، بل إنها لم تتردد في أن تكتب الفقر هو رفاهية لا تنتهي، إنه حلم ونضيف: في هذه اللحظات أعيش كما أحب وأشتهي تماما، أي في غرفة واحدة، صغيرة وحقيرة. السماء قريبة مني والأطفال بجانبي، ألعاب ايرينا وكتب أليا. إن إناء تحضير الشاي ـ الساموفار ـ والفأس وسلة البطاطس، هذه هي الشخصيات الأساسية في مأساة حياتي.
وكتبي ودفاتري وحزمة كبيرة من أشعة الشمس تتخلل الغرفة كلها من السقف المثقوب، هذا يمكن أن يتكرر في أي مكان وبأي وقت. إنه شيء أبدي من خلال الأم والأطفال والشاعر والسقف . ونقرأ في مكان آخر: لست من صنف النساء اللواتي يجرين وراء الآخرين، ولا من اللواتي يجري وراءهن الآخرون. ربما أنني من الصنف الأول، ولكنني أجري في عالم الأشعار .
وتؤكد مارينا تزفتاييفا أنها تتغذى بالكلمات وليس بما يسعى الآخرون للتمتع به من سلع ورفاهية مادية. هذا ما يبدو بوضوح من خلال توصيفاتها لحياتها اليومية مع ابنتها الصغيرة أليا، التي تدللها بتسمية ارياندا ؟ هذه الابنة كتبت فيما بعد كتابا عن أمها تحت عنوان «مارينا تزفتاييفا، أمي»، وجرى نشره مؤخرا في فرنسا . وقد جاء في أحد «الدفاتر»، كتابتها: لا يدرك البشر القيمة اللامحدودة التي تكتسيها الكلمات بالنسبة لي. إنها أفضل من المال، ذلك أن نعمتها تظهر بسهولة أكبر .
وتحكي الشاعرة في هذا الإطار كيف كانت تقضي يومها منذ استيقاظها في الصباح الباكر وحتى ساعة متأخرة من الليل بين نشر الخشب و إضرام النار و غسل البطاطس بالماء المثلّج ثم طهيها على جمر النار التي أشعلتها ولا تنسى أن تلاحظ أنها كانت تقضي كل نهارها وليلها بثوب واحد وحيد كان قد كشّ كثيرا و المحرق بسبب الجمر وأعقاب السجائر المشتعلة التي تسقط عليه .
وإذا كانت حياة هذه الشاعرة غاية في الفقر المادي، إذ لم تكن تمتلك أي شيء تقريبا، فإنها كانت ثرية ب«عالم الشعر» ، بل إنها تؤكد قولها: »لم أبحث أبدا عن أشعاري، إنها هي التي تبحث عني. وقد كان تدفقها كبيرا إلى درجة أنني لم أكن أعرف ماذا أكتب منها وماذا وأترك . وتضيف في موضع آخر: قد يحدث لي أن أكتب أبياتا من الشعر على يمين الصفحية، وأخرى على يسارها، وغيرها في زاوية صغيرة ما منها. ثم ها هي يدي تحوم فوق الصفحة كلها من أجل إيجاد مساحة شاغرة ما .
حدث ثقافي
دفاتر سنوات 1913-1939 اعتبرها معلقون ونقاد فرنسيون أنها أحد أهم الأحداث الثقافية والأدبية الكبرى في السنوات الأخرى بالنسبة للمكتبة الفرنسية، هذا بالإضافة إلى التأكيد على قيمتها الوثائقية الاستثنائية حيث عاصرت سنوات قيام الثورة الروسية والفترة التي تلتها.
المؤلفة في سطور
لم تكن مارينا تزفتاييفا، أحد أكبر شعراء روسيا في القرن العشرين فحسب، وإنما كانت أحد أكبر شعراء العالم كله فيه. اشتهرت بتمرّدها وبثورتها على المعايير الشعرية في عصرها وهي التي كانت قد شهدت العديد من منعطفات التاريخ الكبرى مع الحرب العالمية الأولى وقيام الثورة البلشفية في بلادها، روسيا، عام 1917، كما شهدت بدايات الحرب العالمية الثانية. عرفت المنفى إلى ألمانيا ثم إلى تشيكوسلوفاكيا ثم إلى فرنسا قبل أن تعود من جديد إلى روسيا عام 1939 لتضع حدا لحياتها عام 1941. مارينا تزفتاييفا من مواليد عام 1892 في موسكو.
الكتاب: دفاتر سنوات 1913-1939
تأليف: مارينا تزفتاييفا
الناشر: سيرت باريس 2008
الصفحات: 1126 صفحة
القطع: الصغير
Les carnets 1913-193
Marina Tsvetaieva
Syrtes - Paris 2008
6211.P
