المعروف عن الجنرال شارل ديغول أنه كان رجل دولة شديد التحفّظ فيما يخص حياته الخاصة. هكذا مثلا لم يذكر اسم زوجته السيدة ايفون ديغول سوى مرتين فقط في الأجزاء الثلاثة من مذكرات الحرب التي كتبها. وكان يحرص دائما على أن لا يذكر شيئا تقريبا عن حياته الخاصة وكان يرفض أن يتحدث أي شخص كان باسمه وهو صاحب الجملة الشهيرة التي قالها عام 1958 وجاء فيها: عندما يرى الجنرال ديغول أنه من المفيد إطلاع الرأي العام على ما يفكّر به، فمن المعروف عنه أنه يفعل ذلك بنفسه وعلانية .
ومن الشهادات العديدة التي يسوقها مؤلف هذا الكتاب، تلك التي يقدمها الكاتب جان دوتور والتي تعود إلى عام 1957. كان هذا الكاتب قد قدّم آنذاك عملا أدبيا اشتهر كثيرا بعد ذلك تحت عنوان «سيارات أجرة ـ تكسي ـ المارن ». و المارن هو نهر معروف في فرنسا يلتقي مع نهر السين في أحد ضواحي باريس الشرقية. كان الجنرال قد قرأ بعض المقاطع التي نشرتها الصحافة من ذلك العمل.
ونقرأ في الشهادة: عندما دخلت إلى مكتبه المتواضع رأيت قامة كالهرم (...). جلست قبالته على بعد متر واحد تقريبا. لقد سحرني وجهه الذي استطعت أن أتملّى جيدا تقاطيعه (...). أحسست أنني كالطفل أمامه وهو يتطلع نحوي برفق. لقد تولّد لدي الشعور أنني لا أقابل شخصية لها مكانتها في تاريخ فرنسا فحسب وإنما أيضا، بل وأكثر، ديناصورا.
الشهادات الخاصة بقوة شخصية الجنرال ديغول عديدة في هذا الكتاب، ولكن هناك أيضاً الكثير من الشهادات التي يتحدث أصحابها عن هذا الجانب أو ذاك من تلك الشخصية. هكذا يتحدث «البان شالاندون » الذي عمل لفترة من الزمن في مكتب الجنرال بباريس اعتبارا من عام 1958، أي منذ تأسيسه الجمهورية الفرنسية الخامسة.
ويقول إنه عمل في العديد من الوظائف إلى جانب قادة سياسيين في ظل الجمهورية الفرنسية الرابعة التي استمرّت منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1958. ويؤكد أن رد فعل الجنرال لم يكن أبدا شبيها بردود أفعالهم، ولم يكن سلوكه مثل سلوكهم ولا مواقفه مثل مواقفهم ولا طريقة حديثه كطريقتهم. باختصار كان كل شيء جديدا عنده .
أما لوسيان نورويت صاحب المشروع الشهير عن الإجهاض فيروي عن رؤية الجنرال للجنس اللطيف ويقول أنه ذات مرة من عام 1966 كان مدعوا مع وزراء آخرين إلى قصر الاليزيه وهناك قال له الجنرال: قل لي إذن، نورويت، ينبغي أن تأتي للتحدث معي . لقد فهم المعني أن الجنرال على اطلاع بالمشروع الذي يعدّه من أجل الإجهاض.
وحول موقف الجنرال من النساء يسوق المؤلف أيضاً شهادة الكابتن فرانسوا فلوهيك الذي كان يرافق الجنرال عام 1961 أثناء زيارة جون كيندي وزوجته جاكلين إلى باريس. ويؤكد هذا الضابط قوله: لا شك أنه أحاط جاكي باهتمام أكثر مما فعله حيال زوجة أي رئيس دولة آخر. وهذا ما بدأ من طريقته في اصطحابها إلى حيث كان يطلب من....... أن يقدّم لها بعض ما ترغبه من حلوى (...). لا شك أنه يحاول دائما في تعامله مع المرأة، لكنه تجاوز في تلك الليلة حدود المجاملة اللطيفة. وصدقوني لم أكن الوحيد الذي لاحظ ذلك .
ويروي نفس الضابط أنه في مرة أخرى وأثناء حفل استقبال حضرته بريجيت باردو وكان مكرّسا للفنانين كان الجنرال بصحبة اندريه مالرو ـ الكاتب الشهير ووزير ثقافته ـ وكنت خلفهما. كان الفنانون والفنانات يصلون ويمرّون واحدا بعد الآخر أمامه.
وفي لحظة ما رأيت بريجيت باردو تدخل من الباب وبرفقتها زوجها آنذاك غونتر ساتشز. لقد اقتربت منها، جميلة وأنيقة. وجنرال أو لا جنرال، لا يمكن لأحد أن لا ينجذب، وربما كان الجنرال منجذبا أكثر منّا. كانت دون شك ملكة ذلك الحفل. وبحركة من مرفقه لجاره لمالرو أضاف قائلا: إنها أنيقة، مثل عسكري . ثم رافقها عبر القاعة، كما فعل مع جاكلين كيندي، إلى حيث المآكل تحت أنظار الحضور وإعجابهم .
ينقل المؤلف عن آلان بلانتي مستشار الجنرال للشؤون الإفريقية قوله إن السيدة ديغول كانت تعرف أشياء كثيرة إذ أنها كانت تستقبل النساء وتتبادل الحديث معهن. ولم يكن تأثيرها على زوجها قليلا. لقد كانت تنقل له الأخبار والمعلومات وتفعل كل ما يمكنه أن يساعده.
وكثيرا ما كانت تسرّ له بصوت خافت: احذر من فلان. ولا أعتقد أن ما يفعله جيدا . وقد كان الجنرال يستمع إليها أكثر مما تظن. هكذا كانت ذات يوم وراء طرد أحد الموظفين في مكتبه بسبب علاقة غرامية مع زوجة أحد الوزراء. لكن صاحب هذه الشهادة يرفض الفكرة القائلة إن السيدة ديغول كانت تغلق أبواب الاليزيه في وجه البعض بسبب حياتهم الخاصة .
مؤسس الجمهورية الخامسة
يصدر كتاب «العيش مع ديغول» بعد مرو50 عاما على تأسيس شارل ديغول للجمهورية الفرنسية الخامسة، ذلك بعد عودته إلى السلطة واشتراطه لقبول تلك العودة صياغة دستور جديد يعطي لرئيس الجمهورية سلطات كبيرة بينما كان دستور الجمهورية الرابعة يولي بالأحرى سلطات أكبر للبرلمان كما أن هذا الكتاب يتم نشره أيضاً بعد ما يزيد قليلا على 37 سنة من وفاة الجنرال يوم 9 نوفمبر 1970. وكان الجنرال قد تخلّى عن السلطة يوم 28 أبريل 1969 بعد أن كان قد طرح تعديل دستوري على الاستفتاء الشعبي العام ولم يحظ بموافقة أغلبية الفرنسيين عليه فقرر الاستقالة والتنحّي من المسرح السياسي.
الكاتب في سطور
ميشيل تورياك كاتب وصحافي ومؤلف العديد من الروايات. سبق له مع الأميرال فيليب ديغول ابن الجنرال، كتابا من جزأين تحت عنوان: «ديغول، أبي». «العيش مع ديغول » كتاب جديد عن الجنرال صدر في الأسبوع الأول من شهر مايو الجاري وهو كتاب شهادات لعدد من «آخر الأوفياء» الذين كانوا قد عايشوا الجنرال خلال العديد من المحطات المفصلية في مسيرته السياسية والخاصة.
الكتاب: العيش مع ديغول آخر الشهود يتحدثون عن الإنسان
تأليف: ميشيل تورياك
الناشر: بلون باريس 2008
الصفحات: 612 صفحة
القطع: المتوسط
Vivre avec De Gaulle، les derniers témoins racontent l'homme
Michel Tauriac
Plon - Paris 2008
P.612
