يعتبر كتاب ميكائيل كورتيس «النظريات السياسية: من الاغريق وحتى عصر التنوير» المرجع الاساسي للباحثين وطلبة الدراسات العليا، ومنذ البداية يسلط المؤلف الضوء على واضعي القواعد واللبنات الاولى للفلسفة السياسية حيث يبدأ بحثه من أفلاطون الذي وُلد في نهايات القرن الخامس قبل الميلاد عام 428 ومات عام 348 عن عمر مديد يناهز الثمانين عاما. والبعض يعتبره أعظم فيلسوف ظهر في التاريخ. ومعلوم أنه كان تلميذا لسقراط وأستاذا لأرسطو، وبالتالي فقد جمع المجد من كافة جوانبه. وكان يتمتع بأسلوب جميل في الكتابة ويهتم بالمثاليات أكثر من الماديات.
والواقع أن لقاءه بسقراط كان حاسما. فقد وجد لديه التوجهات الأساسية التي ستتفتح لديه لاحقا سواء في مجال العلوم الأخلاقية أو السياسية. ولم يكن أفلاطون يفصل بين الفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية. فالسياسة ينبغي أن تكون خاضعة للأخلاق في نظره وإلا فلا معنى لها. وقد شرح نظريته السياسية في كتابه المشهور باسم: «الجمهورية» وفيه يفسر لنا كيف تتم عملية الانتقال من نظام سياسي إلى آخر. وكان يعتقد أن كل نظام سياسي يحمل في داخله بذور النظام الجديد الذي سيخلفه أو يحل محله لاحقا في سلسلة التطور التاريخي. ولكن أفضل نظام بالنسبة له هو ذلك الذي يحكمه الفلاسفة. فالفيلسوف إذا ما توصل إلى سدة السلطة فإنه يحكم بالعدل لأنه يجمع في شخصه بين الحكيم العاقل والخبير العارف، ولكن نادرا أن تعطى السلطة لفيلسوف.
أما أرسطو فقد شرح نظريته السياسية العامة في كتاب «السياسة» المعروف والذي ترجمه العرب في العصور الوسطى مثلما ترجموا كتاب أفلاطون. ولد أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد عام 384 ومات عام 322 عن عمر يناهز الثانية والستين. وقد تأثر في البداية بالأطروحات الفلسفية لأستاذه أفلاطون ولكنه تمايز عنها لاحقا عندما أعطى الأولوية للواقعية على المثالية على عكس أفلاطون.
وقد عرّف أرسطو الإنسان قائلا بأنه حيوان سياسي أو اجتماعي. وهذا يعني أنه عاجز عن العيش بمفرده وإنما يحتاج باستمرار إلى العيش داخل الجماعة. ولكي يحقق السعادة المشتركة فإنه مضطر لأن يكون سياسيا قادرا على تنظيم العلاقات بشكل عادل داخل المجتمع هذا. وقد شرح أرسطو في كتابه مختلف الأنظمة السياسية والدساتير الخاصة بها. وسيطرت نظرية أرسطو على البشرية طيلة العصور الوسطى كلها سواء في الجهة العربية- الإسلامية أم في الجهة الأوروبية المسيحية.
وكانوا جميعهم يعتبرونه بمثابة المعلم الأول، أي أكبر فيلسوف في التاريخ. ولكن العرب كانوا يضيفون إليه اسم الفارابي بصفته المعلم الثاني. ومعلوم أنه حاول التوفيق بين نظريات أفلاطون ونظريات أرسطو في كتاب شهير يدعى: «الجمع بين رأي الحكيمين: أفلاطون وأرسطو طاليس» ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى العصور الحديثة، أو بالأحرى إلى عصر التنوير بالذات.
وهنا حصلت قطيعة مع كل النظريات السابقة وتم تجاوز أفلاطون وأرسطو في آن معا. ويمكن القول بأن هوبز وجون لوك وجان جاك روسو وكانط وهيغل هم آباء الفلسفة السياسية الحديثة. ولد توماس هوبز في انكلترا عام 1588 وفيها مات عام 1679 عن عمر مديد يتجاوز التسعين عاما.
وهو عمر غير معهود بالنسبة لتلك العصور القديمة. وهو فيلسوف مادي محض، بمعنى أنه يفسر الكون والعلاقات الإنسانية بطريقة فيزيائية مادية لا ميتافيزيقية ولا ماورائية. فهو لا يؤمن بالمجردات وإنما بالمحسوسات والماديات. وبالتالي فقد كان من كبار الملحدين الدهريين الماديين في تاريخ الفلسفة. وقد مارست نظرياته الفلسفية تأثيرا ضخما على الحداثة السياسية.
هذا وقد عارض هوبز أرسطو كثيرا في نظرياته السياسية. فهو على عكس أرسطو لا يعتقد بأن الإنسان حيوان سياسي أو اجتماعي في الحالة الطبيعية للأمور. على العكس من ذلك إنه حيوان متوحش. ففي الحالة الطبيعية البدائية نجد أن الإنسان واقع في حرب مع أخيه الإنسان على الرزق والملك وسوى ذلك. إنه ذئب يريد أن ينال حظه بالقوة. وإذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب.
من هنا نتج تعريفه الشهير: الإنسان ذئب بالنسبة للإنسان. وبالتالي فلا معنى لكل تلك النظريات الأخلاقية والمثالية الجوفاء. كله كلام في كلام ولا أساس له من الصحة. فالإنسان في الحالة الطبيعية للأمور خال من أي طيبة أو شفقة. إنه كالوحوش في الغابات، أي الأقوى يأكل الضعيف.
ولهذا السبب فإن هوبز يقول بأن الخروج من هذه الحالة الهمجية الوحشية لا يمكن أن يتم إلا بوجود دولة قوية أو عاهل جبار يطبق القانون على الجميع ويرعب الجميع فلا يعود أحد يتجرأ على الاعتداء على أحد. ماذا يعني ذلك بحسب نظرية هوبز؟ إنه يعني وجود عقد اجتماعي بين المواطنين والعاهل الحاكم. فكلهم ينقل إليه إرادته وقوته ويستسلم لمشيئته. وهذا العامل يعاملهم بشكل متساو عن طريق تطبيق القانون على الجميع.
فمن يعتدي على أي شخص في المجتمع يعاقبه فورا لكيلا تتكرر عملية الاعتداء. وهكذا لا يعود القوي يعتدي على الضعيف.ثم يردف هوبز قائلا: بدون وجود دولة قوية فإن الفوضى تعم في المجتمع ويصبح كل واحد جاهزا للاعتداء على الآخر، وحتى قتله وسرقة أرزاقه وأمواله إذا كان أقوى منه.
من هنا أهمية وجود دولة قوية تطبق القانون في المجتمع. وعندما يسود القانون وتتهذب طباع الإنسان عن طريق التعليم والتربية فإنه لا يعود ذئبا لأخيه الإنسان وإنما منقذا ومساعدا وأخا بالفعل. وبالتالي فالإنسان المتوحش هو وحده الذئب والميّال للعدوان وليس الإنسان المثقف المهذب الذي يحترم القانون والنظام.
وأكبر دليل على ذلك هو المجتمعات الأوروبية المعاصرة التي أصبحت متقدمة وحضارية بعد أن كانت بدائية وهمجية. وبالتالي فالتقدم موجود في التاريخ لحسن الحظ. والإنسان قادر أن يتحسن ويتطور.ثم جاء بعد هوبز مفكر سياسي كبير آخر هو جان جاك روسو.
وقد ألح كثيرا على نظرية العقد الاجتماعي ولكن بشكل مختلف عن هوبز. فعلى عكس هذا الأخير كان روسو يعتقد أن الإنسان طيب في الحالة الطبيعية ولكن المجتمع يفسده. وعندئذ يصبح أنانيا ولا يعود يفكر إلا في مصلحته الشخصية.
ولكي نعيد الإنسان إلى حالة الطيبة والمدنية والإحساس بالمصلحة العامة وكأنها مصلحته الشخصية لا بد من عقد اجتماعي يضمن مصلحة الجميع. ولكن على عكس هوبز فإنه لا يسلّم السلطة إلى عاهل أو ملك أو شخص واحد وإنما إلى الإرادة العامة للشعب.
فالشعب بحسب روسو هو مصدر كل السلطات، وعن طريق التصويت العام والحر فإنه ينتخب حكامه ويسلمهم الإرادة العامة كوديعة. فإذا ما أخلصوا لها وحكموا بشكل جيد ومن أجل المصلحة العامة أعاد وانتخابهم مرة أخرى. وإلا فإنه يسقطهم في الانتخابات القادمة وينتخب آخرين محلهم. وهكذا دواليك...
نظرية افلاطون
قسم افلاطون النظام من حيث الأهمية الى أربعة أنظمة أخرى ناقصة بالقياس إليه. النظام القائم على الشرف، والنظام الاوليغارشي القائم على الثروة أي حيث تكون السلطة في يد الأقلية من الأعيان والأغنياء. يتلوه النظام الديمقراطي القائم على المساواة، وأخيرا النظام الطغياني الذي هو أسوأ الأنظمة لأنه يبطل القانون ويحكم بالتعسف الأعمى والبطش.
المؤلف في سطور
الباحث الأميركي ميكائيل كورتيس متخصص بالفلسفة السياسية والتطورات التي طرأت عليها على مر العصور. وهو يتحدث عن النظريات الكبرى التي سيطرت على العالم الغربي طيلة اثنين وعشرين قرنا من الزمن، أي منذ أيام أفلاطون وأرسطو وحتى أيام هوبز، وجون لوك، وفولتير، وجان جاك روسو، وكانط، الخ.
الكتاب: النظريات السياسية الكبرى: من الإغريق وحتى عصر التنوير
تأليف: ميكائيل كورتيس
الناشر: هاربر نيويورك 2008
الصفحات: 464 صفحة
القطع: المتوسط
Great political theories : from Greeks to the enlightenment
Michael Curtis
Harper - New York 2008
464.P

