ذات يوم أغرت باريس المبدعين للعيش فيها، واختار كثير منهم صفاء المكان وسعة صدره ليصادقوه، وعندما كان العالم يذهب عميقا في الحرب كانت باريس الثلاثينات والأربعينات تخرج إلى النور المدارس الفنية والفكرية وترسل طيور الحرية، حاملة نهجا جديدا في المعرفة إلى العالم، إلى باريس تلك جاء المئات ليعيشوا قرب النبع، وليس ليشربوا من الفروع، كان المصري ألبير قصيري واحدا منهم.

جاء ألبير قصيري إلى باريس عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، كان في مطلع الثلاثينات من عمره أغرته المدينة وفتنته فأحبها وتقرب من مبدعيها وصادقهم وأصبح منهم واختار الوجودية مذهبا للعيش معجبا بسارتر وتمسلك بطريقتهم مجربا الزواج لفترة قصيرة، ثم العيش وحيدا في غرفة ضيقة بفندق «لو لويزيانا» بحي سان جرمان لمدة ستين عاماً.

حسب روايات أخرى هاجرت عائلة قصيري من سوريا نسبة لمدينة القصير وسط سوريا واستقرت في مصر، ثم أكمل ألبير رحلة النوارس ليصل إلى باريس التي كانت مطلبا لمعظم فناني العالم، باريس تلك الأيام كانت سيمون دو بفوار وجان بول سارتر وألبير كامو وجان جينيه وهنري ميلر وعزرا باوند وأرنست همنجواي.. وتطول القائمة التي تتجدد كل عقد فنانين، روائيين، موسيقيين، رسامين، مسرحيين، إلى ذلك العالم انتمى ألبرت قصيري.

في نوفمبر من العام 2006 ذهبت برفقة الصديق محمد مخلوف لإلقاء التحية على ألبير قصيري، كانت منطقة السان جرمان تستقبل مطرا خجولا يشبه تقطير الحقول، كانت الأرصفة المبلولة تستضيف المئات من محبي العيش في المقاهي، وفي الطريق لم يكن مقهى الشاي الوحيد من نوعه في العالم يدعك تمضي دون مشاهدته، او لم يكن ممكنا المرور أمام فندق أوسكار وايلد دون أن تلقى نظرة، الفرنسيون يعرفون قيمة المبدع لذلك تراهم يدونون على الجدران «هنا أقام أوسكار وايلد، ومن هنا مر فان كوخ، وفي هذا البيت ولد رينوار..» حتى تنسى هدفك ويداهمك الوقت فتتأخر عن هدفك.

لقد أغرت باريس عشاقها ومعها أعطبت عجلة البحث عن مكان آخر، فكيف إذا كان المرء عابرا عاصمة النور لساعات، يومها لم نر ألبير قصيري، الأمكنة الأخرى سرقت الزمن، وأجزم أن يافطة ما تعلو فندق «لو لويزيانا» وأرى نفسي أنظر إليها «هنا أقام ألبير قصيري ستين عاماً».

hussain@albayan.ae