من اجل إيجاد نبض لشيخوخة لا يعذبها العقوق ولا تختم صفحاتها خيبة الأمل وضياع الأحلام فان العديد من الجمعيات والمنظمات المدنية في ايطاليا تحاول وباستمرار تلمس كل ما من شأنه ابعاد المسنين وإسقاطهم من واقع الحياة ليُنتهى بهم إلى ركن قصي، كشريحة مهملة تقبع في انتظار لن يطول لزائر مقيم اسمه الموت.
والمعروف بان ايطاليا تقف في مقدمة الدول الاوروبية التي يتصاعد فيها عدد المسنين بنسبة لافتة، حيث استحوذت مسألة الزيادة في متوسط الاعمار على اهتمام فائق، وانقسمت الآراء بين مستبشر ومحذر، حيث ارتأى المحذرون ان الزيادة الكبيرة في نسبة المعمرين ستحدث خللا في التوازن السكاني وتتحول بهم إلى مجتمع هرم، بينما وجد المؤيدون في هذه الزيادة مؤشرا لتحضرهم. وقد وضع المسنون في ايطاليا حكوماتهم المتعاقبة في خضم مضطرب بعد ان استحال وجودهم إلى معضلة تؤثر في عصب حياة الاجيال الشابة ناهيك عن ثقلها على الواقع الاقتصادي، الامر الذي اضطر العديد من المؤسسات الرسمية والأهلية في البحث عن حلول تقي المسنين مغبة وقوعهم في براثن العمر وعقوق الأبناء، فانتشرت في طول البلاد وعرضها، بيوت تقوم على رعايتهم واستقطبت منذ بداية ظهورها اعدادا هائلة، حتى غدا لجوء المسنين اليها مظهرا مألوفا.
الى جانب آخر انتشرت جمعيات تقوم على رعاية وتأمين حاجات المسن الضرورية، الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والصحية، واخرى انحصرت مهماتها بالقضاء على تشرد المسنين وعوزهم ووساوس القلق التي تنتابهم من خلال تشغيلهم وتكليفهم بمهمات اجتماعية يشعرون من خلالها بفائدتهم الاجتماعية.
وأيضا انتزاعهم من دنياهم الاجتماعية المغلقة، وادماجهم بالحياة الناشطة، وجعل المجتمع يسعد لما يقدمونه من عمل خيري يكسبهم حظوة، يتمتعون بخاصيتهم من الأجيال الأخرى، وتقوم علاقاتهم بالآخرين على أسس الاحترام لتجاربهم وزخم ماضيهم وتقديس عطاءاتهم، وحث المجتمع على الرأفة بهم.
ومن بين هذه الجمعيات الجديدة التي انتشرت في جميع المدن الايطالية في الآونة الأخيرة، اشراك المسنين في حماية أطفال المدارس وتنظيم عملية ذهاب الأطفال والمارة بعبور الشوارع المزدحمة، خاصة بعد تكاثر حوادث الدهس التي يتعرض لها تلاميذ المدارس الصغار، نتيجة قلة اعداد أفراد شرطة المرور التي تعينهم بلديات المدن.
وفي مدينة روما وحدها انتشرت عدة جمعيات خيرية مدنية تطوعية تضم في صفوفها أكثر من 4000 من الرجال المسنين، يطلق عليهم الأهالي وتلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة في المدينة اسم أجداد «إشارات المرور» انظموا إلى عدة جمعيات خيرية تطوعية للمسنين تطلق على نفسها «صديق المدينة» ليحلوا محل أفراد شرطة المرور لتنظيم مرور الطلبة الصغار عبر الشوارع التي تقع على جانبيها نحو 300 مدرسة ودار حضانة في العاصمة الإيطالية.
كل واحد من هؤلاء الأجداد المتبرعين الحريصين على سلامة الأبناء الصغار زودته بلدية المدينة بإشارة مرور وجاكيت بدون اردان «جيليه» بلونين ارجواني وازرق فسفوري ليلبسه فوق ملابسه التقليدية، وحددت له الموقع وساعة الحضور الصباحي ونهاية الدوام المدرسي.
وأعرب رئيس بلدية روما عن هذا المشروع الذي سيتسع في المستقبل القريب ليشمل وضع عدد من المتقاعدين والمتقاعدات من الراغبين في المكتبات العامة والمتاحف بأنه «أفضل ما عملته في حياتي من اجل مدينة روما».
يقول لنا احد المسنين من مجموعة «أصدقاء المدينة» واسمه «باولو وعمره 71 عاما»: من السهل الآن على المسن وجود فرص وقنوات عطاء فعالة خارج نطاق الأسرة تنتشله من عطالة الوقت والشعور بدونية الموقع. فعمل مساعد لشرطي المرور وبشكل مجاني تطوعي، يحظى بالقبول والاستحسان.
وهي وسيلة لتحقيق مزاج مرح لمن داهمه دبيب الزمن وأوسعته الحياة هموما وتعبا، عملي اليومي هذا يقدم لي حيوية وفاعلية لا تخلو من شعور بالجمال الإنساني وجاذبيته، وانا احرص على سلامة أطفال المدارس وانظم عبور المارة مدة ساعتين فقط باليوم. ان مثل هذا العمل يعطيني حيوية جسدية كبيرة، وانا لا احتاج إلى مورد مالي فلدي راتبي التقاعدي الذي يفي بكل احتياجاتي العائلية.
إكرام المسنين
مشروع بلدية روما يرمي إلى إكرام المسنين وانتزاعهم من يأسهم وإيجاد حياة ذات معنى، تجعلهم يتمتعون بتقدير المجتمع من خلال تقوية علاقاتهم وإشراكهم الفعال في تأدية واجبات اجتماعية تتسم بالأهمية، باعتبارهم وعاء عامرا يكفل توظيفه سلامة الأبناء، بكونهم الأقدر على استبقاء المودة والحرص داخل المجتمع.
موسى الخميسي

