لم يكن اللحم يوماً ما، مأخوذاً باللاتسمية(نكرة)، إنه مسمى دائماً، ويتفاوت من مجتمع لآخر.اللحم يدخل في صراع مع الذاكرة، والذاكرة تعاود التأصيل في متن اللحم، دون ترك هامش يُذكر. وفي وضع كهذا، لا يعود المرء اللحمي الصفات، بحاجة إلى حمل بطاقة، إلى من يستفسر عن اسمه، هويته، لأنه هو ذاته يكون الثقافة المفتوحة، والهوية المرئية، والكائن المقدَّر بعلامة.

يذكر بيار كلاستر،أن جماعة من الهنود الحمر، بمجرد بلوغ أبنائها، سن النضج، تلجأ إلى تعريض الجسم ومن الخارج، لتعذيب مروّع، بغية نقش رموز،هي كتابة في أساسها، وأن العملية هذه، تخلّف صوراً أو خطوطاً، هي كتابة دالة، بطاقة تعريف واضحة، علامات انتماء، لا يعود في وسع حاملها أن يغادر المكان المسوّر له،لأن ثمة من ينتظره في الخارج. ما يهم هنا، هو أن فعل التعذيب كإجراء تربوي مرعب، هو حالة اختبار، تفعيل لذاكرة من نوع مختلف، كما لو أن المرحلة الجديدة، لا يمكن الدخول فيها بسهولة، ليكون الأثر أمضى.

إن اللحم الذي أُدخِل في برتوكول مكاني، صار مؤمَّماً جماعياً، ولا مجال للتنكر،أو للتمويه، أو محاولة التخلص من المغروس في طبقة اللحم، إن المتشكل هو ذاكرة القبيلة: الجماعة، نعم، ولكنها القانون الصارم، الذي يهب اللحم، في أن يبقى مستيقظاً.

إن لحم الجماعة: اللحم الوديعة، لا ينام، لأنه منبسط دائماً، إنه ساعة دقاقة باستمرار، ربما استجابة للمحيط الموجود، وهذا يحتّم على الكائن اللحمي المسطور خارجاً، المزيد من اليقظة، لأن الآخرين: جماعته، يستوطنوه، وهذا الاستيطان إعلامي مؤبَّد، لأن الواحدية الفردية ملغاة هنا، كون الجماعية، وفي فسحة مكانية، هي التي تشكل حقيقة وجودها، كما لو أن كياناً لحمياً واحداً، هو الذي يجذر للعلاقة القائمة، للوشم الجماعي، عبر التأطير اللحمي المرئي.

حيث الكل واحد، والواحد للكل، دون إخفاء تلك التراتبية في مقاسمة الوظائف، ولكن المواقع تظل موزعة في المحيط البيئي، وكأن اللحم ذاته، وهو ينفرش، في عمومه، يشكل الطرس المباشر، إنما القابل والقادر على حفظ الأثر، والخضوع لنظامه الدلالي: الرسمي، أو الوسمي، ما بقي صاحبه حياً! وربما تلمس المغربي العتيد عبدالكبير الخطيبي، في العلاقة بين الوشم واللحم، الوشم الذي وسم، بالمقدار الذي يكون اسماً، هو رسم في بنية اللحم، في متنه، من جهة إيلاء الموقع المختار القيمة المقدَّرة، هذا التقعيد الدلائلي، الثقافي الطابع، والتأسيسي لجسد يراد له التمايز.

وذلك في كتابه ( الاسم العربي الجريح)، ومن خلال فصل( الوشم: الكتابة بالنقط)، في خمسين صفحة، مظهراً أوجه التعارض القصوى بين الكتابة الإلهية المقروءة ضمناً في كامل حضور اللحم وما وراء كسائه الظاهري، والكتابة التي تأتي على الكتابة، كما لو أنها النص الموازي، أو العنف الصائت من خلال المرئي، في لحم، يعرَّف به في السياق، بدوره، مسكوناً بعنف صامت، فالوشم، وما يعادله، لا يفسر نشازه المرفوض من قبل ممثلي اللحم ذاك، في مرجعيته الميتافيزيقية: سوى الضليعين في كبت الجسد، أو القيّمين على اللحم النابض بتقدير إلهي، وكأن الوشم: الكتابة، محو لما لا يجوز محوه، جحود بحق واجد اللحم ليس إلا.

وذلك بدءاً من الوجه: «الواجهة» علامة الحضور الكبرى أو الفارقة لما هو إنسي، وفي أكثر النقاط حساسية، بجوار الفم، وما للموقع من قيمة اعتبارية محفوظة، أو إيحاء إرسالي، رغم أنه من العسف بمكان هنا، الفصل بينهما، باستخدام «واو العطفية»، لأن مجرد لفظ «الوشم» يكون اللحم في الواجهة البصرية، كما لو أن اللحم هو الحضور الفعلي: المادي، أو حضور بالفعل هذه المرة للوشم.

الوشم بصفته كتابة بصرية إيعازية وتدشينية، أكثر من كونها إيداعاً للذاكرة المبطَّنة من الداخل، كتابة موصولة ومتحولة في كل الاتجاه، حتى لو بدت ذات نسب لغوي( غرز حروفي)، لأن ثمة تذكيراً بالمسافة القائمة اللحمية القائمة: الواقعة: الفاصلة بصرياً بين حرف وآخر، أو كلمة وأخرى، إذا كانت جملة، كما لو أننا في أهبة الانقطاع الآلي، في ترددات موسيقى آلة ما: إيقاعية تماماً، أو وترية، لأن العزف ليس حالة تواصل مستمرة، بين الإصبع والوتر، إنما ثمة الصدى، الذي يغلق على الفراغ، ويمنح الصوت استمرارية.

كما لو أن الصوت عصي على الإيقاع، والفاصل المتصور بين الحروف، من جهة المسطور اللحمي، في الوشم، يشكل جوهر التفاعل الموسيقي المرئي، كما لو أن الوشم يجرد اللحم من لحميته،رغم أن اللحم بمرونته، هو المهيَّأ لذلك. اللحم يدخل في طواعية الإبرة، أو الآلة الواشمة، دون إمكانية مقاومة، ولكنه، بطريقته هذه، وفي المحصّلة، وكما هو عذاب التمييز، يكون عذاب مضاد، معكوس، في نظام تفاعلي ذي حدين متعارضين، إذ في اللحظة التي يتم فيها تغيير معالم اللحم( برية الجسد غير المسورة).

أي وهو دون علامات، في اللحظة ذاتها، يكون الموشوم، أو المسطور في لحمه، خارج إرادته، مقيداً إلى لحمه، مؤتمراً به، لأنه، إذا كان ناشداً اختلافاً ما، فهو، بذلك أوقع بكامل جسده، وبحسب انتشار الوشم ومساحته، في مطب/ مصيدة/ فخ الآخر: الفردي، الاجتماعي، لحظة محاولة البحث عنه، أو التأكيد منه، في وضع استثنائي ما (جناية ما، أو سواها).

إنه يغدو ظاهر الجسد، ولا يعود قادراً على الاختفاء، ولا يمكن تغليف الجسد (من أعلى الهامة، إلى أخمص القدم)، يكون في حمى لحمه المسطور، خلاف الكتاب أحياناً، الذي ينغلق على داخله، بينما، فيبقى منفتحاً على الخارج، وإن أبى ذلك، وكم يعاني الموشوم من لحمه هذا، في تلك الحالات الخاصة، بالقدر الذي ينتشر الوشم، وهو يحاول إخفاء أو إزالة الأثر، أي محوه، أعني ممارسة تبديل لحمه، تقريباً، وهذه عملية شاقة جداً، حيث الدخول في متن اللحم، والتمكن منه، هو، استسلام لا إرادي غالباً، لمتحول صعب التبدل بالسهولة المتصورة،إنها لعبة ثقافية مشروطة، لعبة المشرط واللحم، والأثر الشديد النفاذ.

في السياق ذاته، يظهر أن الخطيبي، مولع بالوشم، باعتباره ترك أثر، لا يمحى إلا بمحو الجسد المكسو باللحم، وهو يعنون روايته بالمقابل، بـ (الذاكرة الموشومة)، الرواية السّيرية، والتي تخص حياته، حيث أن سنوات العمر تنفذ في النسيج اللحمي، تكون الكتابة عمراً والطرس المدى اللحميَّ الذي يتعرج، موزعاً بين الظل والنور، بين حضور والموت وتداخلهما .

ولعل الأكثر لفتاً للنظر، هو حديث جاك دريدا، في كتابه(أحادية لغة الآخر)، عن رؤيته لفيلم، يرى فيه علاقة غريبة، بين رجل وامرأة، حيث الرجل العشيق، وهو في علاقته معها، يشم ظهرها، إنه يحفر في لحم الظهر، ما لا تستطيع رؤيته تلك، كما لو أنه يقول ما لا يجب فهمه، يشير إلى الملغز في الحياة، والمرأة تتعذب بعلاقة كهذه، وهي تحمل أثره، تحمل حضوره، إنه تاريخ علاقة، مدوَّنة في متن اللحم( الظهري)، حيث لا يظهر أبدياً، لأنه سيتلاشى، ببساطة، وينعدم الأثر: اللحم المسطور ذاك، معلقة ذكورة ما، إثر الرحيل الأبدي، كما يعلّق دريدا.

إنه لتعبير بليغ، من جهة التعامل مع اللحم الذي لا ينفصل عنا: لحمنا الذي ينبسط وينطوي، ولحمنا المعرَّض للتلف، مثلما هو لحمنا السيء الذكر، أو العصي على الصمت، لأنه إبانة مستمرة، ومدى لا يبصَر بالطريقة التي يمكن النظر فيها، كما لو أنه سقط متاع المرء، إنه الوديعة ذاتها، ولكنه، فيما ينسطر فيه، أو يتدون على سطحه، تجمَّع غوايات، وملتقى غرائب، ومستهدَف مفارقات جمة، يتقاطع فيه الليل والنهار.

لكنه الحامل لساعة ضمنية، ساعة انفجاره، وتلاشيه الذاتي، أو فلنقل حزامه الناسف كينونة حضور وغياب. فهو بقدر ما يغري بالتعامل معه، بالانزلاق على سطحه، بممارسة نوع من الخربشة أحياناً، كما هو الانطباع الأول، في رؤية أثر مرغوب، يمتع نظر صاحبه، ليكون الآخذ الحرفي لما يُعطى هنا، الأمين على الوديعة، إلا أنه فضَاح كل أثر، إذ يحيل المختلف إلى وشاء بذات الموشوم، وتقييده بالأثر نفسه.

ابراهيم محمود