رحل الروائي العراقي فؤاد التكرلي في الحادي عشر من شهر فبراير الماضي، تاركا نتاجا أدبيا غنيا، فهو صاحب تجربة طويلة تجاوزت النصف القرن. بدأت التجربة، مطلع الخمسينات، بقصته القصيرة الأولى «العيون الخضر»، وانتهت بروايته الأخيرة «اللاسؤال واللاجواب» الصادرة، أخيرا، عن دار المدى (دمشق ـ 2007).

بين هاتين المحطتين يمتد مشوار طويل ووعر قضاه التكرلي في دنيا الكتابة، ووسط أروقة المحاكم، وعلى أجنحة الترحال. حمل قلقه وأوجاعه الصغيرة مذ كان طفلا يسكن مع أسرته في دار عتيقة بمحلة باب الشيخ ببغداد حيث ولد سنة (1927) وراح يفتش عن أسرار الكتابة والإبداع. أدرك باكرا أن «الروي» هو وسيلته للتعبير ومخاطبة الآخر. كان التكرلي ينتمي لأسرة تهتم بالقانون. هذا الانتماء حدد مستقبله المهني، إذ درس الحقوق ليعين، نهاية الأربعينات، موظفا عدليا في محكمة بمدينة بعقوبة حيث قضى أربعة أعوام سخرها للدراسة، والبحث عن وسائل مجدية للوصول إلى التعبير الأدبي الفني البليغ. بين عامي 1956 ـ 1983 عمل في سلك القضاء ببغداد، سافر خلالها ـ في منتصف الستينات ـ إلى باريس لاستكمال دراسته، بعد أن نشر مجموعته القصصية «الوجه الآخر» سنة 1960 التي احتوت على رواية قصيرة.

وعندما نشر رواية «الرجع البعيد»، مطلع الثمانينات، كان قد أصبح روائيا مكرسا يشار له بالبنان. غادر العراق سنة 1990 ليستقر في تونس مع زوجته التونسية الكاتبة والمترجمة رشيدة التركي. كتب هناك رواية «خاتم الرمل» التي صدرت عن دار الآداب البيروتية. في نهاية التسعينات أصدر رواية «المسرات والأوجاع»، وعاد بعد ذلك من تونس إلى دمشق حيث استقر فيها واصدر مجموعته القصصية «خزين اللامرئيات».

في هذه الرواية يواصل التكرلي الحفر في تربة العراق، باحثا على ثراها عن الإنسان المقهور، المحروم الذي يبحث عن طمأنينة غائبة، وعن لقمة تسد الرمق. وهو في سعيه إلى النفاذ إلى جوهر الإنسان العراقي لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن البحث في خبايا الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي كي يفهم ما جرى لهذا الفرد الذي أصبح نهبا للشك والكوابيس والقلق.

يعود التكرلي إلى سنوات التسعينات ليسجل حكاية أسرة عراقية بسيطة: الزوج والزوجة والابنتان. تبدأ الحكاية حين يجد بطل الرواية عبد الستار حميد زهدي نفسه ذات ليلة قاسية فريسة للكوابيس القاتلة. كان مغمورا بظلمة ثقيلة انهدت عليه فكادت تكتم أنفاسه، وكان يحس بنفسه منكمشا في زاوية من غرفة النوم، مفترشا الأرض الباردة يرتجف بشدة وهو يعقد ذراعيه على صدره ويطوي ساقيه إلى جسده «. تكرر هذا الكابوس ليال عدة، ليحثه على أسئلة لا يجد لها تفسيرا، ويحرضه كذلك على استعادة الماضي بكل خيباته ومآسيه وقسوته.

عبد الستار معلم في مدرسة حكومية. كان والده الراحل يعمل في المهنة ذاتها. متزوج من ابنة عمته زكية التي أحبها بشكل جنوني بريء لكن الحبيبة تزوجت من رجل آخر وأنجبت طفلة اسمها هيفاء. تشاء الظروف أن يعودا إلى بعضهما بعد رحيل الزوج الأول، فقد كان عبد الستار وفيا لذلك الحب الأول؛ البعيد إذ ينجبان ابنتهما كوثر وهم يعيشون الآن معا في دار بمحلة «الوشاش»، حيث يعمل الزوج سائق تاكسي إلى جانب عمله كمعلم مدرسة كي يتمكن من تأمين نفقات الحياة الباهظة.

يرصد التكرلي تحولات هذه الأسرة الصغيرة، منذ الثمانينات من القرن الماضي وحتى منتصف التسعينات، ومن خلالها نكتشف تحولات بلد بكامله اسمه العراق. هذه الأسرة التي تعد نموذجا لغالبية الأسر العراقية عانت من كل صنوف القهر والحرمان نتيجة الممارسات السياسية الحمقاء التي كان يقدم عليها النظام العراقي السابق، كما يلمح التكرلي في أكثر من موقع.

هذه التحولات الدراماتيكية أحدثت شرخا في بنية الأسرة العراقية، ثم جاء الحصار الجائر الذي فرض على الشعب العراقي ليكمل فصول المأساة. ففي الوقت الذي لم يؤثر فيه هذا الحصار على النظام وأعوانه الذين كانوا «يرفلون بالنعيم» ، كان الأطفال العراقيون يسقطون مرضى الجوع ونقص التغذية، وكان الشعب العراقي يموت قهرا، العالم كله يجتمع ليقتل شعبا بأكمله، يقتله جوعا وحرمانا...ولقد أعطاه ذلك المخلوق أسبابا لذلك كما يقول بطل الرواية.

في ظل هذا الجور والظلم، يضع التكرلي بطله أمام امتحان صعب، ففي إحدى المرات أثناء عمله الليلي على التاكسي، يحصل عبد الستار، من غير تعمد، على كنز ثمين من المجوهرات. وإذ يجري التحقيق لمعرفة الملابسات لا أحد يشك في أن المجوهرات هي بحوزة عبد الستار الذي راح يعاني من ازدواجية وحيرة قاتلة.

هل يعترف، ويتخلى عن المجوهرات ليستمر في العيش بائسا، فقيرا؟ أم يحتفظ بها لنفسه كي يتغلب على قسوة الأيام، وضنك العيش؟. يهجس عبد الستار: ليس من العدل، في حياة ذات صبغة معينة كحياتنا هذه، أن تطلب من مظلوم، مسحوق، مطحون العظام، مكسور الظهر، منخور القلب والكبد، أن يعيد الحق لأصحابه.

يحتفظ، إذا، بالمجوهرات لنفسه وتتبدل حياته نحو الأفضل، لكن الهواجس المقلقة تبقى ملازمة له، فهو يشعر بأنه خان مبادئه وأخلاقه التي شوهتها سنوات القهر والحرمان. هذا يحيلنا إلى رواية «الجريمة والعقاب» لديستوفسكي فقد أضطر بطل الرواية راسكو لينكوف إلى قتل المرابية العجوز، لكن صورة القتيلة بقيت عالقة في ذهنه وقادته إلى جحيم يصعب معه الخلاص.

رغم وضوح السرد وسلاسته، لكن في ثنايا هذا السرد الحزين ثمة أسئلة عميقة عن معنى الحياة، ومغزى الوجود. ولعل عنوان الرواية «اللاسؤال واللاجواب» يلمح إلى هذا البعد الوجودي ـ إذا صح التعبير ـ الذي يطغى على صفحات الرواية. وهذه العبثية ليست وليدة ترف روائي أو تجريب فني يلجأ إليه التكرلي، بل هي نابعة من عبثية ما جرى في العراق خلال سنوات العهد البائد.

الرواية أولاً

كتب فؤاد التكرلي في الأجناس الأدبية المختلفة لكنه برز في الرواية. تميزت كتاباته بالجرأة في الطرح، والصراحة في ملامسة ومناقشة هموم المواطن العراقي، وانطوت على تحليل عميق لمعضلات الواقع السياسي والاجتماعي في هذا البلد، فضلا عن الاعتناء بالشكل الفني والجمالي، ولعل هذا ما نلحظه في روايته الأخيرة «للاسؤال واللاجواب».

ابراهيم حاج عبدي

الكتاب: اللاسؤال واللاجواب

تأليف: فؤاد التكرلي

الناشر: دار المدى دمشق 2007

الصفحات: 376 صفحة

القطع: المتوسط