يتتبع كتاب «حضارات طريق الحرير» مسألة انتقال البضائع والأفكار الحضارية عبر الطرق التجارية المؤدية إلى المدن المختلفة. والمدن هي حواضر آمنة ذات تربة ومياه صالحة شيدت لها الأسوار وحفرت حولها الخنادق لأجل حماية السكان من المخاطر.
يتحدث المؤلف بداية عن الطرق، ومنها البرية القديمة، وكانت تستخدم أحياناً لأغراض تجارية كتبادل الكهرمان والفضة والمرجان والذهب والحديد والحرير والتوابل والبخور، وأحياناً أخرى لأغراض عسكرية، إذ تسلكها الجيوش الغازية وتستفيد من كونها مرصوفة وتنتشر إلى جانبيها مصادر المياه، وتستخدم أيضاً لأغراض دينية تتعلق بالحج إلى مكة في الجزيرة العربية، وفي بلاد ما بين النهرين الحج إلى حران ومنبج وبابل، وفي اليونان إلى دلفي والأولمب، وفي الغرب إلى روما (الفاتيكان).
وينتقل إلى الطرق الصحراوية التي خصصت لتجارة الملح والمعادن والرقيق، ثم إلى الطرق المائية التي اعتمدت على عبور الأنهار كالفرات ودجلة والنيل والغانج والأصفر والدانوب، إضافة إلى البحار والمعابر، وأهمها للتجارة كان البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي.
ينطلق طريق الحرير من أقصى الصين ويمر بها ويتجاوزها مروراً بالتيبت والتركستان إلى الهند وأفغانستان، ويتجاوز الهضبة الفارسية باتجاه الغرب، وهنا يتفرع إلى فرعين، أولهما الشمالي الذي يمر من جنوب بحر قزوين ويقطع أرمينية وشمال القفقاس إلى بحر إيجة وجزيرة رودس فأثينا، وينتهي في روما،....
وثانيهما الجنوبي الذي يبدأ من بكين ويتجه غرباً إلى كاشغرر، ويجتاز الهضبة الفارسية إلى بابل ومنها إلى دورا أوربوس باتجاه تدمر فدمشق أو إلى الحفر فنصيبين وحران والرها وكالنيكوم (الرقة حالياً) ثم إلى منبج وحلب وأنطاكية، ويتجه بعد ذلك عبر البحر إلى روما، ومن هنا عرف المثل القائل (كل الدروب تؤدي إلى روما).
ولأن الصين كانت تمثل بداية طريق الحرير فقد عمد المؤلف إلى التوقف عند حضارتها، مبتدئاً بالحديث عنها جغرافياً وتاريخياً، وأهم الأسر التي حكمتها، وعلاقة الصين بالعرب، ودولة المغول والإسلام في الصين، والتواصل الحضاري بين المسلمين، والفلسفة الكونفوشيوسية والمصادر التي اعتمدت عليها هذه الفلسفة.
وينتقل إلى الحضارة الهندية التي بدأت على نحو مبكر في وادي السند، وبدأ التواصل بينها وبين حضارة ما بين النهرين منذ الألف الثالث قبل الميلاد. وعرفت الحضارة الهندية الكتابة السنسكريتية وكانت لها آلهة كأندروا إله العواصف وإجني إله النار وسوما إله الخمر وفارونا الإله الحامي للكون..
ويرصد لنا المؤلف أهم الأسر والحكام الذين حكموا الهند والحروب التي خاضتها والمعتقدات التي سادت فيها كالبوذية والبرهمية وطبقاتها الاجتماعية كطبقة الكشتريا وطبقة الفيشايا وطبقة الشودرا.. ثم يتحدث عن الشريعة المانوية وفلسفة اليوجا.
وفي منطقة محاطة بالبحار والجبال وأراضيها خصبة، نشأت الحضارة الفارسية التي يعتبرها المؤلف عروة وثقى في طريق الحرير، وهي تتألف من ثلاث إمبراطوريات متتالية هي الأخمينية والفرثية والساسانية، وعرفت فيها اللغة الآرامية وتتألف من آرامية شرقية تشمل لهجة حران والرها وبابل ونصيبين والموصل، وآرامية غربية هي لهجة فلسطين ومعلولا، وبها تكلم السيد المسيح. وعرفت الحضارة الفارسية الديانة الزرادشتية.
ويرصد الكتاب في فصوله التالية دور أرمينية في حضارات الشرق الأوسط، والحضارة اليونانية التي كانت أس الحضارة الغربية المعاصرة، ويروي قصة المدرسة الفلسفية الأيونية التي أنجبت فلاسفة كثيرين منهم هيراقليدس وفيثاغورث وأبقراط الطبيب وأبي التاريخ هيرودوت، وقصة حروب طروادة، والطبقات والملاحم والأنساب والأحزاب وفنون العمارة والمسرح والحكمة والفلسفة.
وأما نهاية طريق الحرير فتمثله الحضارة الرومانية التي يفرد فصولها للحديث عن المؤرخ بولينوس وثورة العبيد التي قادها سبارتاكوس، والفيلسوف شيشرون والشعراء فرجيل صاحب الإنياذة وهوراشيوس، وأوفيد شاعر الحب والجمال،.. ويوليوس قيصر والحكام الآخرين.
وهكذا حتى يصل إلى العرب والمسلمين وعلاقتهم بطريق الحرير، فيرينا كيف شكل أهل سبأ اليمنيون جالية تجارية نشيطة في غرب الهند، وكيف كان البحارة العمانيون والحضرميون خبراء في تسيير السفن الشراعية، وكيف كانت الموانئ العربية تعج بالبضائع الصينية والهندية وبالأخص السيوف.
ومن خلال ذلك عرف العرب الكتابة في الدواوين، وأصول الحساب والمعاملات في ديوان الخراج، وضريبة الدولة، ورسوم المساحة والجمارك والتطريز والتجصيص والتبليط، وعرفوا القضاء. ثم جاء الإسلام فازدهرت الفتوحات وبدأ التفاعل مع الحضارات الأخرى يظهر على أشده، ونهضت العلوم والفلسفة والآداب والتصوف والترجمة عن اللغات الأخرى.
نشوء الحضارات
لعب طريق الحرير، بوصفه طريقاً تجارياً عظيماً، أكبر دور تجاري في نشوء الحضارات وتطورها وتقدمها، وإن ما يجري اليوم من حديث عن صدام الحضارات (هنتنغتون) هو منطق مناف للمنطق الحضاري التاريخي الذي يقوم على تفاهم الحضارات وتفاعلها مع بعضها بعضاً، وتكاملها، واحترام بعضها للبعض الآخر.
المؤلف في سطور
محمد عبد الحميد الحمد باحث ومؤرخ سوري من مواليد مدينة الرقة سنة 1938، يحمل الإجازة في الفلسفة والماجستير في علم النفس من جامعة دمشق 1968. حائز على درجة phd من جامعة حيدر أباد في الهند، من كتبه: «صابئة حران والتوحيد الدرزي» ـ «إخوان الصفا والتوحيد العلوي»ـ «الأفلوطينية المحدثة والتوحيد الإسماعيلي» ـ «اليزيدية بين الإسلام والمانوية التوحيد والتثليث في حوار المسيحية والإسلام» ـ «الرهبنة والتصوف في المسيحية والإسلام» ـ «دور اليهود العرب في الحضارة الإسلامية» ـ «الطريق من دمشق إلى قرطبة»ـ «حوار الأديان الهندوسية والإسلام والسيخ في الهند» .
خطيب بدلة
الكتاب: حضارات طريق الحرير
تأليف: محمد عبد الحميد الحمد
الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2007
الصفحات: 444 صفحة
القطع: المتوسط

