تتنوع محاور وقضايا الكتاب على نحو في إطار استعراض التحديات الأمنية في الخليج. وينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام يناقش الأول قضية إيران والعراق وأمن الخليج العربي، والثاني البعد الدولي لأمن الخليج العربي، فيما يناقش الثالث الأمن الاقتصادي الخليجي، أما الرابع فيركز على تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الخليج العربي. أما الخامس فيناقش التحدي الديمغرافي الذي يواجه دول الخليج العربية.

في إطار استعراض قضية التحولات على صعيد الوضع في العراق يعتبر الكتاب أن عام 2003 مثل نقطة تحول جديدة في البيئة الأمنية لمنطقة الخليج العربي، حيث أدى الغزو الأميركي البريطاني للعراق، بعواقبه غير المحسوبة إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وتقويض ركائز الوضع الأمني الذي كان سائدا في المنطقة قبل ذلك العام. وفي الوقت ذاته، تصاعدت أزمة البرنامج النووي الإيراني بعد ذلك ما يزيد الهواجس لدى دول المنطقة، في ظل عدم التوصل إلى تسوية للأزمة، من احتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران، بما يترتب عليها من أثار مدمرة للإقليم بأسره.

في ضوء هذه التطورات تتصارع ثلاثة تصورات لأمن الخليج أولها ذلك الذي تمثله إيران وهو أن الوجود الأميركي في الخليج هو السبب الرئيسي في عدم الاستقرار، وأن أمن الخليج يجب أن يكون شأنا خاصا بالدول المطلة عليه.

أما الولايات المتحدة فترى أن إيران تشكل الخطر الأكبر على أمن الخليج. أما الثالث فيتمثل في موقف دول الخليج التي ترفض هيمنة أي قوة إقليمية ـ العراق وإيران سابقا، وإيران حاليا ـ فيما أنها في الوقت نفسه لا تخفي خشيتها من التفرد الأميركي بالمنطقة وتحبذ التوصل إلى صيغة دولية للحفاظ على أمن الخليج العربي واستقراره بمعنى أن تسهم فيه كل القوى الدولية المعنية.

وفي القسم الخاص بالبعد الدولي لأمن الخليج يجرى استعراض العديد من المحاور منها المنظورين الأميركي والأوروبي للأمن في الخليج العربي، والوجود العسكري الأجنبي في المنطقة ودوره في تعزيز الأمن الإقليمي وكونه سلاحا ذا حدين.

وبالنسبة لهذه النقطة الأخيرة يشير المحلل بشؤون المنطقة جون بيترسون إلى أن القوة العسكرية الساحقة في كثير من المجالات لا تترجم دائما إلى شيء جيد بالنسبة إلى النزاعات الإقليمية حيث يكون الخصم أكثر استعداداً للمعاناة وعدد الذكور الذين في عمر القتال أكثر والمعرفة بالتضاريس المحلية والطقس وعوامل أخرى أعمق. كما يشير إلى أن الوجود العسكري الأجنبي ربما يشكل ركيزة لدعم الأنظمة غير الديمقراطية في مواجهة شعوبها، ويعزز بذلك مقاومتها للإصلاح.

وعلى صعيد التطبيق يذكر أنه إجمالا وعلى مدى الزمن فإن مصلحة الولايات المتحدة وأساسها المنطقي للوجود العسكري الأجنبي في منطقة الخليج أظهر بواعث متغيرة. ففي الماضي كان هذا الوجود نتيجة للحرب الباردة والتهديد السوفييتي المتصور، وفي الوقت الحاضر تحدد هذا الوجود الأزمات الإقليمية مثل التهديدات التي تواجه الحلفاء الإقليميين وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب.

وفي المستقبل قد يحدده بعث سيناريو القطبية الثنائية مثل الولايات المتحدة في مواجهة الصين. ويشير إلى أنه سيكون من الواضح أن الولايات المتحدة في الوقت الحالي تتصور أن الحاجة إلى وجود عسكري أجنبي في منطقة الخليج كبيرة في ضوء مستوى النزاع والوجود العسكري الأجنبي المرتبط بالقتال في العراق وأفغانستان.

ونتابع في القسم الثالث حول الأمن الاقتصادي الخليجي قضية المخاطر في بيئة الخليج من منظور القطاع الخاص، واتفاقيات التجارة الحرة والأمن الاقتصادي لدول مجلس التعاون، والاهتمام الاقتصادي الآسيوي المتنامي بمنطقة الخليج العربي.

ويقدم لنا جاسم حسين علي استعراضا لقضية أهمية التنوع الاقتصادي لتنويع مصادر الدخل، وذلك على خلفية تزايد الأهمية النسبية الكبيرة للقطاع النفطي في إيرادات الخزانة، وإن كان يشير إلى أن ما يبعث على الاطمئنان تنفيذ دول المجلس سياسات الإصلاحات الاقتصادية باقتناع تام إدراكا منها لعدم وجود بديل غير عملية التنويع لمواجهة التحديات الناشئة مثل النمو السكاني والحاجة إلى توفير وظائف تتناسب وتطلعات المواطنين.

ويستعرض في هذا الإطار تجربة دبي فيشير إلى أن إمارة دبي مصممة على الذهاب إلى أبعد حد ممكن لتقليل الاعتماد على القطاع النفطي لتحريك الدورة الاقتصادية في الإمارة. كما يتطرق إلى تجربة البحرين كذلك لتطوير اقتصادها بعيدا عن النفط.

ويذكر هنا أن البحرين قطعت أشواطا طويلة في فرض نفسها كعاصمة للخدمات المصرفية على مستوى المنطقة بأسرها، وقد عمدت إلى تعزيز موقعها بالترخيص لإنشاء مشروع مرفأ البحرين المالي في الميناء القديم وسط المنامة. كما يشير إلى بدء السعودية منذ منتصف العقد الجاري بالتركيز على إنشاء مدن اقتصادية لغرض تعجيل عملية التنمية في المملكة المترامية الأطراف، ما يعني تقليل الاعتماد على القطاع النفطي.

وأما في إطار الحديث عن الإرهاب وتهديده والجريمة المنظمة في منطقة الخليج العربي فيذهب الكتاب ضمن دراسة عن أسباب انتشاره ووسائل مكافحته، إلى ضرورة إنشاء مركز لمكافحة الإرهاب تابع لمجلس وزراء الداخلية العرب، وتبادل المعلومات بين مختلف الدول العربية عن كل المنظمات الإرهابية، فضلا عن المواجهة الفكرية التي تعد أمراً مهماً وحيوياً ومطلوباً وكذا تنشيط دور المؤسسات الدينية لمواجهة الإرهاب الذي يدعي أنه يحمل أفكارا دينية وكذلك لرفع مستوى الدعاة ليكونوا قادرين على المواجهة الفكرية.

المؤلفون في سطور

شارك في العمل بهذا الكتاب مجموعة من الباحثين والمتخصصين منهم أنتوني كوردزمان استاذ كرسي أرليج بورك في الشؤون الاستراتيجية بمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية بالولايات المتحدة، والدكتور محمود سريع القلم الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الشهيد بهشتي في طهران، والدكتور جون بيرتسون أحد المؤرخين والمحللين السياسيين المتخصص في شؤون شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، والدكتورة ميثاء سالم الشامسي وهى وزيرة دولة في حكومة الإمارات وعملت مساعدة لنائب مدير جامعة الإمارات لشؤون البحث العلمي.

فكرة الكتاب

تنطلق فكرة هذا الكتاب من أن دول الخليج العربية تمر بمرحلة تحول تنطوي على تهديد بانعدام الأمن والاستقرار، الأمر الذي لا بد من مواجهته من خلال إقامة منظومة أمنية تسهم في تحقيق الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول، وتوفق بين الإعداد العسكري ومكونات «القوة الناعمة» وتناغم بين مصالح المجتمع الدولي والاحتياجات المحلية.

وعلى هذا كان مناقشة مجموعة القضايا التي تعكس التحديات الخارجية والداخلية التي تشهدها منطقة الخليج العربي وإثارة الحوار بشأن الحاجة إلى نظام أمني للمنطقة من خلال المؤتمر السنوي الثاني عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث حول هذا الموضوع.

مصطفى عبد الرازق

الكتاب: النظام الأمني في منطقة الخليج العربي

تأليف: مجموعة من الباحثين والمتخصصين

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أبوظبي 2008

الصفحات: 580 صفحة

القطع: الكبير