قبل الولوج في تفاصيل كتاب « ها هي الغابة فأين الاشجار » للكاتب علي جعفر العلاق المؤلف من نحو 25 مقالة آثرنا التوقّف عند مقالته الحاملة لعنوان الكتاب نفسه، لفكّ الالتباس وتبيان شيء مما غمض في العنوان، أو لتوكيد احتمالية الإنكار التي أشرنا إليها.
فنقرأ باستمتاع وجهة نظره حول المشهد الشعري العربي الذي بلغ في مرحلته الحديثة مبلغاً من النضج يضعه في مستوى لا يقل قيمة عن أعظم ما في العالم من شعر وأكثره جاذبية وعمقاً ، وذلك كما يتّضح في تجاربه الناضجة لدى كثير من شعراء الصفّ الأول وبعض من جاء بعدهم ممن ارتقوا إلى مستويات عالية ساهمت في ربط النصوص بحركة الحياة وعالمها السفلي الذي يضجّ بالحلم والقهر على حدّ تعبيره. ولكن هذا التقديم المبهج إلى حدّ ما سوف يتوقّف عند هذه الحدود، إذ إنه لدى اقترابه من غابة الشعر المعاصر بحثاً عن أشجاره المتميزة، فإنه سوف يفاجئنا بأن معظم هذا الشعر، لا يقول ما يهمّ الناس وإنه لا يغامر في الدخول إلى ذلك الخضم الهائج، والمتشابك من هواجس الإنسان، فتخفت عواطفه، أو أنه تقصّد الهروب منها لأسباب شتّى، سيوضّحها في مقالة الحداثة المنقوصة .
ويوضّح المؤلّف أثر هذا الهروب على النصّ الذي يتمسّك بما هو شكلي، ويخلو بطبيعة الحال من مغامرة الروح وهي تبتكر، من اللغة وفي اللغة، كياناً حسياً لعذابها الوارف، أو انتصارها العصي على التحقق. وإلى ذلك فإن المشهد الشعري مازال يتجاور فيه أكثر من تيار شعري، غير أن هذه الأنماط على تفاوتها، تلتقي أحياناً عند الاحتفاء بالشكل.
وتعتبره في حدّ ذاته امتيازاً، وخاصة بعد أن فقد هذا المشهد الكثير من أعلامه الشامخة من مثل: الأخطل الصغير، بدوي الجبل، عمر أبو ريشة، نزار قبّاني، الجواهري، عبد الله البردوني، الذين كانوا، بالنسبة إلى الجمهور، يمثلون إغراء خاصّاً من حيث البناء المحكم، والصياغة الباهرة، وانهمار الذات. وهكذا فإنه لم يبق في ميدانها إلاّ خرائب شعرية، لا تمتلك في الغالب، إلاّ ضجة الشكل التي حوّلت هذا النمط الشعري إلى نثر موزون مقفّى .
بينما قصيدة التفعيلة التي بدورها قدّمت أسماء شديدة التوهّج، فإنها على حدّ تعبيره تشهد الكثير من الشعراء المتواضعين الذين يكتبون هذا النمط الجديد بروح تقليدية، مدفوعين بإنجازات الشعراء الكبار، عاجزين عن تحقيق رؤاهم الفردية، أو نبرتهم الخاصّة.
وبالنسبة لقصيدة النثر، التي مثّلت في أفضل مستوياتها، فضاء جديداً يضاف إلى منجزات حداثتنا الشعرية، إلاّ أن عبادتها للشكل بلغت حدّها الأقصى، كما أن الكثير مما يكتب تحت هذه المظلّة، بتعبيره، يمثّل واقعاً مربكاً ومرتبكاً ،ويسير إلى خلل فادح في فهم الشعر وكتابته وصلته بالحياة، وبالتالي فإن معظم ما يكتب تحت هذا الاسم، لا يعدو كونه نثراً رخواً، ويفتقد الموهبة.
وإلى ذلك فإنه سوف يبيّن لقارئه أسباب تعثّر الشعر الحديث، من خلال جملة من المنعطفات الأساسية التي كان من المفترض اقتحامها، وذلك من مثل الاقتراب من عالم المرأة والجسد، حيث إن غالبية الشعراء يتحدثون عن الحبّ بلغة الذاكرة لا جنون الخبرة، وأصبحت قصائدهم ملساء، فتخلو من دم القلب وارتباكه.. وكأنّ شعراءنا مطاردون برقباء سافرين أو مضمرين، ينتشرون في الروح والجسد فيمنعون انثيالهما الصادق، ويعيقون صبواتهما الحارة.
ومن جانب آخر، سيتناول علاقة هذا الشعر بالسياسة، ليؤكّد أنه لم يستطع ملامسة جمرة السياسة بحرية وعمق، فظلّت السياسة أحد المحرمات الكبرى في حياتنا الشعرية، فافتقد شعرنا الحديث وأدبنا عامة، ما في آداب العالم من كشف لظلام السياسة، وفضح لكمائنها، وبطشها المريع.
كما افتقر إلى تلك الروح الشجاعة، الطائشة، المندفعة التي لا تأبه بالخطر ، ولكنه إلى ذلك سوف يتدارك بعد قليل موقفه هذا، ليربط ما بين حاضرنا وماضينا، والإرث المثقل بالحراس والرقباء و ميراث لا حدود له من الذعر والحيطة مما أدّى لأن ينتهي إلى ما آل إليه من نبرة مغلقة، وصوت أملس، ولغة لا تتسع للأسئلة، فكانت حداثتنا في مجملها على حدّ تعبيره حداثة منقوصة، تندفع، أو يدفع بها إلى خارج الحياة وتصدّعاتها الكبرى، وما يتّصل بها من ازدهار ذاتي وجسدي وميتافيزيقي. وقد يتساءل قارئ الكتاب عن الشعر الذي يعجب مؤلفنا، طالما أبدى عليه كلّ تلك الملاحظات؟
سوف نلتمس الإجابة في كلمة له ألقيت في احتفال بيت الشعر في الشارقة بمناسبة يوم الشعر العالمي، فنراه يؤكّد أن للشعر مجداً متجدداً، وهو صانع تلك الفسحة الضرورية للبشر جميعاً، ويعني بذلك فسحة الوهم أو الحلم.
وفي مقاله «شعرية النقد» سوف يتناول كثيراً من القضايا المثارة على ألسنة الكتاب والشعراء ومثقفي الوسط، وذلك من خلال سؤال إشكالي يتلخّص في:
هل الناقد كاتب من الدرجة الأولى، أم أنه كائن طفيلي لا يعيش إلاّ على ما يبدعه سواه؟
وهل هو إنسان مسكون بالحلم وقوة الانفعال، أم أنه محكوم بالمنطق، والمعرفة المنظمة؟
في بداية إجابته عن جملة الأسئلة هذه، سوف يوضّح أوّلاً، أنه ليس ميالاً إلى الإيمان بتلك المقولة التي ترى في النقد علماً، أو نشاطاً يقع في خانة العلم وصرامته، ولكنه في الوقت نفسه، أيضاً ليس مع الناقد الذي يتبع أهواءه وانحيازاته الضيّقة، وإنما مع الناقد الباحث عن أدبية النصّ ومزاياه الأسلوبية والبنائية، والنقد إلى ذلك أدب، بل هناك من يعتبره إبداعاً من الدرجة الأولى، وليس مجرد قول ثان يستند إلى قول أكثر أدبية منه.
ومن هنا فإن الحركة النقدية الجديدة قدّمت الكثير من الأسماء التي العربية التي تجسد، في إنجازها النقدي، هذا المستوى الذي يجمع بين البصيرة النقدية الحادة والأداء الأدبي المرهف ، نظراً لأن العملية النقدية بتعبيره، لا تفصح عن ذاتها إلاّ من خلال اللغة وفي اللغة أيضاً، وبالتالي لا بدّ من امتلاك الناقد خصوصية تميّزه عن سواه.
المؤلف في سطور
الدكتور علي جعفر العلاق شاعر وناقد وأكاديمي عراقي، ولد في محافظة واسط جنوب العراق، وحصل على الدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية عام 1984، عمل في الصحافة والتدريس الجامعي، وأصدر عددا من المجموعات الشعرية منها لاشيء يحدث..لا أحد يجيء، وطن لطيور، شجر العائلة، فاكهة الماضي ، وفي النقد الأدبي، أصدر مجموعة من الكتب منها: مملكة الغجر 1981. دماء القصيدة الحديثة، 1988.
عزت عمر
الكتاب: هاهي الغابة فأين الأشجار
تأليف: د. علي جعفر العلاّق
الناشر: أزمنة للنشر والتوزيع ـ عمّان 2007
صفحات:123 صفحة
القطع: المتوسط

