فرق المارياتشي هي مجموعات موسيقية تقليدية تنشط في المكسيك وجرت العادة على تسميتها فرق «المارياتشيس»، لكن المصطلح الصحيح هو «مارياتشي»، أي أنها مجموعة «مارياتشي»، على الرغم من أن الأكاديمية الملكية الإسبانية تقبل عبارة «مارياتشيس» كذلك.

كما جرت العادة في المكسيك على أن تؤدي فرق المارياتشي معزوفاتها الموسيقية في الحفلات والاحتفالات والمناسبات الخاصة والغنائيات الغرامية التي يغازل بها مؤلفها حبيبته ليلا تحت نافذة غرفتها وفي نشيد يوم الأمهات في المكسيك(10 مايو)، بالإضافة إلى يوم »عذراء غوادالوبي« (12 ديسمبر) وحفلات التخرج ومناسبات أخرى متنوعة. ويمثل المارياتشي أحد أيقونات الثقافة المكسيكية التي امتدت إلى مناطق أخرى من العالم لكن هذا التقليد يبقى مرتبطا بالصورة النمطية المكسيكية الأصيلة. ومن بين أهم مؤلفي غنائيات المارياتشي يبرز روبن فوينتيس، خوسيه ألفيردو خيمينيز، توماس مينديز ومانويل إسبيرون.

المارياتشي هي فرقة موسيقية مكونة من موسيقيين يتراوح تعدادهم بين 7 و12 عنصرا، لكن ليس هناك حد معين لهذا العدد. والآلات الموسيقية التي لا يمكن الاستغناء عنها هي قيثارة قديمة كانت شائعة جدا في القرن السادس عشر يطلق عليها «فيهويلا»، قيثارة عادية، قيثارة كبيرة، كمانات، وأبواق، على الرغم من أنه يضاف إلى كل ذلك في بعض المناسبات الناي والقيثار وهو آلة موسيقية تشبه القانون شكلا. أما الأكورديون فإنه لا يندرج ضمن آلات المارياتشي، لكنه عادة ما يضاف خارج المكسيك.

والمارياتشي لا يعد صنفا موسيقيا مستقلا بحد ذاته قطعا، ذلك أن مجموعات المارياتشي تعزف موسيقى من شتى الأنماط: نغمات محلية، أغاني ريفية، ما يعرف بأغاني «كوريدو» المكسيكية، «هوابانغوس»، «بوليرو»، وفي بعض الأحيان نغمات فظة، فضلا عن رقصات الفالس المكسيكية. لكن يمكن تسمية هذا الصنف الموسيقي «التقليدي المكسيكي» أو «إقليمي مكسيكي».أولى فرق المارياتشي كانت ترتدي الزي الذي كان يرتديه فلاحو «ناياريت» المزينين بدثار من القطن والذين كانوا يستخدمون قبعة مشغولة من قش سنابل القمح الجافة.

وفي مطلع القرن العشرين راحت تلك الفرق تقدم نفسها ببزة قدماء أصحاب الأملاك، أي بزة الفارس المكسيكي الخاصة بالحفلات والتي راح الناس يدخلون التعديلات عليها بغية إعطائها شكلا أكثر مشهدية عن طريق إضافة الألوان والزركشات إليها.

البزة المزركشة المستخدمة من قبل المارياتشي تأتي بشكل عام بلونين هما الأسود أو الأبيض. على الصعيد الرسمي، جرت العادة على أن تستخدم البزة البيضاء من قبل السيدات فقط والبزة السوداء تستخدم في مناسبات مثل الأعراس ومآتم العزاء. لكن خارج هذا الإطار الرسمي، بوسع المارياتشي والمغنين والراقصين استخدام كلا اللونين بلا تمييز.

لهذه الملابس زخارف متنوعة على غرار التطريزات المخرمة على جلد من الشاموا ومجموعات الأزرار اللافتة للانتباه، التي تكون، في حالة المارياتشي، مصنوعة من المعدن المسكوك بينما تكون، في حالة الفرسان، من الفضة أو الفولاذ المفرغ. أما قبعات الفرسان والمارياتشي فإنها مشغولات يدوية دقيقة ولا علاقة لها بتلك القبعات التي تباع للسياح في المحلات التجارية على سبيل التذكار.

أولى فرق المارياتشي النسائية ظهرت في مكسيكو سيتي بمنتصف القرن العشرين وفي الوقت الحالي هناك العديد من هذه الفرق المعروفة. بينما تعتبر فرقة «لاس بيرليتاس تاباتياس» من أولى الفرق التي ذاع صيتها في ولاية جاليسكو.

في مدينة غوادالاهارا يجري كل عام الملتقى العالمي للمارياتشي والزينة وهذا الحدث ينقسم إلى عنصرين، الأول رياضي يقوم على المباريات والمسابقات بين الفرسان. والثاني موسيقي يقوم على الحفلات واستعراضات فرق المارياتشي الفنية، حيث تصل سنويا مجموعات مارياتشي من بلدان مثل صربيا، فنلندا، كولومبيا، إسبانيا واليابان، فضلا عن فرق من كل أميركا اللاتينية. وبالإضافة إلى المسابقات والحفلات الموسيقية تعقد ورشات عمل وحلقات تدريب ساعدت فرق كثيرة من خارج المكسيك على تحسين لباسها وأسلوبها وتقنية أدائها.

السينما المكسيكية ذات التوجه الوطني قامت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بالتعريف عالميا بظاهرة المارياتشي من خلال أفلام لعب دور البطولة فيها تيتو غويزار في الولايات المتحدة وجورج نيغريتي أو ميغيل أسيفيس ميخين في أميركا اللاتينية وأوروبا.

فرق المارياتشي منتشرة ومعروفة على نطاق واسع في سائر أنحاء أميركا اللاتينية ولا سيما في كولومبيا. كما أنها تحظى بشهرة واسعة النطاق في الولايات المتحدة وذلك يعود إلى اختراق الثقافة المكسيكية المهاجرة بحيث بات الناس لا يستغنون عن هذا التقليد في حفلات مثل حفلة الخامس من مايو التي تعد الأهم بالنسبة للجالية المكسيكية- الأميركية، في حين ساهمت حركة الهجرة في نشر الثقافة المكسيكية في أوروبا حيث بدأت فرق المارياتشي تشق طريقها تدريجيا مشكلة جزءا من الحفلات الشعبية والاحتفالات العائلية مثلما يحصل في إسبانيا حيث تنشط المزيد من فرق المارياتشي.

جذور المارياتشي

ثمة تضارب حول منشأ هذا التقليد الموسيقي في المجتمع المكسيكي، لكن على الأرجح أن أصل نغمات المارياتشي وكذلك الكلمات تنحدر من سكان أميركا الأصليين عموما ومن شعب «كوكاس» على وجه التحديد.

قبل مجيء الأسبان

لا يعرف إلا القليل جدا عن الموسيقى التي كانت سائدة ما قبل مجيء الأسبان إلى أميركا، وذلك على الرغم من وفرة الفرق التي تدعي لنفسها ذلك التقليد في كافة أنحاء البلاد. السكان الأصليون كانوا يفتقرون للأدوات ذات الأوتار الصوتية، وموسيقاهم كانت قائمة على آلات النقر أو القرع وآلات النفخ.

ولا توجد إلا مراجع تاريخية وآثارية قليلة جدا تسمح بالتنبؤ بنوع الموسيقى التي عزفها الهنود الحمر قبل وصول الأسبان. لكن المعروف عن المرحلة الأخيرة من حضارة مابين الأميركيتين أنه كان هناك آلهة شفيعة للغناء، الموسيقى واللعب، وكان اسمها «إكشيشيبيلي» وتعني «أمير الوردة». وربما كانت رقصة «فينادو» وال«سونورا» بمثابة إحدى الشهادات الحية على هذا النوع من الموسيقى الذي صمد حتى يومنا هذا.

باسل أبو حمدة