بعض النقاد يلقّبه بـ «عرّاب السينما السورية»، فيما يؤكد آخرون أن أفلامه ترتقي لمستوى مخرجين كبار مثل فيلليني وكوستاريكا، غير أن المخرج عبد اللطيف عبد الحميد، بغض النظر عن كل الآراء المختلفة حوله، يعد من أغزر المخرجين السوريين إنتاجا، وأكثرهم حضورا في السينما العربية والعالمية
ولن نبالغ إذا قلنا إن عبد الحميد خلق أسلوبا جديدا في السينما السورية، ويحمل لقب «المليون مشاهد» الا ان فيروس الغرور لم يصبه، يعتمد على البساطة والشفافية الممزوجة بنفحة كوميدية ساخرة، للتعبير عن مشاكل اجتماعية كبيرة يعاني منها الإنسان المعاصر، كما أن أفلامه، التي يحلو للبعض وصفها بـ «السيمفونية» لشفافيتها، أعادت الجمهور السوري الغائب أو المغيب عن صالات السينما، ليعيش طقسه الخاص الذي افتقده منذ عقود.
«البيان» التقت المخرج عبد اللطيف عبد الحميد في مقهى الهافانا بدمشق الذي كان مهدا لكتابة اغلب اعماله، بدءا بـ «ليالي ابن آوى» وانتهاء بفيلمه الجديد «تحية إلى دمشق» الذي بدأ بكتابته للتو،عن كل القضايا والهواجس التي تهم هذا الفنان المبدع كان معه هذا الحوار: ما سبب اتجاهك نحو السينما؟ ولماذا اخترت دراستها دون سواها، رغم اهتماماتك الموسيقية والأدبية؟ منذ مرحلة مبكرة في حياتي، كان ثمة شيئان يسيطران على تفكيري هما الموسيقى والإخراج، فمنذ أن كنت أسكن في الجولان بحكم عمل والدي كضابط، أعجبت كثيرا بالأفلام التي كانت تعرض للعاملين في الجيش وأسرهم، وحين ذهبنا إلى قريتي في ريف اللاذقية بعد أن أنهى والدي خدمته، كنت أتابع جميع الأفلام التي تعرض هناك، ونمّيت ثقافتي السينمائية في سينما الكندي في اللاذقية التي كانت تقدم الأفلام الإيطالية والفرنسية الجميلة.
ونتيجة اهتمامي بجميع الفنون البصرية والموسيقى، عملت في المسرح الطلابي في اللاذقية، كما ألفت عام 1972مسرحيتين قدمتهما في الهواء الطلق على بيادر القرية، وكنت لا أزال طالبا ثانويا، لكن هذه العروض، التي كتبتها وأخرجتها بالكامل، لقيت حضورا كبيرا من أهالي القرية والقرى المجاورة تجاوز 5000 شخص في تلك الفترة. - لكنك، رغم ذلك، آثرت دراسة السينما على المسرح والموسيقى؟ عام 1974 تقدمت لبعثة موسيقية على عدد من الدول، وكنت أنوي دراسة الموسيقى الشرقية في المعهد العالي للموسيقى بمصر، لكن اللجنة رفضت قبولي، بحجة أن البعثة هي فقط للدول الغربية ولا يمكنني الذهاب لأني أتقن العزف فقط على العود وهو آلة شرقية، لكنني اكتشفت لاحقا عدم صحة هذا الكلام.
وماذا عن أعمالك التي أخرجتها خلال فترة الدراسة؟
قدمت خلال دراستي في معهد السينما بموسكو ثلاثة أعمال كانت تدور أحداثها في مدينة دمشق، هي «تصبحون على خير» مدته 14 دقيقة، و «درس قديم» مدته 20 دقيقة وتدور أحداثه في مدرسة سورية، وقد لقي نجاحا كبيرا، فضلا عن نيله 6 جوائز، أهمها جائزتي لجنة التحكيم وجائزة مجلة الفن السينمائي السوفييتي، وجائزة الشاشة السوفيتية، فضلا عن فيلم التخرج «رأسا على عقب» والذي يعتبر بداية لفيلم صعود المطر الذي جاء بعد حوالي عقدين.
العودة إلى الريف
لكنك عدت في بداية مسيرتك السينمائية الروائية إلى الريف، من خلال فيلمي «ليالي ابن آوى» و «رسائل شفهية» الذي يوصف بأنه فيلم الـ «مليون مشاهد»، والسؤال: ما سبب اتجاهك من جديد نحو الريف، رغم أن أعمالك السابقة جرت أحداثها في المدينة؟
لقد عشت حياتي دائما متنقلا بين الريف والمدينة، ولذلك فأنا أعشق العلاقات الاجتماعية التي تحدث فيهما، وإحساسي تجاه هذه العلاقات له خصوصيته، وبالنسبة للفكرة الرئيسية في فيلمي الأول، فقد أخذتها من حادثة حقيقية حدثت معي منذ 4 عقود في إحدى الليالي.
وبينما كنا نتناول طعام العشاء في منزلنا الريفي بعد أن سرح أبي من الجيش، جاءت بنات آوى وبدأن يصدرن أصواتا مزعجة فخفنا نحن الأطفال، وفيما ارتبك أبي الذي لم يدرِ ماذا يفعل، لجأت أمي، بأصولها الريفية، إلى إطلاق صفير جعل بنات آوى يهربن، وهذا الفكرة الصغيرة بنيت عليها فيلمي مستعيرا حكايات لعدد من الأشخاص الذين عرفتهم ومازلت، وبعضهم رحل.
وبالنسبة لفيلم «رسائل شفهية» الذي يوصف بأنه فيلم الـ «مليون مشاهد» فهو يسرد حكايات في ذات الإطار، ومنها قصة الشاب إسماعيل الذي يحب إحدى فتيات القرية، لكنه بسبب خجله من أنفه الكبير يلجأ إلى شاب صغير لينقل لها رسائل شفهية منه، فضلا عن إلقاء الضوء على المشاريع التي كانت تبنى على حساب الفلاح وأرضه، كمشروع سكة الحديد الذي خرب أراضي عدد كبير من أهالي القرية بسبب التخطيط الفاشل للقائمين عليه.
بعد ثنائيتك الريفية عدت مجددا إلى أحضان المدينة، لتقدم نموذجا مختلفا عن العلاقات الإنسانية الصادقة من خلال فيلم «صعود المطر» الذي وصف بأنه من أفضل الأعمال في تاريخ السينما السورية، إضافة إلى «نسيم الروح» الذي يصفه البعض بأنه مزيج من الموسيقى والشعر والسينما في آن؟
بالنسبة لـ «صعود المطر» هو فيلم في منتهى البساطة، وهو يحوي خطين دراميين: واقعي يسرد قصة الكاتب والسريالية والعبثية اليومية التي يعيشها، وخط متخيل ينبع من القصة التي يكتبها، والتي يستمد أحداثها من خلال قصة الحب التي تجمع عاشقين صغيرين يرقصان تحت المطر بالقرب من نافذته، لكنهما يقتلان في النهاية فيشعر أن ثمة شيئا قتل في داخله.
أما بالنسبة لـ «نسيم الروح» فقد اجتمع شيئان في تكوين أحداث الفيلم في مخيلتي هما أيضا واقع وخيال أو حلم وحدث واقعي، وهذا يتجلى أيضا في الفيلم حيث يتم في النهاية حل اللغز الذي طرحته في الفيلم عبر الحلم.
طغيان السخرية
قد يتساءل البعض حول هذه السخرية التي تكتنف أفلامك، والتي تطرحها بشكل كوميدي أو لنقل إنك تسخر من الواقع ولكن بشكل جميل؟
هذا يعود للتكوين النفسي للكاتب أو المخرج، فكل شخص يرى العالم من منظاره، وأنا هذه تركيبتي، أي أني أرى دائما السخرية داخل الأشياء الحزينة والعكس، لذلك أسعى إلى المزج بين المضحك والمبكي في آن احد.
لكن ما سر هذه البساطة في أفلامك والتي تناقش من خلالها أشياء هامة وربما مصيرية في بعض الأحيان؟
كما أسلفت كل إنسان لديه رؤية مختلفة للأمور، كما أن لديه طريقة مختلفة في السرد، بمعنى آخر: إذا أعطيت طرفة لعدة أشخاص فكل سيرويها على طريقته، وأنا بطبعي أكره الشيء العصي على الفهم، لذلك أعيد إنتاج الواقع بشكل مبسط، لكن من خلال وجهة نظري الخاصة.
الموت خاتمة النهايات
جميع أفلامك تحوي قصص حب، لكنها تنتهي غالبا بموت أحد العاشقين، كما أن موضوع الحرب يتجلى في أغلب أفلامك، أو لنقل إنك تجمع في أفلامك بين نقيضين الحب والحرب ما السبب؟
أنا بطبيعتي أحب جميع الناس، وأخاطب في أفلامي أماكن اللاوعي في الإنسان، وأحاول تحريك المشاعر النبيلة لديه، أما بالنسبة للنهايات السعيدة في قصص الحب فأنا لست معها دائما، بمعنى أنا لا أعمل وفق مسطرة أو نهاية حتمية لكل شيء، وبشأن الحرب فهي حاضرة بالأساس في حياتنا، وحياتنا كلها حروب، أنا منذ أن وعيت على هذه الدنيا وجدت نفسي في الحرب، وأول صورة طبعت في ذهني كطفل هي صورة الحرب.
الأطفال حاضرون في جميع أعمالك، لكنك في «قمران وزيتونة» أعطيتهم دور البطولة، هل كانت قصة الفيلم تتطلب ذلك أم ثمة مبررات درامية أخرى؟
فيلم «قمران وزيتونة» الحكاية فيه تتطلب أن يكون أبطالها أطفالا، وهذه الحكاية عاشها جيلنا والأجيال التي كانت قبلنا وبعدنا، كنت عندما تريد طلب العلم يجب أن تقوم بتضحيات عديدة، تعبر جبال ووديان في ظل الرياح والأمطار.
وأود الإشارة إلى أن هذا الفيلم كتبته قبل فيلمي الثالث «صعود المطر»، لكن كان لدي إحساس بأنه غير مكتمل وينقصه شيء ما، فتركته ولكن بعد حوالي عقد وبينما كنت متواجدا في فرنسا لعرض فيلم «صعود المطر» خطرت الفكرة التي سأكمل بها سيناريو الفيلم فكتبتها.
الحضور الفيروزي
سأعود إلى الفكرة التي ذكرتها أنت في البداية، وهي أن السينما طورت لديك الذائقة السينمائية، لذلك نجد أن الموسيقى عامة وصوت فيروز خاصة حاضر دائما في أفلامك، حتى أنك أسميت أحد أفلامك باسم برنامج موسيقي، إضافة إلى نهايات أفلامك أغلبها فيروزية، ما السبب؟
طبعا، هذا له علاقة باهتمامي بالموسيقى وإحساسي بها، ويجب أن تعرف ما الذي يؤثر على المتلقي في هذه اللحظة بالذات، وكما أسلفت، لقد كتبت مشاهد كثيرة على مقطوعات موسيقية، مثل أغنية النهاية في فيلم «ما يطلبه المستمعون» وهي للسيدة فيروز «جايبلي سلام» والتي قطّعت المشهد الأخير عليها.
كما أن أغنية «يا طير» التي بدأت وختمت بها فيلم «نسيم الروح» استخدمت فقط المقطع الأول «الموسيقى وصرخة الأوف» للتعبير عن الصراخ تجاه الواقع، وإن كنت أستغرب من أحد الأشخاص أنه أخذ علي استخدامي لإحدى أغاني فيروز في فيلم خارج التغطية، على اعتبار أنه ملّ من سماعه لها في جميع أفلامي.
وبالنسبة لفيلم «ما يطلبه المستمعون» فهو يسرد حكاية بعض الناس البسطاء الذين يأتون من أماكن بعيدة إلى منزل أبو جمال، ليسمعوا أغنياتهم التي أهداها لهم أحباؤهم بأسماء مستعارة خوفا من الأهل، لكن جمال الذي كان يقاتل الاحتلال يستشهد قبل أن يسمع أغنية «جايبلي سلام» التي أهدتها له حبيبته عزيزة والتي تتوج الفيلم في النهاية.
إضافة إلى الموسيقى، ثمة أمر آخر يلازمها في أغلب أفلامك هو الرقص الذي قد يأتي تعبيرا عن الفرح حينا والصراخ حينا آخر، لماذا ؟
دعني أقول: إن أي رقصة في أي فيلم لها معناها ومبررها الدرامي، فالرقصة الصغيرة التي تؤديها الفتاة في رسائل شفهية هي تعبير عن حالة الفرح والحب في آن، والحالة النفسية التي يمر بها بطل صعود المطر نتيجة الانهيارات المتكررة التي حصلت معه، تجعله ينزلق في الرقصة الزورباوية- سمها ما شئت- لكنها نوع من تفريغ شحنة داخلية لهؤلاء البشر المأزومين.
دمشق الجميلة
لماذا تبدو مدينة دمشق في أبهى صورها في فيلم «خارج التغطية»، رغم أنه واجه الانتقاد من قبل البعض، وخاصة مشهد «تورط» العاشقين جسديا، خلافا لـ «نسيم الروح» الذي بقي في إطار العلاقة الروحية؟
اولا إن بعض المشاهدين أخبروني بأنها المرة الأولى التي تبدو فيها مدينة دمشق بهذا الجمال في فيلم سوري، وأخبرتهم بأني كنت مصرا على إظهارها بأفضل صورة، بل كنت أطمح أن تكون علاقات دمشق بمستوى جمالها.
أما الثاني فقد شرحت المشهد أكثر من مرة، فالبطلان في «خارج التغطية» هم في النهاية بشر والبشر خطاءون، كما أنهما كانا يشعران أنهما يرتكبان شيئا خاطئا وبأنهما مكشوفان أمام الناس، بدليل دخول صوت الشارع في الخارج إلى الغرفة التي جمعتهما.
ما الذي تغير بين عبد اللطيف «ليالي ابن آوى» 1989 وعبد اللطيف الحالي بمعنى آخر ماذا أضافت تجربتك الجديدة التي في طور الكتابة «تحية إلى دمشق» إلى مجمل تجاربك السابقة؟
يفترض أني أصبحت أكثر نضجا، وأكثر عمقا بالأشياء وأكثر تطورا في أدواتي، وأنا أحاول تنمية ذلك، وأقوم بتمرين ذهني بيني وبين نفسي، فعندما أرى حادثة أتساءل ما هي مدلولاتها وما الذي حدث، وكيف أجيب عن الأسئلة، وفي النهاية الحياة مدرسة كبيرة جدا، وكل ثانية من حياتي تمنحني شيئا جديدا، وهذا الشيء أتعامل معه ضمن وعيي الحالي وليس الذي كان في 1989.
عبد اللطيف عبدالحميد في سطور
* ولد عام 1954
* في عام 1981تخرج في المعهد العالي للسينما بموسكو
* أثناء دراسته في المعهد أنجز الأفلام التالية: «تصبحون على خير»، «درس قديم» الذي نال 6 جوائز، «رأساً على عقب»
* أنجز للمؤسسة العامة للسينما فيلمين تسجيليين هما: «أمنيات» و «أيدينا»
* في عام 1983 عمل مخرجا مساعدا في فيلم
«أحلام المدينة» لـ محمد ملص.
* في عام 1987 مثل الدور الرئيسي في فيلم «نجوم النهار» لـ أسامة محمد.
* في عام 1988 أخرج فيلم «ليالي ابن آوى»
* في عام 1991أخرج فيلم «رسائل شفهية»
* في عام 1994 أخرج فيلم «صعود المطر»
* في عام 1998أخرج فيلم «نسيم الروح»
* في عام 2003 أخرج فيلم «ما يطلبه المستمعون»
* في عام 2007 أخرج فيلم «خارج التغطية»
* في عام 2008 أخرج فيلم «أيام الضجر»
أيام الضجر
يعتبر المخرج عبد اللطيف عبد الحميد فيلم «أيام الضجر» بأنه أهم ما قدمه في مسيرته حتى الآن،
و تدور أحداث الفيلم في العام 1958 حين كانت سوريا هي الإقليم الشمالي في دولة الوحدة مع مصر حيث يتحدث عن عائلة خرجت من الجولان عائدة إلى أهلها تجر وراءها أولادها الأربعة، تاركة زوجها الجندي في سلاح الهندسة ينصب الألغام للإسرائيليين على خطوط الجبهة، وبسبب ما يحدث من مناوشات بات وضع العائلة في الجولان خطيراً.
خارج التغطية
يعالج فيلم«خارج التغطية» قضية الاعتقال السياسي التي يتناولها المخرج عبد اللطيف عبد الحميد بشكل موارب ربما للتهرب من قبضة المراقبة، خصوصاً أن جهاز الخلوي كان عنصراً أساسياً في الفيلم، إذ كان بطل الفيلم تحت وطأة الرنين المستمر لتحقيق طلبات الزوجة وزوجة الصديق الذي يقبع في السجن. وعندما يفقد توازنه وقدرته على خدمتهما، يغلق جهازه ويصبح (خارج التغطية) واقعاً ومجازاً، فيهرب إلى ليل دمشق ليواجه قدره وحيداً وأعزل ومحطّماً.
الممثل قبل المخرج
عمل عبد اللطيف عبد الحميد ممثلا رئيسيا في شريط (نجوم النهار) لأسامة محمد إنتاج 1987 والذي قام فيه بالدور الرئيسي، ولقد حقق الشريط نجاحا كبيرا، خصوصا على المستوى الفني والنقدي، وبالطبع كان يمكن أن يستمر عبد اللطيف عبد الحميد ممثلا، ولكنه اختار التوجه نحو الإخراج، وجاءت مجموعة أفلامه لتدل على أنه من أهم المخرجين في سوريا، فهو المخرج الذي يعرفه الجمهور مباشرة وينتظرون أفلامه، وهو نجم باعتباره مخرجا وهذه ظاهرة غير مسبوقة بالنسبة للسينما في سوريا.
حسن سلمان



