الطريق الترابي من بيت أبيها حتى فصول الدرس كان طويلا، تركض في الصباح الضبابي وتجاوز الأرض المزروعة ،تراقب السواقي التي تدور بها كائنات مغمضة العينين في استكانة ، تتعثر بين غرسات الأرض الغضّة لتنضم إليهن، سرب من الصغيرات يواصلن المشي بين القرى والنجوع حتى يلقين بأجسادهن المتعبة فوق المقاعد، ويتبارين في خط حروف الهجاء.
يتحلقن في الصفوف الأخيرة في حصص الرسم أو الأشغال لينسجن مفارشا و«شراشفا» ويرسمن وجوها كثيرة لرجال غامضين باهتي الملامح ، فقط يبرز في الرسم ذراع معقوفة على هيئة خطاف ليتعلق بها جرم أنثوي يكتسب ملامحهن واحدة بعد أخرى. طرزت فوق مفرشها نجوما كثيرة، وسحبا تروح وتجيء عابرة الفضاء الواسع، وقالت لهن «ساطير» ضحكن فأكدت نبوءتها بشرود صامت، وكانت روحها تجول في أروقة بعيدة ثم همست بتصميم أكثر «ساطير» فانفجرت ضحكات أكثر طربا، غمزت مدرسة الأشغال بطرف فمها وهى تضم خيوطا على هيئة ثوب مولود لم يكتمل كتمن شهقاتهن الضاحكة وهي ساهمة في شرودها العميق.
في حجر جدتها تدس رأسها مستسلمة وهى تبلل جذوع شعرها بزيت الخروع وتحكي لها عن بلاد تشيل، وبلاد تحط، وقوافل تجلب الصابون والبخور المكي ورجال يسيرون في فيافي قاحلة لا تعرفها سوى الجنيات وبنات آوى، في الحكاية كانت الجازية الشريفة تمد ضفائرها فقط ليتسلق عليه الصغار ويضمن في شعورها تفاصيل حواديتهم، تصبح ضفائرها مثل الجازية طويلة وغزيرة ومزهرة بعناقيد التمر الناضج، فتدرك أن أمها التي تفرك العجين بالزبد، وترص في فطائرها وهى تستعد لزيارتها السنوية لبيت «الجدّ» لن تحملها معها، تقول باستسلام «البنت كبرت» كبرت..
فصارت لا تركض بين الحقول الضبابية، تروح وتجيء إلى قاعة الدرس محمولة على عربة مغطاة ، ويشد لجام فرسها أحد الغفر ، تعبر بها العربة مزيدا من الأحواض والأجران ومساقى الماء، وبيوتا لا تعرف أصحابها، فتتلصص على السماء من ثنايا هودجها وتدرك أنها صارت نائية وبعيدة. في حصص الأشغال التي صارت أكثر، يغزلن بالكنفاه نساء عاريات يتقلبن على الوسائد البنفسجية ليعلقنها فوق الشراشف المرتقبة.
ظلت تطرز عصافير صغيرة تطير في أسراب وتفقد اتجاهها في السماء البعيدة. البنات اللاتي كن حولها في الصف اختفين واحدة بعد أخرى، ذهبن ليطبّقن كل دروس التربية المنزلية ويثبتن تألقهن في صنع الفطائر، وتخزين العصائر ، وتعقيم لفف الصغار، وتركنها تراقب جمال جسدها بتكاسل في المرابط وتسلم ضفائرها لجدتها لتحكي لها عن قبائل تروح، وقبائل تفتش عن غدران الماء، ورحال يحطونها في الفضاء الرملى.
وجدات يحملهن الهوادج ، وجمال تعرف اتجاه المسير. تدقدق بين المطابخ وغرف الخزين صباحا وتشطر ليلها ناثرة شعرها فوق جذعها وتدليه في بيارات معتقة بالحكايا ، ثم تطير حروفها على الأوراق لتطير حولها تاركة بقعا من الحبر فوق الوسائد.
كانت تشعر به هناك، فوق ملابسها في الدواليب المغلقة، على التراب الذي نفضته عن شبابيك بيتها، في شقوق العنكبوت في أركان سقفها، تشعر بأن مسافة بيضاء خاوية تفصل بينها وبينه، تبحث عن أشياء تعرفها فيه، طريقة غضبة، تودده، حنينه إليها، لكنها لا تجد ذلك، ثمة فراغ مؤرق نبت بينهما، تمدد بين جسديهما الذي أنزلق إلى فراش واحد، تجاسر وأصبح حائطاً من الصمت والتجاهل، صار ثالثاً وهمياً يناور ليأخذ دور البطولة.
تركت ذلك الثالث يكبر بينها، وليد يتسلق الثقوب التي له في قلبها، لم تعد قادرة على الغضب، ولا الدهشة ولا الغيرة، صارت أقدر على التجاهل، رسائل فجة على هاتفه النقال، شعرة ملونة فوق ملابسه التي قذفت بها إلى فم آلة الغسيل، فرحة اقتناص تركت شهوتها على فمه، أنامل طفل تتقلب على شاشة الكمبيوتر، كلمات مبعثرة في مربع الرسائل المتبادلة، صار جسدها ينكمش أكثر، يتحول إلى فراغ مثقوب بالحيرة.
المرأة التي تواجهها في المرآة لها ملامح قاسية، شعر أبيض على حواف وجهها، امتلاء في وجناتها، خطوط ترسم مرحلة جديدة في صورتها، هربت ضحكاتها التي تعرفها، تحولت إلى امرأة أخرى، مسالمة، وقانعة بالمشاهدة، تغزل من بكرات الصوف الذي كبل يديها قطع ملابس صغيرة وتعسة لأطفال لم تنجبهم، تعيد طي خيوط الغزل في بكرات مستديرة، تفتح شاشة التلفزيون كل ليلة على أشياء مضحكة أو محزنة هناك في الطرف المقابل أناس يضحكون أو يبكون أو يقتلون بعضهم بعضاً، تدير المؤشر عدة مرات قبل أن تطفئ النور ولا تنتظره، تنام وتعرف أنه سيدخل متسحباً باحثاً عن أكاذيب لم تعد قادرة على سماعها.
تعفيه من مشقة البحث عن أشياء جديدة، تفرغ رصاصة الرحمة في قلبها، لم تعد تتألم، لم تعرف هذا الدم الذي ينفجر في نبضاتها صار الثالث أقرب إليها، تحتضنه، هذا الفراغ الصامت يؤنسها، هذا الشبح الذي كان يخيفها يصبح أقرب إلى جسدها، حائط صلد من التجاهل والصمت واللامبالاة يحتويها أكثر، تطمئن إليه، تكتشف معه كم هي امرأة حكيمة، ومتعالية كم هي بائسة ووحيدة في سفر طويل إلى أرض توطن فيها اغترابها وبنى شرفات عالية من الخوف والعزلة والتوجس بين جسدين انزلقا إلى فراش واحد ونام الهجر بين المساحات الخالية وتمدد فيها.
هكذا كانت تفتح كل حواديتها، بتلك الجملة لو كان بيتنا قريبا، لم أعرف لها بيتاً قط، كان بيتها هو بيتنا، اقرفص بجوارها فتكت قطن الوسائد على الأرض وتنشره في الشمس وتعيد مزه، أي جذبه لينفش ويصير هشاً كحولي غزل البنات، البنات اللاتي يقضين أعمارهن في جذب الخيوط ونفشها ليتم دكها في بيضات مخملية، عرق المحبة يسيل عليها، تعب الولادات، ودموع الهجر والفقدان.
الوسائد التي تختبئ فيها وجوهنا في الليل وتسرح عليها أفكارنا تخصصت جدتي في نثر مخبئها على أرض غرفتها لأجلس بجوارها وأشد في ليل طويل، بيت جدتي لم تعد تعرفه هي، تقول بتهكم قرب جرن الأهالي، بعد وادي الملاك، خلف معالم، ذات يوم عبر جدي، كانت واقفة هناك على باب بيتهم، تنثر الماء، تكنس الفضاء المترامي جملها على جواده وأغلق الباب الذي صار بيتاً بأسوار.
تتطلع من شقوق الخلاء فلا تعرف المشرق من المغرب ولا تتذكر أن لها أحدا من أسرتها قد بقي أو ما زال حياً، ولا تحلم سوى بأن تسير على حواف المترع وتغسل ثوبها في الماء الجاري وتحك كعوبها على مصفاة على رأس فدان مزروع بقرون فول أخضر، تلطم حبات الفول في خيوط فألبسها عقودا تتدلى من فوق صدري وأقفز كأرنبة حولها، لم تقل لي لماذا ظلت ملابسها في صندوق خشب معدة لسفر ما.
لم أعرف لماذا تنثر ثوبها الأسود بين كل فصل من فصول العام وتعطره وتعيد طيه كأنه لرحلة غامضة، الفنادق التي أنام على وسائدها الآن تذكرني بابتسامتها وهي تحشو الأكياس بالقطن الهش، الوسائد التي أنام على وسائدها الآن تذكرني بابتسامتها وهي تحشو الأكياس بالقطن الهش، الوسائد التي أنام عليها جافية وغليظة كأنها لم تعرف كيف تعطي أحد حنوها، في حقيبة ما أكدس أثوابي التي تضجر من الدواليب.
حقيبة أضعها تحت منامتي، اغضب فأحملها، احزن فأتوسدها، لو مدت جدتي أصابعها الخشنة في كفي وتحسست خط العمر وضحكت «سكة أبو زيد»، ولم تكن تعرف أن حياتي ستصبح هججا دائما وأن ما أتوق إليه لم يعد جمال وركاب، ونجوم سائرة في دهاليز سماء ما، لم تعد رحلة الشتاء والصيف كافية لنزف وقلق روحي، أنام على ساقها فتقول لو كان بيت أبيها قريبا كنت أروح وأجيب واصلي على الحبيب فأنعس حالمة ببلاد بعيدة تأتي وتأخذني إليها.
ميرال في سطور
* قاصة وروائية وأستاذة جامعية مصرية ولدت عام 1968.
* من أعمالها: «الخباء ـ الباذنجانة الزرقاء ـ نقرات الظباء».
* ترجمت رواياتها إلى عدة لغات عالمية
* منحت عدة جوائز عربية ودولية.

