بدأت حركة مناهضة العولمة بالظهور على الساحة الإعلامية الدولية في «سياتل» بالولايات المتحدة الأميركية عام 1999 عندما شهدت انعقاد قمة منظمة التجارة العالمية، ثم تصاعدت نشاطاتها وصولا إلى تنظيم يوم عالمي لمناهضة العولمة يوم 26 يناير- 2008.
حركة مناهضة العولمة، كما يتم تعريفها، جمعت مختلف التيارات التي تنتمي خاصة للمجتمع المدني وتناهض السمة اللبرالية الجديدة للعولمة السائدة اليوم، وهي تتطلع بالتالي إلى «عولمة أخرى»، وتقوم من أجل بلوغ ذلك بالنضال على مختلف الأصعدة المحلية والوطنية والعالمية.
يقوم المؤلف أولا بمحاولة رسم إطار لحركة مناهضة العولمة. ويرى أنها جاءت ردا على الفكرة القائلة أن زوال الاتحاد السوفييتي والانفتاح الاقتصادي لأغلبية البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة وسيطرة الأفكار اللبرالية سمح بالاعتقاد أن حركات الاحتجاج ضد الرأسمالية قد انتهت مرة واحدة وإلى الأبد وأنها أصبحت تنتمي إلى الماضي.
مع ذلك، يؤكد المؤلف، أن حركات الاحتجاج هذه عادت للظهور بشكل«خجول» أولا ثم بشكل صريح وواضح في «سياتل» عام 1999، وذلك عندما نظّم مناهضو العولمة مظاهرات بمناسبة انعقاد مؤتمر وزاري للمنظمة العالمية للتجارة.
تتمثل إحدى السمات الأساسية لحركة مناهضة العولمة «الوليدة» في كونها ذات طابع أممي ، هكذا يتم الحديث عنها وكأنها منظّمة ذات بنية متماسكة على غرار ما كانت عليه الأممية الشيوعية لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أنها بعيدة عن أن تكون كذلك.
إذ لا توجد أية هيئة أو بنية دولية مناهضة للعولمة بما في ذلك المنتدى الاجتماعي العالمي يمكنها أن تكون بمثابة هيئة قائدة لنشاط هذه الحركة. فالمنتدى الاجتماعي العالمي نفسه هو، كما يعرّف نفسه مجالا للقاء مفتوح يرمي إلى تعميق التفكير ونقاش الأفكار الديمقراطية وصياغة اقتراحات وتبادل التجارب بكل حريّة وإيجاد نوع من التمفصل في منظور تنسيق أعمال ونشاطات حركات المجتمع المدني التي تناهض اللبرالية الجديدة .
وبهذا المعنى لا يشكل المجلس الدولي للمنتدى الاجتماعي العالمي ولا أمانته العامة هيئات قيادية لحركة مناهضة العولمة.وتتم الإشارة هنا أيضا إلى عدم وجود زعيم لحركة مناهضة العولمة . هناك شخصيات وهيئات معروفة على الصعيد العالمي في هذا المجال مثل الفرنسي جوزيه بوفي و الكوماندان ماركوس ومجموعة اتاك و الحركة الزاباتية في أميركا اللاتينية. كما أن حركة مناهضة العولمة لا تمتلك إيديولوجية خاصة بها قائمة على نص مرجعي مثلما كانت نصوص كارل ماركس بالنسبة للشيوعية.
إن ميثاق المنتدى الاجتماعي العالمي هو النص الوحيد الذي يرجع إليه مناهضو العولمة عامة. لكن هذا الميثاق لا يعادل بيان الحزب الشيوعي .ومن خصائص حركة مناهضة العولمة هو أنها تميل غالبا نحو الامتزاج بما يسمّى المجتمع المدني بل وهناك بعض مناهضي العولمة يحاولون إيجاد نوع من التماثل بين حركتهم وبين »مجتمع مدني عالمي بطور البناء .
بل ويتم القول أن هناك رأيا عاما عالميا إن مؤلف هذا الكتاب يؤكد على أن الرأي العام يلعب دورا لا يمكن إهماله في القضايا الدولية، و لكن لا ينبغي مع ذلك تضخيم هذا الدور ، حسب قوله ثم يؤكد أنه من التهوّر الخلط بين حركة مناهضة العولمة وبين المجتمع المدني العالمي، واعتبار أن المنتدى الاجتماعي العالمي كممثل لذلك المجتمع المدني العالمي .
ويناقش المؤلف في أحد الفصول الأطروحات القائلة أن حركة مناهضة العولمة تشجب كل أشكال الاضطهاد ، وأنها، بصيغة ما، الشكل الجديد للنضال الذي خاضته الإنسانية منذ قرون عديدة وحتى اليوم من أجل تحررها، أي بمعنى ما المعركة ضد جميع أشكال سيطرة البشر على البشر .
كذلك تتم الإشارة إلى أن مناهضي العولمة يميلون أيضا إلى أن يجعلوا من أنفسهم محرّكي المظاهرات الكبرى التي شهدها العالم عام 2003 ضد الحرب في العراق . وإذا كان المؤلف يقرّ أن مبدأ القيام بمظاهرة عالمية ضد الحرب في العراق قد جرت الموافقة عليه أثناء انعقاد المنتدى الاجتماعي الأوروبي في فلورنسة خلال شهر نوفمبر-2002، وصادق عليه نهائيا المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري بشهر يناير-2003، فإنه بالمقابل لا يرى أن الأمر كان يتعلق ب«مظاهرة» نظّمها مناهضو العولمة، بالمعنى الدقيق للكلمة . إن الخلط يأتي برأيه بسبب غياب تعريف محدد لمناهضة العولمة نفسها .
بالنسبة لفرنسا، وكما يشرح المؤلف في أحد الفصول، يجري غالبا اختزال حركة مناهضة العولمة في الوجوه المعروفة إعلاميا في هذا الميدان ، وخاصة جمعية اتاك ، وهذا اختصار ل«جمعية فرض الضرائب على العمليات المالية من أجل مساعدة المواطنين ، ثم «جوزيه بوفي» ، المعروف من قبل مناهضي العولمة في العالم كله، ولكن لا يمكن اعتباره «زعيماً» للحركات المعبّرة عنهم حيثما تواجدوا.
فهذه الحركات عديدة ومتنوعة. ثم هناك مسألة هامة يشير لها المؤلف وهي أن الحركات التي تساهم في خلق الدينامية المناهضة للعولمة ليست بالدرجة الأولى منظّمات المجتمع المدني وإنما، بالأحرى، بعض وسائل الإعلام مثل لوموند ديبلوماتيك، وشارلي هيبدو، وبوليتيس في فرنسا وبعض الأحزاب السياسية مثل الرابطة الشيوعية الفرنسية وحزب العمّال البرازيلي وحزب العمل الاشتراكي في المملكة المتحدة.
ومن الأفكار الشائعة التي يتعرّض لها المؤلف بالشرح والتنفيذ والنقد تلك القائلة أن حركة مناهضة العولمة تتحدث باسم أولئك الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا العولمة وأنها صوت من لا صوت لهم وبالتالي هي «تتحدث باسم الفقراء في العالم أجمع وأولئك الذين يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر» .
كما تتم مناقشة مقولات مثل تلك التي تعتبر أن «حركة مناهضة العولمة تتماثل كثيرا مع مفهوم اليسار المتطرف»، ويرى المؤلف أن هذا الخلط يعود إلى التقارب الإيديولوجي في الأطروحات الرافضة ل«العولمة اللبرالية» ول«إمبريالية» الولايات المتحدة ول«السياسة الإسرائيلية» ول«تهميش» الفقراء والمهاجرين .
المؤلف في سطور
إدي فوجييه هو مفكر سياسي أختصاصي بمسائل مناهضة العولمة. وكان قد قدّم حول هذا الموضوع العديد من الكتب مثل قاموس تحليلي لمناهضة العولمة و مناهضة العولمة، حركة جديدة للتحرر ؟ و الاحتجاج على العولمة: هل يشكل هذا استثناء فرنسي جديد ؟
وفي هذا الكتاب مناهضة العولمة يحاول المؤلف تقديم رؤية تاريخية وتحليلية للحركة المعنية منذ بداياتها حتى الفترة الراهنة التي تحاول فيها إيجاد نفحة جديدة لنشاطاتها.
الكتاب: حركة مناهضة العولمة
تأليف: إدّي فوجييه لوكافالييه بلو
الناشر: باريس 2008
الصفحات: 126 صفحة
القطع: الصغير
L 'alter-mondialisme
Eddy Fougier
Le Cavalier Bleu
Paris 2008
P.126
