يعتبر جيمس فيرنون في كتابه «تاريخ حديث للجوع» أن الإحصائيات هي أبلغ ناطق وليست بحاجة إلى تفسير أو تعليق لشرحها. فيما يخص الوضع الراهن للأمور ينبغي العلم بأن هناك ثمانمئة وخمسة عشر مليون شخص في العالم يعانون من الجوع إنهم يقفون على حافة القبر.
ويعتقد أن الرقم الذي يتناقص بنسبة ستة ملايين في العام بفضل الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة وبقية المنظمات الخيرية والإنسانية الأخرى ينبغي أن يتناقص بنسبة أكبر لكي يتم تخفيض عدد الجوعى في العالم إلى مستوى النصف من الآن وحتى عام 2015. كما ينبغي أن يكون التناقص سنويا ثمانية وعشرين مليونا وليس فقط ستة ملايين لتحقيق هذا الهدف الكبير الذي حددته الأمم المتحدة.وفيما يخص الخريطة العالمية للجوع يؤكد أن ثلاثين بلدا من البلدان الإفريقية السوداء تعاني من الجوع أو من سوء التغذية كما يقولون تلطيفا وهناك عشرون بلدا آخر في العالم يعاني من نفس الظاهرة وربما أكثر قليلا.وبالطبع فإن الصومال المفجوع بالحروب الأهلية والكوارث والنكبات هو أكبر بلد جائع في العالم، وذلك لأن 75 بالمئة من سكانه يعانون من هذه الآفة التي تدمر الإنسان وتسحق كرامته وتهين شخصيته في أعماق أعماقه.
وهناك إحصائية أخرى تلفت الانتباه: وهي أنه يموت من الجوع كل يوم أربعة وعشرون ألف شخص في العالم: أي بنسبة شخص واحد كل أربع ثوان. قلنا في الثانية ولم نقل في الدقيقة أو في الساعة.
هل نعلم بأن الأمم الأكثر غنى في العالم تكرس من ميزانيتها للشؤون الزراعية ثلاثمئة وخمسين مليار يورو سنويا؟ ولكنها لا تخصص لدعم زراعة الدول الفقيرة إلا ثمانية مليارات يورو. وهكذا يزداد الناس تخمة وشبعا في الدول الغنية كلما ازدادوا فقرا وجوعا في الدول الفقيرة من إفريقية وآسيوية وأميركية لاتينية.
وكل ذلك بسبب عدم كرم الأغنياء أو قل عدم تضامنهم مع الفقراء. هذه هي الحقيقة البشرية ليست متضامنة مع بعضها البعض. ولذلك فإن الأغنياء يراقبون موت الفقراء جوعا وهم باردو الأعصاب لا يحركون ساكنا. بالطبع فإن مسؤولية الدول الفقيرة أو الأنظمة الحاكمة فيها شيء لا يمكن إغفاله، فالأنظمة في معظم الأحيان فاسدة، استبدادية، قائمة على الرشوى وسوء الإدارة والحكم.
ويقول مدير برنامج التغذية العالمية الأميركي الجنسية جيمس موريس: على الرغم من العطايا والهبات التي تقدمها الجماعة الدولية لمحاربة الفقر إلا أنه تظل ملايين الناس تعاني من الجوع وسوء التغذية. والأمم المتحدة تجد نفسها في مواجهة جماعات حقيقية لم يشهدها العالم منذ أربعين سنة بمثل هذه البشاعة والاتساع.
ومن بين الجوعى هناك مئات الآلاف من سكان ليبيريا الذين عجزت المنظمات الدولية عن إغاثتهم حتى الآن. وهناك ثلاثمئة ألف شخص في اريتريا واوغندة ممن يعانون من نتائج الجفاف وقلة المحاصيل أو انعدامها.
وهناك مجاعات في اثيوبيا وكوريا الشمالية وهاييتي، الخ. ولكن حتى في أوروبا هناك مجاعات... من يصدق ذلك؟ في يوغسلافيا السابقة مثلا يوجد حوالي مليونان يعانون من سوء التغذية. نعم في فرنسا بلد حقوق الإنسان ورابع أو خامس قوة اقتصادية في العالم يوجد أناس على حافة الجوع أو جوعانين بالمرة ويشحذون في الميترو والطرقات.
من المسؤول عن كل ذلك؟ الخبراء يقولون : المسؤول بالدرجة الأولى هي الدول الغنية، أي أميركا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان. لماذا؟ لأنها تشتري المواد الأولية من البلدان الفقيرة بشكل رخيص أكثر فأكثر وتبيعها السلع المصنعة بشكل غال أكثر فأكثر. يضاف إلى ذلك أن الدول الفقيرة مديونة جدا إلى الدول الغنية. ولا تستطيع أن تنمية ذاتها لسبب بسيط: هو أن كل أموالها تذهب كفوائد للديون المترتبة عليها.
ولكن هناك أسباب أخرى للمجاعات بدون شك، ومن بينها الكوارث الطبيعية مثلا. فالزلازل التي أصابت فنزويلا، أو السلفادور، أو تركيا، أو الباكستان، أو إيران، الخ، قد تؤدي إلى المجاعة.
ثم يضيف المؤلف : لقد صرح أحد الخبراء مؤخرا بما يلي: إن الجوع في العالم هو عبارة عن فضيحة لا تزال مستمرة حتى في بدايات هذا القرن الواحد والعشرين. إنه عار على البشرية المتحضرة أن تسمح بموت الملايين جوعا في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وسواها. إنها لفضيحة أن يستمر هذا الوباء الخاص بالقرون الوسطى في عصرنا المتقدم والمتطور على كافة الأصعدة والمستويات.
فالعالم لم يكن في حياته غنيا ومليئا بالثروات الغذائية والاستهلاكية مثلما هو عليه اليوم. ثم يطرح المؤلف في النهاية هذا السؤال: ما الحل؟ ما العلاج؟ ويجيب قائلا: الحل هو أن تساهم الأمم المتحدة أو الجماعة الدولية في تدشين مشاريع زراعية طويلة الأمد في بلدان الجنوب الفقيرة.
فوحدها هذه المشاريع الزراعية الخصبة قادرة على تحجيم الجوع أو حتى القضاء عليه. أما المساعدات الدولية فلا يمكن أن تحقق ذلك على الرغم من أهميتها. لا ريب في أنها ضرورية وملحة لأنها قد تنقذ الملايين من خطر الموت المحقق. ولكن ينبغي أن نضيف إليها المشاريع الزراعية والاقتصادية والصناعية الخفيفة داخل دول العالم الثالث بالذات. فبدون تنمية داخلية حقيقية لهذه البلدان الفقيرة فلا حل ولا خلاص.
وكل مساعدات الأرض لا يمكن أن تقضي على مجاعاتها بشكل نهائي. يضاف إلى ذلك أن المساعدات الخارجية شيء مهين ومذل للشعوب الإفريقية والعربية والآسيوية. فالإنسان لا يحب الشحاذة بطبعه بل ويشعر بأنها تخفض من إنسانيته وكرامته.
وبالتالي فمن يريد مساعدة هذه الشعوب على قهر فقرها وحرمانها فليساعدها على الانخراط في مشاريع تنموية وزراعية حقيقية. ليساعدها على استخراج المياه من أعماق الأرض لريّ الأراضي وسقي المزروعات، ليساعدها على تحلية مياه البحر، يساعدها على تحويل الصحراء أو الأراضي المقفرة إلى واحات وأراض خصبة غناء، ليساعدها على شق الطرق وتأسيس البنى التحتية الضرورية لكل تنمية اقتصادية وإقلاع حضاري حقيقي.
المؤلف في سطور
البروفيسور جيمس فيرنون أستاذ علم التاريخ المعاصر في جامعة بيركلي بالولايات المتحدة الأميركية. و يقدم في الكتاب صورة عامة عن وضع الجوع في العالم ويقول بأنه يشكل أكبر فضيحة بالنسبة للإنسانية كلها في العصور الحديثة.
الكتاب: تاريخ حديث للجوع
تأليف: جيمس فيرنون
الناشر: بيلكناب بريس نيويورك
لندن 2007
الصفحات: 384 صفحة
القطع: الكبير
Hunger : a modern history
James Vernon
Belknap Press New York- London 2007
P.384

