حرص موقع «بورزوي ريدر» الإلكتروني المتخصص على إجراء هذا الحوار مع الكاتب الفيتنامي نام لي مع صدور مجموعته بعنوان «السفينة»، حيث ألقى الضوء على انتقاله من الاشتغال بالمحاماة إلى الكتابة الإبداعية، وأشار إلى أن هدفه هو وضع يده على جوهر الأماكن التي يكتب عنها، والتي تحتل البطولة في كتاباته، وأعرب عن اعتقاده بأن الأصالة مسألة تتعلق بمراكمة التفاصيل الصحيحة في السياق المناسب ،وفيما يلي نص الحوار:
كيف انتقلت من الاشتغال بالمحاماة في استراليا إلى الدراسة في ورشة الكتاب في أيوا بالولايات المتحدة؟ وهل كنت تعرف على الدوام أنك تريد أن تصبح كاتباً؟
أردت طوال عمري أن أنظم الشعر، وأعتقد أن هذا ينطبق على الكثير من كتاب القصة والرواية. وقد كان هذا هو ما ركزت عليه بصفة أساسية على امتداد دراستي في المرحلتين الثانوية والجامعية، بل أنني أقنعت المشرف على أطروحتي أن يقبلها منظومة شعراً.
وبعد الانتهاء من الدراسة الجامعية التحقت بالعمل في شركة محاماة، ثم حصلت على إجازة مدتها عام للسفر، وعشت خلالها على قرض مصرفي بالاستعانة بخطاب ضمان من شركة المحاماة، وهو الأمر الذي بدا في ذلك الوقت وكأنه شيك على بياض وصفقة لبيع الروح في آن.
وبالطبع، فإنني بمجرد تنحيتي لبدلتي ورباط عنقي أدركت أنني لا أريد ارتداء مثل هذه الأشياء أبداً. وكان الحل أن أكتب رواية، وجلست ذات أصيل في مقهى في كيتو ووضعت الخطوط العامة لخطة رواية. وقد كانت فشلاً مدوياً ومتعدد الأبعاد يقع في سبعمئة صفحة. ولكنني كنت قد بدأت العمل في إطار برنامج أيوا للكتابة الإبداعية، وفي غمار محاولتي إنقاذ الرواية كتبت الصياغات الأولى لمعظم القصص التي تضمها مجموعة «السفينة».
تتنوع أماكن أحداث القصص السبع التي تضمها هذه المجموعة بصورة لا تصدق، ما بين أيوا وكولومبيا، نيويورك وهيروشيما، طهران واستراليا. فهل انطلقت قاصداً لتأليف مجموعة تقع أحداث كل قصة منها في مكان مختلف من العالم؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا؟
في البداية، لم انطلق لكتابة مجموعة قصصية على الإطلاق، وعندما تراكمت لدى قصص كافية لتبرير هذه الفكرة بدا لي أن ما يريده الناشرون عندما ينشرون قصصاً هو قصص مترابطة، أو متصلة من حيث الموضوع أو روايات في قصص. وكان منهاجي على الدوام هو تصور كل قصة بحسبانها كياناً قائماً بذاته، فقد أردت أن تتضمن كل قصة الدليل الجمالي والنصي على اكتمالها بذاتها.
ولأنني أحسست ـ وواصلت الشعور ـ بأن هناك الكثير مما يتعين أن أتعلمه عن كتابة القصص القصيرة، فقد أردت بناء كل قصة من مسودة مختلفة ومن الأرضية فصاعداً. ولذا فإن مكان الأحداث يتغير من قصة إلى أخرى، ولكن يتغير كذلك منهاج كتابة القصة وبناء هيكلها والضمير الذي تكتب به والشخصية والحبكة والأسلوب والموضوع.
وفي النهاية، بالطبع، فإن النطاق الجغرافي لهذه القصص ربما يعبر عن عشقي للترحال، فقد ولدت في فيتنام ونشأت في استراليا، وأنا أقيم حالياً في الولايات المتحدة وقد تجولت كثيراً في أوروبا وأميركا الجنوبية وآسيا. وليس من قبيل المبالغة القول إن الأسباب التي دعتني للترحال والكتاب والقراءة هي أسباب متشابهة، رؤية أشياء أخرى، أماكن أخرى، مواقف وناس من خلال عيون أخرى.
كيف اخترت هذه الأماكن؟ هل تملي القصة عادة مكان أحداثها أم أن لديك أماكن معينة تعرفها وتريد استكشافها باعتبارها أماكن لوقوع الأحداث؟
الحكاية الكامنة وراء كل قصة مختلفة، والكثير منها جاء اتفاقاً ويدور حول أحداث عارضة أو ما كنت أقرأه أو أفكر فيه أو أتحدث عنه أو أفلام أشاهدها أو ذكريات أستعيدها. والواقع أن القصة قادرة على استحضار الألفة مع الأشياء الغريبة. والتوتر الذي يحدث في غمار ذلك هو الذي يثير اهتمامي.
لقد ولدت في فيتنام ونشأت في استراليا والآن تقيم في الولايات المتحدة واستراليا. ما هو المكان الذي تعتبره وطنك؟ وهل يبرز هذا السؤال في مجموعة »السفينة«؟ وعلى أي نحو يحدث ذلك؟
هذا سؤال جيد، وليست لدي حقاً إجابة محددة عنه، على الأقل الآن. وأنا أود أن أشارك في وجهة النظر القائلة إن الوطن لا يتعين أن يكون مكاناً واحداً. وجزء مني يود أن يقول إن الوطن هو الناس، ولكنه بالطبع يفوق ذلك، وبالنسبة لي فإن الوطن هو حيث يرفرف القلب متحرراً من القيود. أما فيما يتعلق بما إذا كان الوطن يبرز في هذا الكتاب فإن الإجابة هي نعم، بقدر ما تحس كل شخصية من الشخصيات بأنها منتزعة، بعضها عضوياً، وجميعها عاطفياً ووجودياً. وأي شخصية تعتقد أنها تنتمي كلية إلى حيث هي لا تهمني كثيراً، ومن حسن الحظ أن مثل هذه الشخصيات نادرة للغاية.
أود أن أسألك عن القصة الأولى في المجموعة، حيث نجد البطل كاتباً شاباً يدعى نام لي الذي يواجه عقدة الكتاب أثناء دراسته في ورشة أيوا للكتاب. ما الذي يجري هنا؟
يجرى الكثير فيما آمل. وأحسب أن الأمر الأساسي هو أنني كنت استكشف آفاق فكرة الأصالة في القص. ما هي؟ من الذي يحددها؟ وكيف يمكنك أن تعرفها عندما تراها؟ وأحسب أن جزءاً من استفزاز هذه القصة يكمن في التساؤل عما إذا كنا نقرأ القصة بصورة مختلفة إذا اعتقدنا أنها تقوم على أساس السيرة الذاتية وكيف يتم ذلك.
يبدو أنك تقلب فكرة الأدب العرقي، أي لأنك فيتنامي فأنت مضطر إلى حد ما للكتابة عن التجربة الفيتنامية، رأساً على عقب، بينما تتلاعب أيضاً بفكرة القص في مواجهة السيرة الذاتية. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الجانب؟
ما هو الأدب العرقي؟ هل يحدده المؤلف أم النص؟ هل للسيرة الذاتية أهمية؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا؟ هل للجمهور المقصود أهمية؟ هل يحدده التسويق أم المكان؟ كيف يوجد من حيث صلته بالقص التجاري؟ من حيث صلته بالقص الأدبي؟
تلك أسئلة يطرحها الكثير من الكتاب والقراء من كل الأعراق. وبالطبع فإن من الصعب وضع خطوط فاصلة.
المؤلف في سطور
* ولد الكاتب نام لي في فييتنام، ورحل عنها مع عائلته وعمره أشهر معدودة، ونشأ في استراليا، حيث درس الحقوق، واشتغل بالمحاماة، وما لبث أن حصل على زمالة من ورشة أيوا للكتابة. التي نال منها درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية، وترك الاشتغال بالمحاماة ليتفرغ للأدب. وشجعه على ذلك حصوله على زمالة مركز عمل الفنون الجميلة في بروفنستاون وأكاديمية فيليبس إكستر.
* يعمل حالياً رئيساً لتحرير مجلة «هارفارد ريفيو» وقد نشرت قصصه في مطبوعات عديدة منها مجلات «زويتروب» و«أول ستوري» و«ببلك سبيس» و«ون ستوري» و«كونجشنكنز» وقد فاز بجائزة بوشكارت الأدبية.
* أصدر، مؤخراً، مجموعته «السفينة» التي حظيت بحماس النقاد والقراء، ويعكف حالياً على انجاز روايته الأولى التي تدور حول أجواء حياة القراصنة التايلانديين.
* يقسم وقته بين الإقامة في استراليا والولايات المتحدة مع زيارات متوالية لفييتنام.
منى مدكور
