فيما يرى البعض الآخر أن أميركا ستبقى في أوجها وأن المجال ما زال أمامها متاحا من دون مخاطر جدية للحفاظ على تماسكها وحصانتها الداخلية والمزيد من الهيمنة والتفوق على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
في طرحه للإشكالية الأساسية للكتاب يشير المؤلف إلى أن الولايات المتحدة تعاني منذ سنوات مشكلة اقتصادية وعجزا في ميزانها التجاري في مبادلاتها مع الخارج جراء نسبة الاستهلاك من مواد أولية وسلع مستوردة من الخارج وأصبح القادة الأميركيون مدركين لهذا الواقع أي لتبعية اقتصادهم للاقتصاد والأسواق العالمية، على نحو أصبح معه الحلم الأميركي في إنشاء إمبراطورية أميركية تمتد مساحتها وسلطتها إلى أرجاء العالم كافة يصطدم بدوره بهذا التحدي الناتج من عجز الاقتصاد الأميركي عن مجابهة التحديات العالمية والأزمات الداخلية التي تواجهه.
وعلى ذلك يشير المؤلف إلى انه سيركز في دراسته على محاولة رصد العلاقة القائمة ما بين هذا المعطى الاقتصادي الأساسي.. المأزق الاقتصادي ودخول الاقتصاد العالمي ومركزه الاقتصاد الأميركي مرحلة الأزمة والركود، وما بين اعتماد سياسة خارجية توسعية تهدف إلى تجاوز هذا المأزق بما يتعارض مع المسار الموضوعي للتاريخ لناحية استحالة تجاوز القواعد والقوانين الاقتصادية من خلال استخدام الأداة العسكرية في محاولة لحل المعضلة الاقتصادية مع الزيادة على الإنفاق العسكري والدفاع والأمن.
واعتماد الإدارة الأميركية على ذراعها العسكرية من خلال الوجود العسكري المباشر والتقليدي في المناطق الغنية بالمواد الأولية وأهمها النفط وحيث توجد الأسواق وأيضا في المواقع الجيواستراتيجية وخاصة منطقة الشرق الأوسط الموسع بحيث تحافظ وتوسع مناطق نفوذها محاصرة بذلك القوى التقليدية الأخرى أوروبا، روسيا، الصين واليابان التي قد تشكل تهديدا لمصالحها ولموقعها الأحادي ولتفردها في قيادة العالم.
وفي اشارته إلى الأهمية العلمية لموضوعه يشير المؤلف إلى أنه يأتي انطلاقا من استحواذ الولايات المتحدة وسياساتها الدولية على اهتمام الكثير من الباحثين في حقل العلاقات الدولية لأن تلك الدولة العظمى تعتبر مركز الثقل الأساسي على الساحة الدولية نظرا إلى تأثير سياساتها في سياسات باقي الدول، في نظام دولي يتسم بالأحادية القطبية في ظل التحديات التي تواجهه.
ويشير إلى أن تناول هذا الموضوع سيخدم المتخصصين في مجال السياسات الأميركية ضمن النظام الرأسمالي العالمي باعتباره يتطرق بشكل أساسي إلى واقع الاقتصاد الأميركي وانعكاس هذا الوضع على الخيارات السياسية لإدارة بوش الابن.
وفي سياق تناوله لموضوعه يعرض المؤلف لبنية النظام الدولي وتحولاته بعد انتهاء الحرب الباردة وخاصة التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ويشير في هذا الخصوص إلى الطبيعة الإمبريالية للنظام العالمي المعاصر متناولا أزمات النظام الدولي فيما بعد أحداث 11 سبتمبر التي أدت إلى انكشاف الخلل فيه بقيادة الولايات المتحدة ووعي القادة الأميركيين الخطر الذي يتهدد زعامتهم في ظل التحديات الجديدة مع وجود اللاعبين الفاعلين الجدد على الساحة الدولية.
ويرسم ملامح الأزمة البنيوية العالمية التي يعانيها النظام الرأسمالي مشيرا إلى تركز تلك الأزمة في الولايات المتحدة مركز ومحرك الاقتصاد العالمي على حد تعبير لورانس سامرز خاصة في المركز المالي منه متطرقا إلى أسباب ونتائج هذا المأزق على الصعيدين الأميركي والعالمي على حد سواء.
ثم يستعرض أسباب ونتائج مأزق الاقتصاد الأميركي ويشير في هذا الصدد إلى تراجع الموقع الاقتصادي الأميركي والدخول في مرحلة الأزمة متطرقا إلى نشأة وتطور الأزمة الاقتصادية الأميركية من حيث بروز أزمة التراكم المفرط في رأس المال وانتقال الولايات المتحدة من دولة دائنة إلى دولة مدينة ثم تزايد الطلب الاستهلاكي على نحو أدى إلى بدء الحديث عن أفول نجم الولايات المتحدة كقوة مهيمنة.
وهنا يتطرق إلى المشهد الاقتصادي الأميركي منذ الثمانينات وحتى اليوم ويشير في إطار هذا التناول إلى الأزمات البنيوية التي يعانيها الاقتصاد الأميركي اليوم لجهة العجز في الميزانية والميزان التجاري وميزان المدفوعات وتراجع التصنيع والقدرة التنافسية وضعف القطاع العمالي فضلا عن تضخم حجم الدين الخارجي وتراجع قيمة الدولار والاعتماد على نفط الخارج.
ويوضح أن كل هذه المظاهر أفرزت ظاهرة التدهور الاقتصادي الأميركي وبدايات السقوط وهو ما انعكس في تدهور الموقع الاقتصادي والانحدار المتسارع للولايات المتحدة الأمر الذي يشير إلى أنه أصبح واضحا للمراقبين الاقتصاديين والسياسيين فنصيب الولايات المتحدة من الناتج العالمي آخذ في الهبوط منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي الأمر الذي يقارب 45% إلى أقل من 20% ويتجه إلى 16% في الوقت الراهن حيث بدأ الفائض في الميزان التجاري الأميركي ينقلب إلى عجز بعد إعادة بناء القدرات الإنتاجية لأوروبا واليابان وأظهر ميزان المدفوعات عجوزات متتالية.
المؤلف في سطور
باحث لبناني له العديد من الكتابات والدراسات المنشورة في عدد من الصحف العربية منها مأزق حزب الله بين ولاية الفقيه ومشروع الدولة الوطنية! وكذلك أزمة الرأسماليّة الأميركية و إيران تتحدى أميركا: ابحث عن النفط دائماً ، و تحذير بريجنسكي: لن يكون هناك فرصة ثالثة لقيادة العالم! و سمير أمين والإمبريالية الأشدّ عنفاً ، فضلا عن العديد من الدراسات والمقالات الأخرى.
الكتاب: مأزق الإمبراطورية لأمريكية
تأليف: فنسان الغريب
الناشر: مركز دراسات
الوحدة العربية
بيروت 2008
الصفحة : 415 صفحة
القطع: الكبير
