يقول المشتغلون بالشأن المسرحي إن المونودراما (المسرحية التي تعتمد على ممثل واحد) تقوم على أعمدة ثلاثة هي النص والممثل والإخراج، بينما يؤكد الناس في دبا الفجيرة أن تجربتهم الخاصة في هذا الميدان تستند إلى أعمدة ثلاثة أيضا جميعها منشأها الحب، حبهم لبعضهم وللناس من حولهم على امتداد المعمورة، حبهم للفنون والعلوم وإرادة حفنة من الشبان الذين خاضوا غمار هذه التجربة، التي تحولت إلى كرة من الثلج بلا حدود، وعيونهم شاخصة إلى بعيد تتلألأ بين جنباته اشراقات الانفتاح على الذات وعلى الآخر على حد سواء.
كانت الانطلاقة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي عندما كان أهل دبا يتحلقون حول فرقة مسرحية محلية قدمت لهم أفضل ما لديها من أعمال أثلجت صدورهم ولامست قلوبهم فأحبوها وعشقوا التجربة واحتضنوها ورووها كما يجب حتى كبرت ووقفت على قدميها وبات جبينها يعانق أقاصي الدنيا بعد أن برعمت البذرة ونمت وأزهرت مهرجان الفجيرة للمونودراما الذي بات يعتبر وعن جدارة قبلة الكثير من المسرحيين في الوطن العربي والعالم أجمع.
تجربة تنطوي على عدد من المفارقات الجميلة والمحببة. فمن الناحية الجغرافية، على سبيل المثال لا الحصر، وبينما راحت ظاهرة المسرح تخبو في كثير من مناطق العالم وفي كبريات المدن فيها وأكثرها بريقا جراء صعود نجم وسائل الإعلام السمعية البصرية الأخرى سهلة المنال والتي لا تتطلب كثير عناء للوصول إلى منتجاتها الوافرة، راحت التجربة المسرحية في دبا الفجيرة تكبر وتتبلور في منطقة يخبرنا زملاء لنا أنها كانت تعتبر من المناطق النائية في دولة الإمارات العربية المتحدة حتى وقت قريب.
ومن الناحية الفنية، فإنه لا يخفى على أحد وجود تقاليد مسرحية راقية وممتدة الجذور في العديد من مدن العالم الأخرى يشار إليها بإصبع البنان مثل تجربة شارع «برودوي» في مدينة نيويورك، ربما يقول قائل إنها جديرة أكثر من غيرها باحتضان مهرجان مسرحي بقامة مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما.
تجربة فنية تستحق كل الاحترام والتقدير لما تعنيه على صعيد توفير وسيلة للتحاور بين الثقافات والتواصل فيما بينها، فضلا عن تشجيع هذه الحركة الفنية وممثليها عموما ومن فئة الشباب على وجه الخصوص. وهنا بالذات تبرز المفارقة اللطيفة الثالثة والأهم من بينها جميعا والتي تكمن في أن العالم ببلدانه ومؤسساته الدولية منشغل منذ زمن ليس بالقصير بمحاولة إيجاد خيوط التواصل والحوار بين شعوب العالم وحضاراتها،.
حيث تبدو نتائج هذه المحاولات متواضعة للغاية حتى الآن، بينما تمكنت تلك التجربة الصاعدة في دبا الفجيرة من تحقيق انجازات جمة تحترم على هذا الصعيد، إذ فتحت الآفاق واسعة رحبة أمام فرص حقيقية للتعبير عن الذات ومد جسر من المحبة بين مختلف شعوب العالم.
هذه التجربة، التي ترتدي أجمل حللها كل عامين مع حلول موعد كل دورة من دورات مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما التي صار عددها ثلاث وجرت فعاليات الأخيرة منها خلال ديسمبر من عام 2007 الماضي، ما عادت تقتصر على عروض فرق مسرحية وفنانين من مختلف الأعراق والجنسيات.
بل إنها تعدت ذلك عندما بادرت هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام إلى إطلاق مسابقة عالمية لنصوص المونودراما بالتعاون والتنسيق مع الهيئة العالمية للمسرح والمنتدى الدولي لكتاب المسرح ورابطة الممثل الواحد الدولية، التي يشغل، بالمناسبة، منصب نائب رئيسها المهندس محمد سيف الأفخم مدير مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما.
يمكن القول دون تردد ان هذه التجربة، التي بات لها بيتها في دبا الفجيرة تحت اسم «بيت المونودراما» صارت، بفضل إرادة تلك الحفنة من الشبان، تحلق فوق سماء بقاع شتى من العالم بينما تمطر أنغاما من محبة تغمر أبناء هذه المنطقة الدافئة من العالم والأمل يحذوهم إلى إيصال رسالة تعبر حقا عما يجول في صدور أبناء الشعوب العربية من مشاعر احترام، الصدق سمتها الأولى والأخيرة حيال بقية شعوب وأمم العالم بغض النظر عن الجنس أو العرق أو المذهب وكل تلك العوامل التي من شأنها التفريق بين الناس أينما وجدوا وحلوا، فالجميع مرحب به على أرض دبا الفجيرة بلا قيد أو شرط.
مونودراما الفجيرة
في الإمارات وفرت امارة الفجيرة دعما كبيرا لاقامة مهرجان دولي للمونودراما انطلقت اولى دوراته في العام 2003 وحضرها فاليري كازانوف رئيس رابطة الممثل الواحد الدولية في موسكو وعلى اثر ذلك وجدت اللجنة العليا المنظمة للمهرجان مكانا لها في اجتماعات الهيئة العالمية للمسرح بعدما قدم فاليري بدراسة شاملة وموسعة عن المهرجان اكد فيها حسن التنظيم ومستواه الدولي وعلى اثر ذلك ايضا تم اختيار محمد الافخم عضو اللجنة العليا للمهرجان ليكون اول اماراتي ممثلا للدول العربية، وممثلا للمكتب الإقليمي للمونودراما في الشرق الأوسط، ثم شغل الافخم بعد ذلك ايضا منصب نائب رئيس رابطة الممثل الواحد الدولية.
اسست الفجيرة في اطار استمرارها في دعم مهرجان الممثل الواحد «بيت المونودراما» ليعلن هذا البيت عن ترسيخ جذور هذا النوع من فنون الاداء المسرحي في الساحة المحلية.. فيما انطلقت سمعة المهرجان في النطاقين الدولي والعربي على اثر مشاركة عشرات من الفرق والممثلين وحضور عدد كبير من المهتمين بفن المونودراما من جميع انحاء العالم الامر الذي جعل مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما يحتل مكانة بارزة من بين مهرجانات المونودراما العالمية ويحتل المرتبة الاولى على نطاق الشرق الاوسط.
في الدورة الثالثة التي اقيمت في ديسمبر 2007 شهد مهرجان الفجيرة حضور 200 ضيف ومسرحي من انحاء متفرقة من العالم وشاركت فيه 15 مسرحية وذلك في اطار نقلة نوعية في الاجراءات التنظيمية وتوسيع دائرة المشاركة، ومن هنا فان كثير من عشاق فن الممثل الواحد وجدوا فيه فرصة ذهبية للاطلاع على خلاصات من تجارب المونودراما العالمية والعربية.
الابن والأب
الزيناتي قدسية واحد من ممثلي الدراما العربية الذين رسخوا تجارب الممثل الواحد في محطات إبداعية عديدة ومتميزة عنوان «القابض على الجمر: زيناتي قدسية ومسرح المونودراما»، كتاب أعده قصي قدسية، ابن زيناتي قدسية وهو أول كتاب يكتب فيه ابن عن أبيه حول العطاء المونودرامي.
.حيث يقول قصي قدسية في مقدمة كتابه عن أبيه: «لوالدي.. القابض على الجمر.. وفاء لتجربته، وخشية أن تضيع وتذهب هباء، كما هي حال تجارب مبدعين كثيرين في هذا العالم عكفت على إعداد هذا الكتاب»®. يتضمن الكتاب جميع التحليلات النقدية عن تجارب الممثل الواحد عند زيناتي قدسية بداية من العام 1985.
