وحيداً أمام أعين النظارة يتعكز الأشياء التي تتناثر حوله، أو قد لا تكون، مسيج بفضاء خشبة المسرح التي أسسها له مخرج العرض، هناك وعبر دقائق الزمن الصغيرة التي ستمر، سريعة وبطيئة سيكون عليه أن ينزف عرقاً كثيراً وان يغوص عميقا في بحر النفس المتلاطم، سيكون مرآة لذواتنا، أو لذات بعيدة في المدى، أو لذات ميتة ليس لها وجود.

. هذا الممثل الوحيد الذي سيكون عليه ان يؤدي نيابة عن العالم والجنس البشري بكامله، والذي سيكون مجبرا على سلخ ذاته بالحواريات والمونولوجات التي ترتد إليه عليه أن يتقن لعبتها لكي يشكل لنا الإبهار العظيم..في مسرح الممثل الواحد ورطة كبرى وفي الوقت نفسه أنانية ونرجسية وجبروت يمارسه هذا الذي أطلق لنفسه العنان لاجتياح حواسنا نحن المتفرجون، وفي مسرح الممثل الواحد أيضاً سحر من نوع خاص يستطيع هذا الأوحد أن يلوي ذراع مشاعرنا ويجبر قلوبنا على الخفقان بناء على رغبته واستجاباته التي تلوي أعناقنا فننقاد له مسلمين طائعين.

ما زال كثير من المسرحيين حول العالم يرفضون اعتباره فنا مسرحيا أصيلاً، وما زالوا يكيلون له التهم على اعتباره أداء ناقصا ويعود إلى بدائيات المسرح، ومنهم من لا يجد له أصل ولا جذر لا هنا ولا هناك.. وبعضهم يعتبره مجرد مسرح ممثل يسرد الماضي ويسترجع ذكرياته رغما عن انف النظارة، وليس لديه ما يولد الأحاسيس في صورتها الطبيعية، وإنما هو يفبرك الحالات ويستحلبها، صناعة ناقصة في مسرح يعتمد على الاستراجعات ولا يؤسس في اللحظة الحاضرة ردات فعل طبيعية. الممثل الأوحد هو الذي يطرح السؤال عنوة وهو الذي يجيب عنه..

وآخرون يردونه إلى نظريات المسرح القديمة ويعتبرون الأصل في المسرح الذي بدأ في اليونان مع الممثل الأول في تاريخ البشرية ثيسبس الذي كان يحاكم سلوك الشعب اليوناني بمسرحياته، ويبث فيهم ما هو ديني وما هو حياتي.. وعند البولوني غروتوفيسكي يندرج ضمن فتوحات نظريته في المسرح الفقير.. الممثل أولاً وآخر دون إكسسوارات زائدة.. ويرده بعض المسرحيين العرب إلى جذره الأول الذي سبقوا فيه العالم إلى الحكواتي صاحب القصص المثيرة.

ابن المغازلي ويوهان براندز

يطلق على مسرح الممثل الواحد «المونودراما» وهي كلمة تتجزأ إلى جزأين عن «Mono - drame» وهي لفظة يونانية مركبة من «Mono» ومعناها «واحد» و «Drame» وتعني الحركة والفعل والعمل وهو ما يتطابق مع الأداءات والأفعال التي يقوم بها الممثل فوق خشبة المسرح. ويسجل تاريخ المسرح في مسيرته للألماني يوهان براندز فضل النهوض بهذا الضرب من الأداء في القرن الثالث عشر.

وتشير مصادر التاريخ العربي إلى أن ابن المغازلي الذي عاش في نهاية القرن الثالث الهجري كان يقدم ضربا من أداء الممثل الواحد، محاكيا شخصيات مجتمعه، مقلدا وناقدا لها أمام أهالي بغداد، وصفه المسعودي في كتابه «مروج الذهب» بأنه كان حكاء في غاية الحذق يضحك الثكلى.

ورغم أن فن المونودراما يتعرض لانتقادات كبيرة في يومنا الحاضر إلا أن التاريخ يسجل له احتفاء خاصا من قبل كتاب مسرحيين عالميين وبارزين فقد كتب سترندبيرغ مسرحية بصوت واحد في عام 1881؟ وكتب في عام 1886 مونودراما بعنوان «عن مضار التبغ» و«أغنية اليتيم» وكتب يوجين أونيل نصا مونودراميا بعنوان «قبل الإفطار» وكتب صموئيل بيكيت «شريط كراب الأخير» وكتب كوكتو مونودراما «الصوت البشري».

العاني رائد المونودراما العربية

في بغداد صدر مؤخرا كتاب يحمل عنوان «يوسف العاني رائد المونودراما العربية لمؤلفه حسين علي هادف ويتناول سيرة حياة العاني الفنية والمسرحية وإسهاماته كأحد رموز الحركة المسرحية العربية بوجه عام والعراقية بوجه خاص، ويشير هذا الكتاب إلى ان أول عرض مونودرامي شهده المسرح العراقي والعربي هو مسرحية «مجنون يتحدى القدر» ليوسف العاني والتي كتبها بنفسه في العام 1949م ومثلها بنفسه على مسرح معهد الفنون الجميلة مطلع عام 1950م.

آخرون على الدرب

وإذا كان العرب قد تعرفوا على الفن المسرحي في أواخر القرن التاسع عشر حسب مصادر التاريخ، فإنهم تعاملوا بشكل جاد معه في أوائل القرن العشرين وكتب في مجاله كتاب مسرح عديدون واستهوى مجموعة من كبار الممثلين العرب.

وفي وقتنا الحالي يسجل التاريخ الحدث للمسرح العربي علامات بارزة في هذا اللون من الأداء المنفرد ففي لبنان برع المسرحي رفيق علي احمد في جملة مسرحيات استطاع من خلالها ان يؤكد حضوره في فن المونودراما، كما حملت أعماله موضوعات وقضايا تفاعلت معها الساحة الثقافية وقدرها له الجمهور ومن بينها مسرحياته «الزبال» و«قطع ووصل» ومؤخرا مسرحيته «جرصة».

وهناك الزيناتي قدسية الممثل القدير الذي توجه إلى فن المونودراما كرغبة عارمة من ممثل أراد كتابة خطواته على خشبة المسرح وحيدا، كما يفعل الفنان التشكيلي في علاقته المنفردة مع لوحته، أو الشاعر في علاقته السرية مع قصيدته وكان ذلك في العام 1985 حينما اعتلى الزيناتي قدسية خشبة المسرح وحيدا عن نص للكاتب ممدوح عدوان وزيناتي قدسية مخرجا وممثلا، ثم توالت أعماله ومن بينها مسرحيته الشهيرة «الغول». كما اشتهر في هذا المجال الممثل المغربي عبدالحق الزروالي الذي اخذ على عاتقه إعداد وتأليف وإخراج وتمثيل أعماله المونودرامية.

وكذلك الممثلة المصرية سناء جميل التي خاضت التمثيل وحيدة على خشبة المسرح بمسرحيتها «الحصان». وممثلون آخرون كثر محترفون وهواة أغواهم التمثيل وحيدين منهم في الإمارات المخرج المسرحي عبدالله المناعي الذي اشتغل في العام 1994 مسرحية «الشهادة»، ثم مسرحية «بس»، ومسرحية «الفنار» مع الممثل محمد العامري.

مهرجانات عربية تضع بصمتها

باستقراء سريع لواقع المسرح المونودرامي العربي يمكن تسجيل العديد من المحطات التي تمثل اهتماما بهذا النوع من التمثيل، فالعديد من مهرجانات المونودراما تتوزع في أرجاء الوطن العربي، وهناك مهرجانات وصلت إلى التنظيم الدولي فيما بقى منها في إطاره المحلي.. ففي بغداد وبالرغم من أجواء الاحتلال والتفجيرات نظم مهرجانان للمونودراما خلال العام 2007.

وهناك مهرجان في المغرب وآخر في عكا وفي اللاذقية بسوريا تتوالى دورات مهرجانات البيت العربي للموسيقى والرسم اللاذقية المسرحي باهتمام اكبر بفن المونودراما ومؤخرا تم تنظيم مهرجان للمسرح المونودرامي الثالث في شهر ابريل من العام 2007، وفي المملكة العربية السعودية تمت إقامة أول مهرجان لفن المونودراما في العام 2004 نظمته ورشة العمل المسرحي بالطائف.

وفي الإمارات انطلقت فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما في العام 2003 بمشاركة دولية وعربية كبيرة لتؤسس الفجيرة بذلك أهم واكبر مهرجان دولي يهتم بهذا النوع من فنون الأداء المسرحي، وهناك العديد من المهرجانات العربية التي تخصصت في هذا المجال تقوم هنا وهناك وتنظمها مؤسسات ومراكز للإبداع.

والنتيجة الواضحة من هذا الواقع تدل على أن تيار مسرح المونودرما والمشتغلين فيه يتزايدون، وانه من الممكن القول إن المونودرما العربية بدأت تأخذ مكانها وحظها من خلال اندفاع أصحابه إلى تأسيس تجارب مسرحيات الممثل الواحد وتأصيلها في ساحة المسرح العربي.

إن الجمهور هو الحكم الأول وهو الدافع لبقاء وحياة أي نوع من أنواع الأداء المسرحي، لأنه القطب الرئيسي الأول والاهم في عملية التلقي ومبدأ المسرحة، وطالما أن فن الممثل الواحد، أو الصوت الواحد، يؤسس لنفسه قدرة على تثوير جماليات الإبداع، فإن مناهضي المونودرما لا يستطيعون إقصاءه كنوع من المسرح يمتلك القدرة على الخطاب والجدل والتعاطي مع الحياة، ولكن لماذا يتهيأ لناقد عربي أن يقول: إن الوحدة والخوف من المجهول القادم من عمق الظلام هو ما يلازم أفكار هذا النوع من المسرحيات، «المونودراما» كما أنها تعج «بالفلاش باك» الذي استهلكه المسرح».

ولماذا ما زالت الضبابية تخيم على المصطلح الذي تاه بين تسميات «أداء الممثل الواحد»، و«مسرحيات الصوت الواحد» و«المونودراما»!

القابضون على جمرة الانفراد

ممثلو المونودراما يبدو أن لهم شجنهم الخاص عند التعاطي مع هذا الفن الذي يجعل انفرادهم بالعزف الأدائي على خشبة المسرح هو غاية تستوجبها طبيعة الطرح الفني والانعتاق من الآخر والسباحة في فضاء الطقس المسرحي بحرية تامة.

يعترف الممثل زيناتي قدسية في كتاب «القابض على الجمر» والذي صدر مؤخرا ويتناول مسيرته كرائد أول في فن الممثل الواحد: إن مسرحية الشخصية الواحدة لم تكن بالنسبة لي مجرد مصادفة، أو نزوة عابرة تملكتني في لحظة واحدة وأردت تنفيذها.

ولم أفكر بها من باب الترف الفني. فقد كان هذا النوع يتجاذب مخيلتي بين الحين والآخر، فمنذ أن بدأت تتسع دائرة معرفتي بالمسرح كنت أتساءل: ألا يستطيع المسرحي أن ينتج مشروعه الفني بمفرده كالشاعر، والرسام، والروائي؟. وكان هذا التساؤل يبدو ساذجا، لأن مجرد طرحه بصوت مرتفع يعني أنني أهدم الركن الأساسي الذي يقوم عليه المسرح بوصفه عملا جماعيا.

ويسجل تاريخ التجربة المونودرامية في المسرح العربي للمغربي عبدالحق الزروالي الاشتغال الحثيث في هذا المجال على مدى ما يربو من أربعين عاما حيث يعترف الزروالي وبعد هذه التجربة الطويلة في مجال فن محفوف بالمغامرة والمخاطرة.».

ما يحز في نفسي ان هذا المسرح مرتبطا باسمي وإنا لا أعدو أن أكون مجرد عابر سبيل وكنت آمل لو ان تجربتي استطاعت أن تؤدي مهمتها من خلال انتشارها وبروز مجموعة الكفاءات التي تغذيها وتمدها بالاستمرارية، في العام 1976 حين نظمنا أول مهرجان للمسرح الفردي بالتعاون مع وزارة الثقافة كنت اعتقد انه سنوات وسيكون لدينا في المغرب نحو ثلاثين تجربة ولكن للأسف لا نجد في العام 2007 غير تجربة واحدة»!

يبقى المسرح عموما ضرورة اجتماعية مهما تعددت وتنوعت أساليبه وأدواته وفضاءاته وهو وسيلة إبداعية كرست القيم الأخلاقية والإنسانية والمجتمعية عبر التاريخ وسيلة أيضاً لبث الوعي والتثقيف وفي هذا الإطار سيبقى أسلوب المونودراما، أو مسرح الممثل الأوحد هو واحدا من أساليب الفرجة، لها من يشتغل عليها ومن يلتهب بنار شقائها..

ان التاريخ يسجل لهذا الضرب من الأداء توجهات وانكفاءات عبر الزمن، إلا أنه مع ذلك عاد ليتأصل في الحراك الإبداعي ولعل السنوات الأخيرة هي التي أكدته من خلال كم المهرجانات التي أقيمت من اجله سواء على المستوى العالمي أو العربي.. انه فن أدائي يرمي بكتلة النار «الممثل» أمام جمهور النظارة وحيدا ومنفردا أمام بحر الذات المتلاطم.

المونودراما أصل مختلف عليه.. وإبداع غير مشكوك فيه

«المونودراما» هي صفة تطلق على مسرح الممثل الواحد، وهي كلمة يونانية مركبة من جزأين Memo ومعناها «واحد» و Drame ومعناها «الحركة والفعل والعمل»، وهو ما يتطابق مع ما يقوم به الممثل فوق خشبة المسرح.

يؤكد بعض المسرحيين الغربيين أن ثيسبس كان هو الاصل في هذا النوع من المسرح الذي بدأ في اليونان؛ كان ثيبس أول ممثل في تاريخ البشرية، يحاكم سلوك الشعب اليوناني الديني والحياتي بمسرحياته..

وثمة من يقول إن البولوني غروتوفيسكي هو الذي أوجد نظرية المسرح الفقير.. الذي يعتمد على الممثل وحده دون اكسوارات زائدة.. في حين يرده بعض المسرحيين العرب الى الحكواتي بسرده الخاص للقصص المثيرة.

وتشير مصادر التاريخ العربي الى أن ابن المغازلي الذي عاش في نهاية القرن الثالث الهجري، ووصفه المسعودي في كتابه «مروج الذهب» بأنه «حكاء في غاية الحذق يضحك الثكلى» كان يقدم ضربا من اداء الممثل الواحد، امام اهالي بغداد، فيحاكي ويقلد وينقد شخصيات عدة.

في القرن الثالث عشر، أخذ الألماني يوهان براندز على عاتقه مهمة النهوض بفن «المونودراما»، لكن المسرح العربي لم يتبن هذا النوع من الأداء، إلا في اواخر القرن التاسع عشر، وتعامل معه جدياً في اوائل القرن العشرين، فكتب في مجاله كتاب مسرح عديدون.

كما استهوى مجموعة من كبار الممثلين العرب، ففي العراق سجل ليوسف العاني أول أداء مونودراما شهده المسرح العراقي والعربي في مسرحية «مجنون يتحدى القدر» التي كتبهاعام 1949م ومثلها بنفسه على مسرح معهد الفنون الجميلة مطلع عام 1950م.

وفي لبنان برع المسرحي رفيق علي احمد في هذا الفن، أما على صعيد الدول، فقد اطلقت الامارات فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما في العام 2003 بمشاركة دولية وعربية كبيرة، لتؤسس بذلك اهم واكبر مهرجان دولي يهتم بهذا النوع من فنون الاداء المسرحي.

«جرصة» ومعادلة الجمهور

حققت بعض المونودرامات العربية نجاحاً في مس العديد من القضايا التي تهم الجمهور العربي نجاحات جعلتها تقفز من دائرة النخبة إلى دائرة العامة، واستطاعت كذلك أن تقلب معادلة المسرح الجماهيري والمسرح الجاد وافتراق الطرق بينهما، فمسرحية «جرصة» للفنان اللبناني رفيق علي احمد بلغت مداها التأثيري عند كافة المتفرجين نتيجة جرأتها في كشف وفضح الزائف من الحياة المفروضة على المواطن فقط لأنه وجد نفسه ضحية تضاربات طائفية تتجاذبه وتمزقه إلى أوصال..

في عرض جرصة يصل رفيق علي احمد إلى نقطة التقاء شفافة مع جمهوره حينما يعصف الممثل الوحيد فوق الخشبة بكل ما هو ثابت ليعيد تثبيته من جديد ضمن اعتبارات إنسانية مطلقة.

أول مونودراما إماراتية

يعتبر الباحث والمخرج المسرحي د.حبيب غلوم أن مسرحيته «لحظات منسية» أول مونودراما تشهدها التجربة المسرحية الإماراتية قدم أول عرض لها في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في العام 1989 وهي مسرحية أعدها وأخرجها عن نص الكاتب العراقي جليل القيسي، وقامت ببطولتها سميرة احمد، والمفارقة أن المسرحية لم يشاهدها الجمهور في الإمارات إلا بعد 15 عاما حينما أعادها الدكتور حبيب والفنانة سميرة احمد في إطار مهرجان أيام الشارقة المسرحية.

مرعي الحليان