«مسارات» تنشر بعضاً من الحوار الطويل الذي أجري مع الشاعر للوقوف على أهم محطاته الشعرية والحياتية والجمالية: اختار لك أحد المواقع الإلكترونية بعضاً من قصائدك وصدّرها بـ « قصائد للشاعر الكبير شوقي بزيع» فهل أنت شاعر كبير حقاً؟

لا أعتقد بأن من المستحسن أن نضيف أي لقب آخر إلى لقب الشاعر هذا إذا اعتبرنا أننا نستحق لقب «شاعر» بالمبدأ لأن اللقب فضفاض وثقيل على أي متعاطٍ للشعر. إذن مَن هو الشاعر الكبير بنظرك بعيداً عن اللقب؟المعايير نسبية جداً بهذا الخصوص وإذا وسّعنا المعيار واعتبرنا بأن الشاعر لديه تجربة مديدة في الكتابة ولديه عدد وافر من المجموعات الشعرية ولديه لمسة شعرية خاصة به ممكن أن نعطيه هذا اللقب الذي لا أوافق عليه لأنني لست مع هذه الألقاب.كشاعر تُحسب جغرافياً على «الجنوب» اللبناني..ما صلة الشعر بالجغرافيا؟ وهل تؤمن بمثل هذه التقسيمات؟

في الواقع أن هذه التسمية ليست شعرية إنما هي تسمية ظهرت لأسباب سياسية نسبياً في السبعينات حينما كان الجنوب اللبناني يتعرض للقصف الإسرائيلي فلفت الأنظار وجود عدد وافر من الشعراء ينتمون جغرافياً إلى الجنوب اللبناني ولذلك تم التسليط الضوء عليهم لغايات سياسية وإعلامية و«نضالية» لكن التسمية لا تعني شيئاً بالمحصلة لأنه غالباً ما تبدأ الظواهر على شكل مجموعات وتظاهرات وشلل يؤازر بعضها.

صُوّر هذا الموقع الجغرافي كثيراً وكأنه ترويج لانتماء مذهبي؟

على الأقل هذا ليس وارداً في أي منّا باعتبار أن بعض شعراء الجنوب هم من طوائف مختلفة كالياس لحود وجوزيف حرب، لكن دعني أقول بأن الأمور يمكن أن تُقارَب من زاوية مختلفة فإذا كان معظم شعراء الجنوب من طائفة بعينها فذلك لا يعني وضعهم في خانة مذهبية ضيقة بل في خانة الإرث التاريخي الذي شكّل خزاناً حقيقياً للوجدان الشعري في الجنوب اللبناني وأعني هنا الإرث الكربلائي.

أحزان القرية

هذا الحزن الكربلائي الموروث في ذاكرة أغلب شعراء الجنوب اللبناني بما فيه من طقوس وشعائر وحتى أساطير كيف انعكس على شعرك إن كانت المسألة ثقافية؟

هذا متصل بنشأتي بالقرية في الجنوب اسمها «زبقين» وتقع جنوب شرقي صور على مقربة من حدود فلسطين الشمالية أي على تماس مباشر مع العدوان الإسرائيلي المستمر. ومنذ كنت طفلاً كنتُ أسمع دائماً ذلك النواح يتصاعد من حولي ومن كل جانب.

كنت احضر مجالس العزاء الحسيني ولأنني كنت أتمتع بصوت شجي ورثته من أمي وجدتي لأمي فكثيراً ما كنت احمل كتاب السيرة الحسينية وأقرأه وأنا طفل في العاشرة أمام أهل القرية وكنت أبكي بكاء حاراً وكان أهل القرية يبكون عليّ أكثر مما يبكون على الحسين! كل هذا انعكس على قصائدي المبكرة.

لكن هناك مَن يقول إنكم عكستم ثقافة الجنوب اللبناني.. هل هناك ثقافةٌ معينة في الجنوب اللبناني؟!

لا اعتقد بأن هناك أية خصوصية لأية جهة جغرافية في العالم العربي إلا بحدود ضيقة يمكن لها أن تقدم مساهمة كبيرة أو صغيرة في هذا المنجز الشعري العربي الكامل ولا يمكن أن تكتشف أن هذا الشاعر ينتمي إلى قطر بعينه إلا من بعض الإشارات الجغرافية البسيطة.

ولكن قد يكون شاعر مغربي أو شاعر خليجي أقرب إلى من شاعر من الجنوب اللبناني ونحن شعراء الجنوب لا يشبه أحدنا الآخر. المسافة بين شعر عباس بيضون وشعر حسن عبدالله أو بين شعري وشعر الياس لحود هو أبعد من المسافة بين شاعرين عربيين من قطرين مختلفين.

توصفون بشعراء المقاومة اللبنانية؛ شعراء الجنوب؛ ماذا قدمتم في هذا الإطار..ما هي القيم التي جاء بها شعر المقاومة وميزاته الفنية؟

في السبعينات والثمانينات كان يفرحنا جداً أن نسمى شعراء المقاومة اللبنانية وكنا نعتبر هذا الأمر يمكن أن يذهب بنا إلى طريق النجومية والتميز والاحتفاء ولكن فيما بعد تحولت هذه التسمية إلى عبء كما هي تسمية شعراء الجنوب اللبناني.

معظم شعراء المقاومة ضحوا بالشرط الفني على حساب الإيديولوجي!

تماما هذه هي المسألة التي قصدتها لأن 90% مما كتب عن الشهداء وانتفاضة الحجارة وعن بوابة فاطمة وما سوى ذلك من الرموز سيسقط في النسيان وما يبقى فقط هو الشعر الذي ولّد دينامية خاصة من هذه القضايا وتجاوزها إلى ما هو ابعد منها.

ألا تعتقد أن قصيدة المقاومة التي فقدت شرطها الفني لحظة كتابتها يمكن لها أن تؤدي دوراً ايجابيا وتعبويا في المجتمع لإذكاء هممه في مواجهة الاحتلال؟

دعني أقول بأن الكثير من الأوهام التي حملناها في مطالع صبانا سقطت بعد ذلك. ربما كنا ننتشي حينما نقرأ قصيدة أمام حفل جماهيري ونرى أمامنا التصفيق الحماسي الحار الذي نقابَل به.

كنا نعتقد أن هذا التصفيق يمكن أن يشحن الناس بقدرات حماسية وبإرادة تغيير وحشد الطاقات من اجل المعركة لكن لنتواضع قليلا ونتعامل مع الأمور ببساطة وصدق: هل منعت قصيدة من القصائد شهيدا من ان يستشهد؟ ولذلك اعتقد أن مسألة الكتابة في مكان آخر هي في تعزيز إحساسنا بقوة الحياة وإغنائنا من الداخل.

إذا كانت القصيدة لا تمنع الموت فلماذا تكتبون؟

هذا سؤال وجيه جاء في مكانه تماما. اقصد أن القصيدة لا تمنع ذلك الموت الذي لا يأتي باختيارنا بمعنى لا تمنع موت الشهيد أو موت طفل في الحرب ولكن القصيدة عندما نكتبها نشعر بأننا محميون من الموت وأننا محروسون بفكرة الخلود المتولدة عن الكتابة نفسها.

قرأنا لك مواقف متعارضة ومختلفة عن قصيدة النثر، وأنت الذي لا تكتبها، هل نتوقف عند محصلة أخيرة على هذا النوع الشعري السائد الآن؟

أتابع قصيدة النثر أضعاف ما أتابع قصيدة التفعيلة وأكتب عن شعراء قصيدة النثر غالباً بحب وقلما أكتب بنقد لاذع.

لا شك كانت هناك حربٌ ضروس بين شعراء التفعيلة وشعراء النثر وسبب ذلك على الأرجح أن شعراء التفعيلة لم يكونوا قادرين على استيعاب هذا الشكل الجديد للكتابة الشعرية لأنه كان يهدد نفوذهم ولذلك ناصبوه العداء، لكن شعراء قصيدة النثر كانوا أكثر عداء لشعراء التفعيلة لأنهم لم يكونوا قد حققوا أنفسهم بعد.

كانوا يبحثون عن موطئ قدم لهم في القصيدة العربية وانتزعوه بعد ذلك بشق الأنفس وهم حالياً يحتلون المساحة الأوسع من الإعلام العربي والصفحات الثقافية ولذلك هدأ روع الطرفين. أما شعراء التفعيلة فهم يكادون يتحولون إلى محمية مهددة بالانقراض.

أنت بقيت أميناً لقصيدة التفعيلة ولم تكتب قصيدة النثر؟

هذا لا يعني موقفاً سلبياً منها، بكل بساطة لا أستطيع كتابتها، أساساً أنا مطبوعٌ على الإيقاع فالإيقاع جزءٌ من دورة الدم وتكوين اللغة وجزء مما يسمى بالموهبة فهل عليّ أن أعتذر عن موهبتي؟

صراخ الأشجار

مجموعتك « صراخ الأشجار » من المجموعات القليلة التي تعالج موضوعا واحدا وهو الأشجار...كيف حصل أن استقدمت الأشجار فكرة مركزية في هذا الكتاب؟

شعرت بأن هناك إلحاحا بداخلي لتكريم الأشجار أو لقراءتها من جديد خاصة وإنني انتمي إلى بيئة ريفية بالجنوب اللبناني وكنت في طفولتي محاطاً بعدد لا يحصى من الأشجار، فبدأت أعراض الديوان تتكون في داخلي.

« قمصان يوسف» قصيدتك المعروفة كانت في الأصل بحثاً عن شخصية النبي يوسف لكنها تحولت إلى قصيدة.. ما الذي جذبك إلى هذه الشخصية الدينية؟

قاله الآخرون عن يوسف خاصة وأن هناك كتاباً كاملاً عن أثر سورة يوسف في الشعر العربي وقد اطلعت عليه فتبين لي أن عشرات الشعراء العرب منذ العصر الأموي حتى اليوم تناولوا واقعة النبي يوسف وتناولوا هذا القميص لكن لم يحدث، كما أعتقد، لشاعر أن تناول قمصان يوسف الثلاثة معاً وأن يرى إلى يوسف من خلال هذه المرايا المتقابلة التي شكلتها القمصان في تحولات يوسف باتجاه جماله الأقصى الذي وصل إليه في ما بعد. كان عليه أن يمر بمختبرات عديدة لكي يصبح ما أصبح عليه.

صداقة نزار قباني

نزار قباني شاعر كبير وأحترمه جداً وكنت على صداقة خاصة معه حين خذله معظم شعراء الحداثة وناصبوه العداء لكنني بقيتُ أميناً لصداقتي معه. وفي مقابلتين معه وإحداهما جرت في الإمارات كان يحمل العتب الكثير على شعراء الحداثة وأحياناً القسوة والاتهام لكنه كان يستثني اسمين أو ثلاثة وكنت دائما من بين الذين يستثنيهم. وهذا الاستثناء لم أستخدمه يوماً في حياتي من أجل توسل شهرة أو نجومية.

لم أكن بحاجة إلى ذلك. كان يخبرني دائماً بأن قصيدتي «أية امرأة أنت » وهي إحدى قصائد الحب المبكرة التي كتبتها في السبعينات يضعها على مكتبه ويقرأها باستمرار.. ثمة مَن يقول إن ما يربطني بنزار قباني هو الشبه أو الشكل أو التعلق بالمرأة.

إصدارات

1ـ عناوين سريعة لوطن مقتول ـ دار الآداب ـ ثلاث طبعات ـ 1978 ـ 1981 ـ 1985

2 ـ الرحيل إلى شمس يثرب ـ دار الآداب ـ طبعتان ـ 1981 ـ 1985

3 ـ أغنيات حب على نهر الليطاني ـ دار الآداب ـ طبعتان ـ 1985 ـ 2003

4 ـ وردة الندم ـ دار الآداب ـ 1990

5 ـ مرثية الغبار ـ دار الآداب ـ 1992

6 ـ كأني غريبك بين النساء ـ دار الآداب ـ طبعتان ـ 1995 ـ 2003

7 ـ قمصان يوسف ـ دار الآداب ـ طبعتان ـ 1996 ـ 1998

8 ـ شهوات مبكرة ـ دار الآداب ـ 1998

9 ـ فراديس الوحشة ـ دار الآداب ـ 1999

10 ـ جبل الباروك ـ دار الآداب ـ 2002

11 ـ سراب المثنى ـ دار الآداب ـ 2003

12 ـ أبواب خلفية »نثر« ـ 2004

13 ـ ماء الغريب ـ دار الآداب ـ 2007

14 ـ صراخ الأشجار ـ دار الآداب ـ 2007.