شاشة التلفزيون تتحول ورقاً للكتابة بين العشاق والآباء والراغبين في التعارف لا بل تم استخدامها في إعلان الطلاق بين الأزواج. وجماليات التخفي وحجب الأسماء تجعل الرسائل القصيرة عالماً يحتشد بالعشاق المرمَّزين وطالبي التعارف والراغبين بالاقتران والآباءِ الصغار الذين بات يحلو لهم مراسلة زوجاتهم عبر الشاشة:
أن تكون الصورة التلفزيونية المكان الأمثل للصورة ذاتها لَهُو الأمر المنطقي باعتبار تلازم الصانع مع المصنوع، إنما الحديث عن «تسلّل» الكتابة إلى شاشة التلفزيون يتخذ أكثر من معنى. فقد انتشرت ظاهرة الكتابة على الشاشة من خلال الرسائل القصيرة الإس.إم.إس على نحو غير مسبوق في الآونة الأخيرة. وباتت البرامج في أي تلفزيون منوّع تعتمد في شكل خاص على تلقي رسائل المتكاتبين المتراسلين ومن أي مكان.وقد وفّرت الكتابة على الشاشة مبدأ التلازم بين المدوّن والمصوّر والصوتي إذا ما تذكرنا أن الكتابة عادة ما تأتي عبر مناسبة أغنية معينة وكذلك على «ورق الشاشة» التي تجمع الصورة المرئية مع اسم المرسِل مع مدلولات أغنية تبث مباشرة.
وعلى الرغم من ان «ورق الشاشة» حقق كثيرا من متطلبات الأجيال، صغيرها وكبيرها، من ابن صغير إلى شاب يافع، إلى جامعي، إلى متزوج، إلى مغتَرِب، إلى عاشق يتخفى وراء ورق الشاشة المتاح بأكبر القياسات. كما أنه صار المكان الذي يجمع أطرافاً معلَنةً وأخرى تتحجب خلف «النكنيم» - الاسم المرمّز للمرسِل - وفيه يَعشق العاشق، ويشتكي المغتربُ، ويعبّر الكئيب، ويتساءل الحائر.
إن التكاتب عبر «الإس.إم.إس» يوفّر تزامناً جوهرياً بين حالة المرسِل وحالة المتلقي، وكذلك مبدأ المحادثة «التشاتنغ»،إلا أن الأجيال باتت تتطلب تزامناً أكبر وأسرع وأكثر تجسيداً، من خلال تلازم الصوت بالصورة بالمدوّن وبالتالي بحالة المتكاتبين على الشاشة التي باتت بديلا للقاء عن المنعطف أو المنحنى أو شجرة التوت أو النبع كما جرت العادة القديمة أن يكون ملء جرار الماء حجة لتلاقي العاشقين.
الآن عوضاً من ملء جرة الماء على نبعٍ ما صارت الشاشة، صار«ورق الشاشة» الواسع متضمناً «عنين الناعورة» أو «الطاحونة» التي غنتها فيروز باعتبارها مكاناً لرؤية الحبيب «ع الطاحونة شفتك وجرحوني عيونك» فلقد حدث فيها نوعٌ من الالتفاف على بنية الحالة لأن ضجيج الطاحونة يمنع العاشقة من التركيز على عذوبة صوت الحبيب ورقّته لاستحالة سماعه أساساً لذلك نراها التفّت وركّزت على جانب مرئي وهو العين وذلك بقولها «جرّحوني عيونك جرحوني». ولم تقل له «ما أحلى صوتك» لأن الحاسم صوتياً،هنا،هو قرقعة رحى الطاحونة وليس عذوبة صوت العاشق المفترضة.
«ورق الشاشة» أولاً يضمن غياب الضجيج الذي تفترضه الطاحونة لأنه من المستغرب أن يسمع العاشقون أصوات بعضهم البعض بينما الطاحونة تهدر بأصوات طحن القمح والعدس والحمّص.
الآن لا طاحونة ولا نواعير،بل«ورق الشاشة» مع إمكانية التخفي وراء الأسماء المرمّزة التي توفر بدورها حرية أكبر بالبوح والتعبير عن المشاعر.
«زحمة» الكترونية خانقة
تتوسع ظاهرة التراسل ب «الإس.إم.إس» عبر الشاشة التلفزيونية في مجالات شتى ومساحات أوسع، من خلال الرسائل القصيرة المعروفة بالإس.إم.إس. وذلك لا يمكن أن يتوفر إلا من خلال الهاتف المحمول، الموبايل، الذي تساعد تقنيات التوصيل فيه على مبدأ التلقي ومبدأ الإرسال،بما يكفل نظام تواصل صامت بين كتابة ذاهبة وقراءة قادمة من شاشة إلى شاشة تؤمّن التعرف الفوري والتأثر والتأثير المباشرين.
وانتقل التراسل ما بين هاتفين،شاشتين،إلى تحويل الشاشة التلفزيونية إلى متلق ثالث هو بمثابة ميدان لقاء ومكان بث للشكوى والنجوى.لم تعد شاشتا المتراسلين هي المكان الأمثل،فالاختلاف الممكن بين مكانَي المتراسلين جعل من الأفضل اقتراح طرف ثالث معروف يوحد المكان والزمن معاً،وفي هذه الحالة تكون الشاشة التلفزيونية هي المكان الأمثل لرصد وحدة الشعور ووحدة المكان.
وبعد هذا الكشف عن المخبأ السري للمتكاتبين الذين عادة ما يحتجبون وراء الأسماء المرمزة المستعارة صارت الشاشة الثالثة هي البديل من منعطف العشاق ومنحناهم،لطالما تباكى الشعراء على المنعطفات التي تقابلوا فيها مع معشوقهم أول مرة.كذلك صارت الشاشة بديلاً من طاحونة فيروز وناعورة الأغنية السورية.
هذا الكشف الذي تلاه استخدام مفرط للمكان،الشاشة،أدى إلى ازدحام تراسلي لا سابق له إذ للمرة الأولى يلتقي عشاق أمة بأسرها في المكان نفسه وبعدما تخلصوا من ضجيج الطواحين والنواعير وقعوا بأزمة تراسل خانقة أدت إلى اختلاط المرسل بالمتلقي على نحو قد يكون المقصود ليلى.
والتي تلقت سعاد مما يجعل مثلاً من عبّاس مضطرا إلى أوراق قيد ثبوتية لسميرة ليعرف أنها هي من أرسلت له أغنية نجاة الصغيرة «وفي وسط الطريق ووقفنا وسلّمنا وودّعنا يا قلبي» وبالفعل بات الاحتجاج عاليا على شكل كثير من الشاشات التلفزيونية التي تضج بالرسائل المكتوبة والتي أضيف لها الآن أيقونات ورسومات متحركة تزيد من حدة التشويش الذي يعترض عليه المشاهدون المحايدون غير المتراسلين.
الشراكة المالية
الإرسال والتلقي عبارة عن عملية محددة الأجور في كل بلد وتختلف تعرفتها تبعا لكل بلد بعينه،والجهة الوسيطة التي تتلقى الرسالة وتعيد نشرها على شاشتها يكون لها نصيب من التعرفة تلك،باعتبار الوسيط مسهّلاً لاستخدام التقنية السالفة وبالتالي ساهم في رواج سلعة معينة مما يجعله مستحقا قانونيا لصفة موزّع أو مروّج.
وفي هذه الحالة يتم اقتطاع جزء من الكلفة لصالحه ويشارك شركات الاتصالات في ربحيتها.هذا العامل عبر تلك الشراكة المالية أدى بالتليفزيونات جميعها إلى جذب مشاهديها لاعتبار الشاشة ورقا للكتابة عليه.وهذا أدى إلى تمكين هذه الظاهرة وسرعة رواجها.
إلى درجة أن بعض التلفزيونات التي كانت تتلقى الرسائل القصيرة وتعرض بعضها على الشاشات في برامج التصويت على المطربين الشباب كان ما أعلنته من ربحية تجاوز الثلاثة ملايين دولار في الوقت الذي يهمس فيه الكثيرون بأن المبلغ أضعاف ذلك لأن المعركة الانتخابية الصوتية ورسائل الإس.إم.إس الداعمة للمطربين الشباب كانت لا تقل عن حماوة حرب داحس والغبراء لا بل إن البعض تخوف من وقوع حرب عربية - عربية بسبب الاختلاف على صوت شاب لا يتجاوز العشرين من عمره،الذي رغم حداثة سنه كاد يتسبب بحرب البسوس..
المحتوى الدعائي والإعلامي
كلما ازدادت المراسلات الكتابية عبر«الاس ام اس» على شاشة بعينها دون سواها فهذا لن يعني،في الاستنتاج،إلا أن هذه الشاشة هي الأكثر إقبالاً بين أعداد المشاهدين.
شركات التقييم الدعائي تأخذ في عين الاعتبار هذه المسألة مما يؤدي إلى اقتراح هذه الشركات لتركيز الدعايات أكثر في هذه القناة عن غيرها.من هنا فإن «الشاشة الورقية» طريقٌ نحو الاشتهار المؤدي إلى نشر الإعلان التجاري فيها دون غيرها.
ويلاحظ في هذا السياق أن هناك قنوات تليفزيونية تخصصت بنشر «الإس.إم.إس» فلا تعرض إلا الرسائل المرسلة مصحوبة بالأغاني وبعض الصور الثابتة.
مظاهر الكتابة على شاشة التلفزيون
1- الهُيام الالكتروني بالشريك: الخدمة الأكبر التي يؤمنها تحويل الشاشة إلى ورق قابل للكتابة هي مسألة سرية المرسِل وسرية المتلقي وعبرهما أفاد الأطراف في التعارف المقصود منه الزواج في أشهر تراسلات المتكاتبين الشّاشاتيين.
فإغفال الاسم الأصلي وإبداله بآخر مشفّر من شأنه التوفير على صاحب الرسالة من الحرج الاجتماعي.إذ لا يرغب أغلب الآباء بأن يروا بناتهم مثلاً يقمن بإعلان زواج أو رغبة بالارتباط بأحد معين مع مواصفات معينة.لأن السائد في الثقافة الاجتماعية هو عدم عَرْض الذات للزواج مخافة أن يُفْهَم الأمر على أنه ينطوي على بضاعة كاسدة وإلا لما اضطر المتراسلون لعرض أنفسهم وميزاتهم للاقتران..
2- الاستخدام السياسي: يساهم التعبير المكتوب على الشاشة في عكس ما يعتمل في نفوس المتراسلين،سواء منه السياسي أو الرياضي أو الفني. ففي كثير من الأحداث التي تقع في الأراضي الفلسطينية نجد «الاس.ام.اس» تتزايد في استخدام لمرموزات القضية الفلسطينية.لذلك نجد أسماء عن «أبطال الضفة الغربية» و«أسد غزة» و«سيف الوطن» و«أهل جِنين».
وكذلك في الموضوع العراقي كثرت كتابة «بطل الفلوجة» و«زند السماوة» و«نجمة العراق» و«نبع بغداد». وفي الرياضة تتكاثر التشجيعات لفريق دون آخر عربيا كان أو أجنبيا.وفي برامج مسابقات الأغاني يعبر المتكاتبون عن تفضيلهم لمطرب دون آخر «فلان أحلا صوت» أو مطربة دون أخرى «فلانة يا أجمل صوت بالعالم».
النظام العفوي الضابط
الكتابة على الشاشة الورقية أسهل بكثير من الكتابة المباشرة لشريك محدد يجمعهما تعارفٌ سابق،ذلك أن الخجل والقوانين الاجتماعية قد تمنع من البوح والتعبير.السفر وتنقلات العمل وغياب التواصل المباشر بكل أسبابه بين المتكاتبين يعزز من دور الكتابة على الشاشة.
إلا أن غياب التواصل، ومعه استحالة التعبير، مع مشكلة إمكانية أن يظهر رقم الهاتف عند الطرف المتلقي، دفع للبحث عن آلية تضمن تواصلاً محروساً بكود أو «النكنيم». من خلال الهويات المحجوبة أو شبه المحجوبة يتم اتصال كتابي بين عاطفتين عادة ما تكون لفتى وفتاة وبذلك لن يقع أي طرف في مساءلة قانونية أو اجتماعية، لأن الأسماء محجوبة والمتراسلين مجهولون ومادة النص مرمزة في أكثر الأحوال.
من التوقع إلى المعاينة
تحويل الشاشة التلفزيونية إلى ورق كتابة الكتروني، لا يجب فهمه وحسب بأنه من مظاهر الكف الاجتماعي التي تتحرك بين الفرد، العاشق، والجماعة.
بقدر ما هي نوعٌ من إنتاج لذة سيكولوجية خاصة تقوم على تفعيل قوة المخيلة وتصور الآخر وحالته الحاضرة.لأن هناك في التحليل النفسي ما يُعرف بالتوقع أو تخيل الغائب كأن يحاول المرء أن يستجمع تركيزه ليتخيل شخصا بعيدا جدا عنه وما الذي يفعله في هذا اللحظة بالتحديد.
جماليات التخفي
بعدما يتم ضمان التخفي وجمالياته يصبح التعبير عن العاطفة هو الأصل وليس صاحب العاطفة.هنا يصبح الاسم مجرد إشارة مؤقتة عن الدافع الكامن وراء الرسالة.لأن ضمان التخفي لا يعني سوى غياب الاسم مع رغبة تجهر بنفسها بالتعارف أو التلاقي أو الاقتران.
فإذا كانت «غزالة الصحارى» تنادي «المهموم» فإن «المهموم أونلاين على الشات يا غزالة».هنا يتمكن «إكس» ما وليكن «العاشق الحزين» كما يرد كثيرا يستطيع أن يدخل على الخط ويكاتب «الغزالة» ذلك أنها ليست شخصا اعتباريا تمت تسميته فصار جزءا من هرمية المجتمع والعائلة.
لذلك يتمكن «العاشق الحزين» من القول وبكل حرية ل«الغزالة»: «اتركي الشات والمهموم وخليكي مع الحزين على الشاشة» هنا هي يمكن أن ترد أو لا ترد.فـ «المهموم» لاولاية له على «الغزالة» ذلك أنها مجرد دافع عاطفي يجمع الكل على وجوده مجردا بلا حامل.مجرد محمول مشفّر يستجمع حوله حاملين مرمَّزين.
وبذلك تنتفي لذة التملك ومظاهرها في الغيرة وتنضم إلى جماليات التخفي وتتمكن «الغزالة» أن تكاتب «العاشق الحزين» دون أن تخاف من ملكية «المهموم» أو حتى دون أن تتخوف من وقوع «العاشق الحزين» في وهم ملكيتها فتقول له: «مالنا إلا النجوم يا حزين» فيقول بكل سهولة: «مالنا إلا النجوم وأنت نجمتي يا غزالة». نذكر بأننا فضّلنا الحفاظ على النص كما ورد بأخطائه ضماناً لإعطاء انطباع بواقعية المعالجة.
الآباء الصغار
اللافت أن ظاهرة التكاتب التلفزيوني وتحوُّل الشاشة إلى ورقة عامة قابلة للتدوين،هو أنها لم تقتصر على عاشقين صغار أو فتيان أو راغبين بالتعارف والتلاقي.بل أتقنها الكبار من فئة الآباء المتزوجين الذين تحرروا من عبء الترميز،في أغلب الأحيان،ذلك أن تراسلهم عبر«الإس.إم.إس» على شاشة التلفزيون يقتصر على محادثة زوجاتهم وأبنائهم.
في العادة يكون الآباء في اغتراب أو سفر أبعدهم عن عائلاتهم فتكون المراسلة التلفزيونية أسهل وأسرع وأقل كلفة وتضمن وجود أغنية تعكس مشاعر الشوق والرغبة بالتلاقي.
هنا ينهار النظام الضابط للعملية بأسرها،فلا رغبة بالتعارف أو الاقتران، ولا حاجة بعدئذٍ للتشفير وحجب الأسماء فيتعامل الآباء المتراسلون مع «الإس إم.إس» كما لو أنه حديث هاتفي لا يهم إن سمعه أحد فنقرأ: «قولي للأولاد إني حاطط صورن على مكتبي وإنتي حياتي يا أم أحمد» فتكتب له على الفور «صورك بالبيت كلو والولاد كتير مشتاقين وأمُّن كمان.بحبك أبو أحمد».
وحدة الغائبين الحاضرين
دمجت«الإس.إم.إس» المنشورة على التلفزيونات مبدأ تداخل الحواس ووحدت لحظة التلقي والإرسال على مبدأ الحوار الهاتفي المباشر، وإضافتها تمثلت بالصورة والرمز وتحويل الدافع إلى عاطفة عامة لا تعكس شخصية اعتبارية محددة.
وفي هذه الوحدة الحواسية الجديدة تتغير لغة الخطاب من الدافع إلى حجب الاسم،ومن إخفاء الرغبة إلى استتار الشخص وبذلك تتحول أدوات التعبير إلى حركة جدلية مابين معروف عام لا ولاية لأحد عليه،كفكرة الحب أو الاقتران أو الإعجاب، إلى ذات مرمَّزة تتخفى وراء أيقونة أو كوْد معين.
هنا تتثبت اتفاقية غير معلنة بين أطراف التعبير وأدواتهم، منها أن المحجوب هو أي أحد، هو أي إمكانية على الحب والدافع، كالفكرة المجردة لا يهم تطبيقاتها بقدر نظامها المجرد.ومنها أن مجرد التعبير عن الحالة هو الإقامة فيها أو الظفر بها، فأغلب المتراسلين مازالوا عند حدود التجربة الأولية لاكتشاف ذواتهم ويكفي الإشارة إلى الحالة للتخلص من الوحدة والعزلة والإحساس بعدم المقدرة على اكتساب إعجاب الآخرين.
المعروف عند العرب أن أعذب الكلام أكذبه، وأفضل القول اختصاره وتلخيصه لأن المهم إيصال المعنى بأقل العبارات، ولذلك يقال إن أحد اللطفاء بعث برسالة مطولة إلى صديق له يلتمس منه العذر على طولها، مؤكدا أنه لم يجد الوقت الكافي لكتابة رسالة قصيرة ومكثفة يوجز له فيها كل ما يدور في ذهنه من خواطر وأحاسيس فياضة. لذلك اكتفى بهذه الرسالة التي حشد فيها كل ما يملك من مواهب الثرثرة والكلام الكثير.

