يعتبر الكاتب البريطاني إيان ماك إيوين واحدا من الكتاب المشاكسين الذين يتناولون في أعمالهم العديد من المفاهيم والتقاليد والأفكار السائدة لتكون موضع بحث وتساؤل وتحليل القارئ، وانطلاقا من هذه القاعدة يلخص دور الروائي إزاء مجتمعه بأن مهمته «الكشف عن قيمة وشخصية الإنسان وفداحة الجريمة التي يرتكبها المجتمع أو الدولة عبر سحقهم لخصوصية أو تفرد الإنسان».

وما ساعد أيان ماك ايوين على اكتساب العمق الإنساني الذي أغنى أعماله الأدبية، حياته الشخصية الحافلة بالأحداث التي أشبه ما تكون برواية، ففي عام 2002 اكتشف أن له أخا يكبره بستة أعوام تم تبنيه خلال الحرب العالمية الثانية، كما قامت زوجته الأولى باختطاف ابنهما والسفر به إلى فرنسا على الرغم من أن المحكمة حكمت له بالوصاية. علما أن آخر عمل له هذا العام هو كتابته لنص أوبرا جديدة بعنوان «لأجلك». يتناول ايوين في روايته «الغفران» عدة محاور ذات أهمية مرتبطة بجوهر مفهوم الحياة. منها هل يحق للفرد أن يحكم على الآخرين استنادا على رؤيته الخاصة بالحياة ؟ إلى جانب مرحلة الانتقال من براءة الطفولة إلى عالم البالغين، وكيف تفهم البراءة من قبل الفرد والمجتمع، وتأثير الفوارق الطبقية في العدالة.

يمتد زمن الرواية من عام 1935 إلى عام 1999، وإن كان الزمن الفعلي للأحداث يتوقف عند عام 1940. وبطلة الرواية ومحور أحداثها هي بريوني تالي الفتاة الشابة ذات الثلاثة عشر ربيعا، التي تتبلور قناعاتها وفهمها للحياة عبر الأحداث التي ترصدها خلال مرحلة انتقالها من الطفولة إلى عالم الكبار، مع لعبها دورا مصيريا في حياة الآخرين.

تعيش بريوني في منزل أسرتها الثرية، وتحلم أن تكون كاتبة، وعليه فإنها ترصد وتسخر كل ما يحيط بها في هذا الإطار، وإن ابتعدت عن مسار الفهم والتحليل إلى الخيال الصرف. تبدأ الأحداث مع استعدادها لاستقبال أخيها العائد من دراسته لتمضية إجازة الصيف في بيت العائلة.

وتصطدم مع ابنة خالتها لولا وهي في الخامسة عشر من العمر وأخويها التوأمين، لرفضهم المشاركة في تمثيل مسرحيتها التي أعدتها مفاجأة لأخيها. أختها الكبرى الجامعية في الثالثة والعشرين تشعر بالملل بسبب الروتين اليومي في أجازتها، وتعيش صراعا داخليا بسبب تضارب مشاعرها إزاء صديق طفولتها الشاب روبي ابن مدبرة منزلهم، الذي يتكفل والدها بنفقات دراسته لتفوقه العلمي. وتتجنب اللقاء به لعدم معرفتها كيف تتعامل معه بعد تجاوزهما مرحلة الطفولة ووعيها بالفوارق الطبقية.

تساعد في ترتيب المنزل، في يوم وصول أخيها، وتأخذ آنية الزهور الثمينة إلى الحديقة لتملأها بالماء من بحيرة الحديقة. وهناك يتفاجأ روبي بوجودها حيث كان منصرفا إلى تقليم الحشائش في الجوار، وبعفوية يحاول مساعدتها على ملء الإناء بالماء إلا أن ردة فعلها المباشرة بسحب الإناء من بين يديه تسبب في ارتطامه بحافة البركة وانكسار جزء منه.

ونظرا لإدراك سيسيليا بأهمية الإناء لعائلتها، فإنها خلعت ثوبها ونزلت إلى الماء لإحضار القطعة المكسورة ثم خرجت وارتدت ثوبها على عجل وعادت إلى المنزل لا يسكنها سوى هاجس إصلاح الإناء المكسور. فعل سيسيليا هذا ينعكس بصورة مختلفة على كل من روبي الشاب، وأختها بريوني التي كانت تتابع المشهد من نافذة غرفتها في الطابق العلوي.

مراقبة روبي لفعل سيسيليا أيقظ فيه مشاعر الرجولة، أما بريوني فترسم في مخيلتها سيناريو آخر ترى فيه أن روبي فرض على أختها سلوكها المفاجئ وهي بحاجة إلى حماية منه. وفي ذات الوقت تجد المشهد غريبا يدفع إلى التفكير بصورة تنقلها من عالم الطفولة إلى عالم الكبار المعقد والمستعصي على الفهم.

ومن هنا تتشابك الأحداث لتدلي بشهادتها ضد روبي واتهامه باغتصاب لولا ابنة خالتها، وتؤكد للمحقق أنها شاهدته بالعين المجردة، في حين أنها بنت شهادتها على استنتاجاتها الفكرية ومخليتها فقط.يوضع روبي في السجن ويضيع مستقبله، وتغادر سيسيليا إلى لندن لتعمل كممرضة وتقطع صلتها بأفراد أسرتها لإيمانها ببراءته وتبقى على تواصل معه. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية يتاح لروبي الانضمام إلى الجيش والخلاص من السجن.

في تلك المرحلة تنضج بريوني وتبدأ بإدراك نتائج شهادتها المستندة على أوهامها، لا سيما حينما تكتشف بأن الذي اعتدى على لولا لم يكن سوى بول الصديق الذي أتى برفقة أخيها، وفي يوم زفاف بول على لولا تذهب بريوني لطلب الغفران من أختها، وهناك تلتقي بروبي أيضا. ويتم الاتفاق على اعتراف بريوني للمحكمة بعدم مصداقية شهادتها السابقة وتبرئة ساحة روبي.

المؤلف في سطور

حاز ايوين الروائي وكاتب السيناريو الذي ولد في ألديرشوت في بريطانيا في 21 يونيو عام 1948 على العديد من الجوائز، منها جائزة بوكر على روايته «أمستردام» عام 1998، كما كانت معظم رواياته ضمن القوائم الأخيرة المرشحة لأهم الجوائز الأدبية.

نشر ايوين عشر روايات، أولها «الحديقة الإسمنتية» عام 1978 وآخرها «على شاطئ شيسيل» عام 2007، ومن أشهرها أيضا «الغفران» ونشرت عام 2001 واختارتها كل من مجلة تايم وصحيفة الأوبزرفر البريطانية لتكون من ضمن أهم الروايات الكلاسيكية.

الكتاب: الغفران

تأليف: ماك ايوين

الناشر: شيفر لارج 2002

الصفحات: 384 صفحة

القطع: المتوسط

Atonement

Ian McEwan

2002 egatniV

483.P

ralmaleh@albayan.ae