المعروف أن منطقة كاتالونيا التي ولد فيها دالي هي أحد الأقاليم الاسبانية التي ستظل لها مكانة خاصة في نفسه ولوحاته وأعماله. ويبدو أن والده كان رجلا استبداديا مرعبا وهو المسؤول عن موت الأخ الأكبر لسلفادور والذي كان يحمل نفس الاسم. وربما لهذا السبب كان الفنان الكبير المقبل سوف يحقد عليه حقدا شديدا، وسوف تلاحقه عقدة كره الأب حتى النهاية، والدليل على ذلك أنه لم ينجب ولم يصبح أبا بدوره.

عندما بلغ السابعة من عمره رسم سلفادور دالي أولى لوحاته وقال: أريد أن أكون عظيما مثل نابليون! وفي عام 1922 نال سلفادور دالي شهادة البكالوريا بسهولة ودخل إلى كلية الفنون الجميلة في مدريد حيث التقى هناك بالشاعر الكبير فريدريكو غارسيا لوركا وبالمخرج الشهير لويس بونويل. هؤلاء الثلاثة سوف يصبحون من أشهر الشخصيات التي أنجبتها اسبانيا كل في مجاله الخاص بالطبع.

ولكن إدارة كلية الفنون الجميلة طردت دالي من صفوفها لأنه حرّض الطلاب على تنظيم تظاهرة ضد أستاذ لا يعجبه. والواقع أن الدراسات في الكلية لم ترق له وكانت تضجره إلى أقصى حد ممكن. وهذا دليل على أن الفنانين العباقرة يكونون دائما على خلاف مع المؤسسة الرسمية.

إنهم سابقون على حساسية عصرهم باستمرار، ولهذا السبب فإنهم يصدمون عصرهم في البداية وأحيانا يمر وقت طويل قبل أن يفهمهم. وفي عام 1926، أي عندما كان في الثانية والعشرين من عمره، أتيح لسلفادور دالي أن يزور باريس لأول مرة.

وهناك التقى ببابلو بيكاسو، وبالطبع فقد كان حلمه أن يبقى في باريس لأنها كانت عاصمة الفن والآداب والحركات الطليعية. ولكن ظروفه المادية لم تكن تسمح له بذلك. فقد كان فقيرا معدما وبخاصة بعد أن غضب عليه أبوه وطرده من بيته ومنع عنه كل مساعدة لأنه كان قد تزوج من امرأة أخرى غير أمه. وبالتالي فقد ازداد كرهه له بدلا من أن ينقص. وسوف يظل يحقد عليه حتى آخر لحظة من حياته.

ولكن أتيح له بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ أن يزور باريس مرة أخرى برفقة لويس بونويل من أجل إخراج فيلمه الشهير: كلب أندلسي. وعندئذ حصل اللقاء الحاسم في حياة سلفادور دالي: قصدنا لقاءه مع السورياليين، نذكر من بينهم: تريستان تزارا، لويس اراغون، اندريه بريتون، بول اليلوار، الخ.

ثم التقى أيضا بالمرأة التي ستصبح خليلته وزوجته وملهمته: غالا الروسية التي كانت زوجة الشاعر بول ايلوار. فقد خطفها منه بكل بساطة. وعندما رآها لأول مرة شعر وكأن الوحي قد نزل عليه، وأحس بأنه كان يعرفها قبل أن يعرفها وأنه رسمها في لوحاته قبل أن يراها. إنها قصة حب خالد لا يقل أهمية عن روميو وجولييت أو قيس وليلى. وهذا الحب الهائل هو الذي ساعد عبقرية سلفادور دالي على التفتح وإعطاء أفضل ما عندها.

وفي عام 1932 ابتسم له الحظ فعلا لأول مرة، فقد أتيح له أن يشارك في معرض فني كبير في مدينة نيويورك. وحقق هناك نجاحا منقطع النظير، وراح يرسم اللوحات تلو اللوحات في الوقت الذي أخذت فيه غالا تروّج له وتحاول بيع أعماله بأسعار مناسبة. نقول ذلك على الرغم من أن النقاد كانوا يعتبرونها جنونية أكثر فأكثر.

والواقع أنه اتبع آنذاك المنهجية الهذيانية-النقدية التي ستميزه عن كل فناني عصره. إنها المنهجية التي يرضي فيها الفنان جنونه الداخلي لكي يشطح كما يشاء ويشتهي. وعن هذه الشطحات نجحت اللوحات العبقرية التي لا تزال تدهشنا بل وتذهلنا حتى الآن. إنها لوحات جنونية حقا ولكنها لا تقدر بثمن.

وكان يقول إن منهجيته تهدف إلى إفساد العالم أو تشويهه مثلما أن منهجية الفريد جاري كانت تريد إفقاده العقل وجعله مجنونا. كانت تلك هي المرحلة التي شهدت قمة السوريالية والتجريب الإبداعي في الفن والشعر على حد سواء. كانت مرحلة العباقرة الكبار، فأراغون نبغ في الشعر، وكذلك رينيه شار، هذا في حين أن بيكاسو وسلفادور دالي وآخرين جددوا الفن التشكيلي كليا.

في الواقع أن سلفادور دالي استفاد كثيرا من شطحات الأحلام السوريالية والكتابة الاتوماتيكية والإبداع الحر الذي لا قيد له ولا شرط. ولكنه أضاف إلى كل ذلك مسحة الفن اللاعقلانية والصياغات الرمزية. ولكن بعد أن حضر الاجتماع الشهير للسورياليين بقيادة أندريه بريتون ثم اتخاذ قرار بفصله عنهم. لماذا؟

لأنه كان قد اتخذ عدة مواقف رجعية مضادة للثورة السوريالية والتقدمية. فقد أظهر حبه للفاشية وإعجابه بهتلر. ولذا فقد نفى نفسه بين عامي 1939- 1948، أي طيلة كل فترة الحرب العالمية الثانية وما وراءها إلى نيويورك. وانعكست هذه الإقامة على اللوحات التي كان يرسمها آنذاك، فالبيئة الأميركية أخذت تؤثر عليها، وهذا أمر طبيعي. وفي عام 1982 بعد أن طبقت شهرته الآفاق منذ زمن طويل كرّمته الحكومة الاسبانية وخلعت عليه لقب الماركيز. ولذا اشترى قصرا في منطقته الأصلية وأهداه إلى زوجته غالا.

مسيرة الابداع

ولد سلفادور دالي في اسبانيا عام 1904 ومات فيها عام 1989 بعد أن عاش معظم حياته في باريس حيث اغتنى واشتهر وأصبح لا يقل أهمية عن مواطنه الكبير، بابلو بيكاسو، وهذا يعني أنه عاش خمسة وثمانين عاما.

الكتاب: سلفادور دالي: اللوحات الفنية 1904-1989

تأليف: روبيرت ديشارنيس وجيل نيريت

الناشر: تاشين نيويورك 2007

الصفحات: 780 صفحة

القطع: الكبير

Salvador Dali : the paintings 1904- 1989

Robert Descharnes and Gilles Neret

Taschen - New York- 2007

P.780