تركز الباحثة الأميركية باولا سوتر اهتمامها في كتابها الجديد الإرهاب والتسامح: إمبراطورية هابسبورغ في مواجهة الإسلام عن الصراعات الحربية التي جرت بين إمبراطورية هابسبروغ والعثمانيين على مدار العصور. والغريب في الأمر هو أن هذه الصراعات لم تمنع في بعض الأوقات من التعرف على العدو والإعجاب ببعض خصائله وميزاته. وهكذا تراوحت العلاقات بين الحروب العسكرية وفترات الهدنة والمتاجرة والتبادل الثقافي بين الطرفين.
وهابسبورك هي السلالة، كما تقول المؤلفة التي واجهت زحف العثمانيين على أوروبا وأوقفتهم عند حدهم في نهاية المطاف. ومعلوم أن أول من طالهم التوسع العثماني كانوا الصرب والبلغار. فالسلطان العثماني مراد الأول (1359 ـ 1389) احتل جزءاً من بلغاريا ومقدونيا.كما واستطاع احتلال الجزء الجنوبي من صربيا دون أن يواجه أية مقاومة. وبعدئذ استطاع احتلال صوفيا. وهكذا أصبحت بلغاريا عمليا في أيدي الأتراك العثمانيين. ثم حصلت بعدئذ معركة ضخمة بين جيش المناطق الشمالية من صربيا والجيش العثماني. وقد انتهت أخيرا بانتصار الأتراك بعد أن سقطت فيها آلاف الضحايا العرب.
وعندئذ حاول الإمبراطور المسيحي سيجيزموند ايقاف الزحف التركي على البلقان ووسط أوروبا. وحشد لهذا الغرض فيالق عسكرية عديدة من ألمانيا وهنغاريا وصربيا وسواها. وقرر القيام بحملة هائلة لتحرير البلقان من أيدي الأتراك. ولكن المعركة انتهت عام 1396 بهزيمة منكرة للإمبراطور المسيحي. ولم يعد هناك أي أمل لأوروبا في تحرير البلقان من أيدي العثمانيين.
ثم تضيف المؤلفة قائلة: وبعد أن أصبح بيازيد سلطانا للإمبراطورية العثمانية خلفا لأبيه راح يسيطر على منطقة البلقان كلها ويفكر في توسيع مجال هيمنته. ولهذا السبب هاجم اليونان والمناطق التابعة للبندقية في حوض البحر الأبيض المتوسط. وهكذا توسعت حدود الإمبراطورية العثمانية بعد السيطرة على اليونان ومنطقة المتوسط الشرقي.
ولم يكتف السلطان العثماني بهذه الانتصارات وإنما أراد تحقيق غيرها وإخضاع مناطق جديدة في أوروبا لهيمنته. ولهذا الغرض راح يهاجم مناطق الدانوب الأوسط. ولكن الأمراء المسيحيين قرروا الرد على هذا التوسع وعرقلة التقدم التركي في أوروبا.
وقد حققوا أول انتصار لهم في بلغراد عاصمة صربيا، حيث جرت معركة طاحنة بين الجيشين. ولم يستطع الأتراك الذين حاصروا بلغراد أياما عديدة أن يقتحموها. وفي النهاية لم يكتف الجيش المسيحي بصدهم وإنما راح يلاحقهم حتى أبواب بلغاريا. وكان هذا بمثابة أول انتصار للمسيحيين على المسلمين في أوروبا. وقد كانت له أصداؤه الواسعة في كل أنحاء العالم المسيحي.
ولكن الأتراك استعادوا زمام المبادرة في بداية القرن السادس عشر عندما صعد على العرش السلطان الكبير سليمان القانوني(1520 ـ 1566). فقد استطاع بشجاعته وحكمته أن يعيد الهيبة إلى الإمبراطورية العثمانية. وراح يشن الهجوم على المسيحيين في أوروبا الوسطى وحوض البحر المتوسط أيضا.
والواقع أن الدول التي كانت مهددة مباشرة، أي بولونيا وهنغاريا وبوهيميا، لم تكن قوية ولا مهمة من حيث العدد والعدة والتسليح. لم يكن هناك في أوروبا من قوى عظمى إلا فرنسا وسلالة الهابسبروغ. وحدهما هاتان القوتان كانتا قادرتين على مواجهة الأتراك في ساحة الوغى.
ولكن المشكلة هي أن هاتين القوتين الكبيرتين كانتا في حالة حرب مع بعضهما البعض. بل وإن فرنسا في عهد الملك فرانسوا الأول عقدت حلفا مع السلطان العثماني سليمان القانوني ضد النمسا بزعامة سلالة الهابسبورغ. وهكذا وجدت هذه الأخيرة نفسها وحيدة في الميدان ضد الأتراك. وأصبحت هي المسؤولة عن مواجهة الأتراك والدفاع عن المسيحية الأوروبية.
ولكن سليمان القانوني استطاع عام 1526 أن يحقق انتصارا كبيرا على هنغاريا ومليكها لويس الثاني الذي قتل في المعركة. وكانت لذلك الحدث الجلل أصداء واسعة في كل أنحاء أوروبا المسيحية. وعندئذ قرر إمبراطور المسيحية شارل كانت مواجهة الأتراك بكل قواه. واستطاع ابنه فيردنان الثاني أن يحقق أول انتصار ضخم على الأتراك عام 1571 في معركة ليبانت الشهيرة.
ومعلوم أنها من أشهر المعارك في التاريخ. وقد جرت في البحر أساسا وأدت إلى تدمير الأسطول العثماني. واعتبروها بمثابة انتصار للصليب على الهلال، أي المسيحية على الإسلام. وقد أضعف هذا الانتصار الإمبراطورية العثمانية لفترة من الزمن. ولكن ذلك لم يمنع الأتراك من المحافظة على هيمنة مطلقة في منطقة المتوسط الشرقي حتى القرن التاسع عشر.
ثم تردف باولا سوتر فيشتنر قائلة: الواقع أن الأتراك استغلوا وجودهم في السهول الهنغارية لكي يشنوا حملات شعواء على النمسا. ولكن حصارهم لغينيا عام 1529 فشل في نهاية المطاف. مهما يكن من أمر فإن القوة العثمانية في نهاية القرن السادس عشر كانت لا تزال في ذروتها.
وهناك قسم كبير من سكان البوسنة اعتنق الإسلام أيضا كرد فعل على المعاملة السيئة التي كانوا يتلقونها من طرف الكنيسة الارثوذكسية. ولهذا السبب فإن البوسنة أصبحت ذات أغلبية إسلامية مثل ألبانيا ولا تزال. وقل الأمر ذاته عن إقليم كوسوفو الذي نال استقلاله مؤخرا. وبالتالي فإن الهيمنة العثمانية على منطقة البلقان كانت ذات نتائج مختلفة ومتنوعة بحسب البلدان.
فمعظم بلدان أوروبا الشرقية والوسطى التي خضعت لهم ظلت على دينها. هذا وقد حصلت تفاعلات ثقافية وإنسانية بين الطرفين في فترات الهدنة والسلام. واكتشف سكان تلك المناطق أن المسلمين أشخاص كرماء يحبون الخير وليسوا شريرين ميالين للعدوان كما تصورهم الدعاية المضادة وتشوه سمعتهم.
المؤلف في سطور
باولا سوتر فيشتنر باحثة أميركية وأستاذة علم التاريخ في جامعة بروكلين بنيويورك وهي مشهورة بدراساتها عن ألمانيا في العصور الوسطى وبدايات العصور الحديثة. كما أنها مختصة بدراسة العلاقات بين الإسلام والمسيحية إبان تلك الفترة.
الكتاب: الإرهاب والتسامح إمبراطورية هابسبورغ في مواجهة الإسلام 1526 ـ 1850
تأليف: باولا سوتر فيشتنر
الناشر: رياكشون بوكس نيويورك ـ 2008
الصفحات: 256 صفحة
القطع: الكبير
Terror and toleration: the Habsburg empire Confronts Islam1526 - 1850
Paula Sutter Fichtner
Reaktion Books N.Y.2008
P.256

