يتعرض اينيد أ. غولدبيرغ في كتابه الجديد لشخصية أخرى أرعبت العالم في وقتها هي: شخصية أكبر سفاح في محاكم التفتيش الاسبانية: توركمادا. وبمجرد أن تذكر اسمه يشعر الناس بالرعب الشديد حتى بعد موته بعدة قرون. فمن هو توركمادا يا ترى؟

على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: ولد في اسبانيا عام 1420 وفيها مات عام 1498 عن عمر طويل يناهز الثامنة والسبعين. وكان راهبا متقشفا مرهوبا من قبل المسيحية كلها. وهو الذي كان » كاهن« الملكة المتعصبة الشهيرة إيزابيل إذا جاز التعبير. ونقصد بكلمة » كاهن« هنا أنه كان رجل الدين المسيحي الأكثر قربا إليها والذي كانت تجلس على كرسي الاعتراف بين يديه لكي تعتذر عن ذنوبها بعد أن تعترف بها. وكذلك كان يفعل زوجها الملك فيردنان الثاني. ومعلوم أن الملكة إيزابيل هذه هي التي طردت العرب والمسلمين من اسبانيا وقامت بأول عملية تطهير طائفي وعرقي في التاريخ. وكان السيد توركمادا هذا هو المسؤول الأول والأكبر عن محاكم التفتيش الاسبانية السيئة الذكر، وبالتالي فقد ماتت على يديه آلاف الضحايا. إنه أشهر شخصية في تاريخ محاكم التفتيش الأوروبية.

وقد رفض توركمادا كل المناصب التشريفية وكل الثروات والأموال وكرس نفسه لشيء واحد: الدفاع عن الأصولية المسيحية الأكثر تصلبا وتشددا. فقد عرضوا عليه مثلا أن يصبح مطران مدينة اشبيلية الغنية جدا. ولو قبل لجمع ثروة هائلة. ولكنه لم يكن يرغب في أي ثروة على وجه الأرض. كان من نوع الرهبان المتعصبين الذين يشغلهم حب الدين والتفاني فيه عن كل شيء.

ويؤكد الكاتب أن توركمادا لم يقبل في حياته إلا منصبا واحدا، هو منصب المستشار الشخصي لدى ملكة اسبانيا. وهذا المنصب أتاح له أن يؤثر على كل السياسة الاسبانية. فهو الذي قال للملكة بأنها لن تستطيع توحيد اسبانيا سياسيا إلا إذا وحدتها دينيا أولا. وبالتالي فالمسلمون واليهود الموجودون فيها ينبغي إما أن يتخلوا عن دينهم فورا ويعتنقوا المسيحية وإما أن يطردوا جماعيا من البلاد.

ووظف توركمادا في محاكم التفتيش هذه آلاف الرهبان الأصوليين الذين يشتغلون كعملاء له. فهم الذين يقدمون المعلومات عن الناس في أحيائهم وقراهم لكي يعرفوا فيما إذا كانوا مسيحيين متدينين حقيقة أم لا. وكل من يشتبه به كانوا يقودونه إلى محاكم التفتيش لاستجوابه. فإذا ثبت أنه مذنب قاموا بتعذيبه طبقا لنوعية الذنب وأهميته. وإذا لم يثبت أطلقوا سراحه، ولكن بعد إرهابه وتخويفه بالطبع.

كانت مهمة محاكم التفتيش في عهد توركمادا هي ملاحقة الهراطقة: أي المسيحيين الذين لا يؤدون الطقوس والشعائر ولا يتقيدون حرفيا بالتعاليم الدينية. وكانت سلطة محاكم التفتيش على المسيحيين بلا حدود. فما أن تبلغ الفتاة سن الثانية عشرة حتى تصبح تحت حكمهم، وكذلك ما ان يبلغ الصبي الرابعة عشرة.

كان المستهدف إذن بالدرجة الأولى الهراطقة وبالدرجة الثانية المعتنقون الجدد للدين المسيحي، أي اليهود والمسلمون الذين لم يشاءوا مغادرة اسبانيا بعد انهيار الحكم العربي وسقوط الأندلس. ومعلوم أن عشرات الآلاف منهم ظلوا في اسبانيا بعد أن أعلنوا، ظاهريا على الأقل، تخليهم عن دينهم واعتناقهم للمسيحية.

ولكن توركمادا لم يكن يصدقهم وإنما كان يشك في نواياهم. كان يعتقد أن الكثيرين منهم اعتنقوا المسيحية عن خوف لا عن اقتناع. ولذلك فكان يراقبهم ويلاحقهم عن طريق جلاوذته وجلاديه. فمن ثبت أنه لا يزال يؤدي شعائر دينه السابق سرا اقتادوه فورا إلى محاكم التفتيش وألقوه طعمة للنيران.

كان يكفي آنذاك أن يسيء أحدهم بجاره لكي يقتادوا هذا الجار إلى محاكم التفتيش من أجل استجوابه. وكانوا يلجأون إلى التعذيب عادة لإجباره على الاعتراف بذنوبه. والواقع أن أساليبه الوحشية في استجواب الناس وملاحقتهم وتصفيتهم أدت إلى كره الكثيرين له وتمنيهم لموته. بل وتجاوزت شهرته المرعبة هذه حدود اسبانيا لكي تصل إلى البلاد المجاورة. ويقال بأنه حتى البابا شخصيا شعر بالاستياء من هذه الأخبار المرعبة التي تصله عن توركمادا.

ولذلك وجه رسالة إلى السلطات الاسبانية يقول فيها: ما الذي يحصل عندكم؟ لقد سمعت أخبارا سيئة جدا. سمعت بأن محاكم التفتيش في اشبيلية تعتدي على الناس وتلصق بهم تهمة الهرطقة أو الزندقة غصبا عنهم. فهل هذا صحيح؟ وسمعت بأنهم يصادرون أموالهم ويعذبونهم حتى الموت. فهل هذا يجوز. هل أمرنا المسيح بذلك؟ أين هو الإنجيل؟

في الواقع أن العديدين من الاسبان المدانين بتهمة الهرطقة كانوا أبرياء، ولذلك أرسلوا طلبات استغاثة إلى الفاتيكان من أجل شرح أوضاعهم وطلب الانصاف لهم. ولهذا السبب وجه البابا رسالة شديدة اللهجة إلى توركمادا وهدده بفصله عن عمله لأنه رئيسه المباشر. وعندئذ أرسل توركمادا رجاله إلى الفاتيكان لشرح وجهة نظره مطولا وتبرير أعماله.

ويضيف الكاتب: في الواقع أن توركمادا شن حربا شعواء على المسلمين متهما إياهم بتهديد المملكة الاسبانية حتى بعد اعتناقهم للدين المسيحي، وراح يلاحق اليهود أيضا باضطهاده المتواصل. ومعلوم أن المسيحيين آنذاك كانوا يكرهون اليهود كرها شديدا ويتهمونهم بأنهم قتلة المسيح.

الكتاب: توماس توركمادا، مهندس التعذيب أثناء محاكم التفتيش الاسبانية

تأليف: اينيد أ. غولدبيرغ

الناشر: فرانكلين واتس نيويورك- 2007

الصفحات: 128 صفحة

القطع: الكبير

Tomas de Torquemada, architect of torture during the Spanish Inquisition

Enid A. Goldberg

Franki -N.Y 2007

P.128