«نظرية العنف» كتاب يبدأه مؤلفه جورج لابيكا بالجمل التالية: تسبح حقبتنا في بحر من العنف. ونحن نسبح في العنف. ولعل الكلمة نفسها هي الأكثر ترددا في خطاباتنا وكتاباتنا. يشجبون العنف ويتهمون العنف ويدفعون عن أنفسهم تهمة العنف .
المقولة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف تتمثل في القول إن العنف أصبح هو النظام الطبيعي للعالم وهو يشمل عنف الأفراد من كل الأعمار وعنف المجموعات والأمم والعنف على خلفية الانتماء الإثني أو الديني بل وحتى الفلسفي والإيديولوجي. وتتبدّى مظاهر العنف انطلاقا من الأشكال الكلاسيكية للجريمة وصولا إلى الحروب ومجازر الإبادة، القديمة منها والحديثة ومرورا بكل ما أفرزته مجتمعات الاستهلاك وسيادة قواعد السوق والسلع واللامساواة من عنف.ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة على أنه لا ينبغي الاهتمام بالآثار «الجسدية والمادية» المباشرة الناجمة عن العنف فحسب، وإنما أيضا بجوانبه »الأخلاقية والبسيكولوجية التي لا تقل خطرا رغم أنها أقل ظهورا كما يؤكد على واقع زيادة انتشار العنف كي يطال مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية انطلاقا من التحقير العلني والشتائم ووصولا إلى الاغتصاب والتعذيب والقتل.
وعنف ضد الطبيعة وضد الآخر وضد الذات وعنف الدول وعنف المتزمتين وعنف الثوريين، هذه كلها ليست سوى بعض أشكال العنف التي يتطرّق لها مؤلف هذا الكتاب. لكن هل العنف اليوم هو أسوأ مما كان عليه في الأمس ؟
هذا السؤال يطرحه المؤلف، ويجيب عليه بالقول ان المسألة تتعلق بميادين العنف فإذا تمّ النظر إلى إيقاع النزاعات العالمية والعنف الممارس ضد الجماهير فإنه يمكن اعتبار القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين من بين أكثر الفترات عنفا ضد الجماهير في التاريخ الإنساني كله.
لكن هذا لا يمنع واقع أن العنف قد تزامن و تعايش مع الجنس البشري منذ ظهوره، وذلك على أساس أن العنف يندرج في الطبيعة البشرية بصيغة غريزة عدوانية. وكان ينبغي على أجدادنا الأوائل أن يمتلكوا قدرة الدفاع عن أنفسهم في العالم الذي كان يحيط بهم ، كما يكتب المؤلف ليضيف أن العنف بدأ مع ظهور الحضارة كـ « عامل شديد السوء » بالنسبة للجسد الاجتماعي الذي تأسس عقده الأساسي على القيام بمهمة السيطرة على العنف، هذا إذا لم يتم التمكّن من القضاء عليه نهائيا .
وتتمثل بعض سمات «نظرية العنف» التي يقدّمها مؤلف هذا الكتاب في كون «عدم تساوي» جميع أشكال العنف، وذلك ليس لأسباب قانونية تتعلق بتقدير خطورته والعقوبة المترتبة عليه. ذلك أنه هناك أشكال عنف كبرى و أشكال عنف صغرى .
فلا يمكن مثلا أن يوضع على نفس المستوى العنف الذي ينضوي تحت العنوان العريض لـ «الإجرام العادي »، بما في ذلك جرائم القتل، مع النشاطات المافيوزية التي يطال عنفها المجتمع كله. بل ويتحدث مؤلف هذا الكتاب ضمن هذا السياق عن وجود تراتبية في أشكال العنف. وينقل عن هيلدر كامارا قوله: إن أصول (أم) جميع أشكال العنف تختلط مع المظالم التي تقترفها البلدان الغنية حيال البلدان النامية وما يقترفه الأغنياء ضد الفقراء .
إن مؤلف هذا الكتاب جورج لابيكا يقوم على مدى الفصول الثلاثة الأولى باستعراض الأشكال التي ظهر فيها العنف في التقاليد الاجتماعية والثقافية الإنسانية ، هكذا يعود بالدراسة إلى سفر أيوب وكذلك دراسة القصص أو الأساطير الأولى التي يشكّل العنف فيها الوسيلة الأولى في صناعة التاريخ، كما يبدو من تاريخ حضارة ما بين النهرين وحضارة مصر القديمة والحضارة الصينية وحيث قامت في تلك الفترة التي تعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد حروب وغزوات وتدمّرت حضارات.
ويقدّم المؤلف في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان «الأمس واليوم» موجزا لمسيرة العنف في التاريخ الإنساني وحيث يؤكد أن التاريخ والفن والمخيلة، كما الحياة نفسها، هي كلها مشارب نسجها العنف . هذا ما تنمّ عنه دراسة تاريخية جميع حضارات العالم.
ويكفي مجرّد إلقاء نظرة متأنية على كتابات المؤرخين القدامى مثل توسيديد وغيره، لفهم أنهم كانوا بالأحرى رواة أشكال من العنف الجماعي ومن الحروب . تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن هيرودوت كان أول من حرص على أن يقدّم الأحداث كاملة كما هي، دون أي اختزال أو انتقاص، مع الاعتماد على الكتابات والشهادات بحيث أنه قدّم نوعا من التحقيق الصحافي الذي يعكس الوقائع بأقصى درجة ممكنة من الأمانة .
إن المؤلف يقدّم في هذا الفعل باستعراض سريع لآراء المؤرخين القدامى حيال ظاهرة العنف التي اعتبروها كلهم ذات طبيعة إنسانية وحتى لو أنهم حمّلوا آلهتهم مسؤوليتها أحيانا. ويكرّس المؤلف فصلا كاملا ل«البحث عن المعنى»، معنى العنف الذي يبدو وكأنه لا يحتاج إلى نقاش وكأن الجميع يتفقون حوله .
لكن ما يؤكده المؤلف هو أن معنى هذه الكلمة قد تطوّر كثيرا، كما يبرهن اعتبارا من ظهورها في اللغة اللاتينية في حوالي العام 1080 بعد الميلاد. ويحمل فصل آخر في الكتاب عنوان حول اللاعنف ويميّز المؤلف بين العنف الظرفي والعنف القائم على خلفية الرفض المنهجي، الفردي أو الجماعي. وتتم في هذا السياق مناقشة نزعة العداء لكل ما هو عسكري والتي ترفض الجيش كـ مؤسسة .
ولكن دون التخلّي عن العنف. ويمكن أيضا تبنّي الدعوة للسلام ونبذ الحرب، ولكن عدم معارضة العنف في ظرف ما . المثال الذي يسوقه المؤلف هو منظمة الأمم المتحدة التي قامت على أساس مبدأ الدفاع عن السلام في العالم لكنها قد تُدفع نحو أن تسمح بالمواجهات المسلحة وأحيانا تشجّع عليها دون أن تكون صاحبة مبادرتها مثل الحرب الثانية ضد العراق .
المؤلف في سطور
جورج لابيكا، أستاذ جامعي للفلسفة السياسية ولتاريخ الماركسية. كان قد أسس وتولّى إدارة المركز الوطني للبحث العلمي وهو عضو في اللجان العلمية وهيئات تحرير العديد من المجلات الفرنسية والأجنبية وشارك في المئات من المؤتمرات الدولية.
أولى جورج لابيكا اهتماما كبيرا بأعمال ابن خلدون، وكان قد صدر له في عام 1965 كتابا تحت عنوان المقدمة، النزعة القومية عند ابن خلدون ثم السياسة والدين عند ابن خلدون و ابن الطفيل، الفيلسوف المتفرّد . ومن كتبه حول الماركسية: الماركسية اليوم و قاموس نقدي للماركسية و الماركسية ـ اللينينية، عناصر من أجل النقد .. إلخ.
الكتاب: نظرية العنف
تأليف: جورج لابيكا
الناشر: لاسيتا ديلسول مكتبة ج. فران باريس ـ نابولي 2008
الصفحات: 264 صفحة
القطع: المتوسط
Théorie de la violence
Georges Labica
La Cita Del Sole libraryJ. Vrin- Paris- Naples 2008
P.264

