أجرى موقع ببليولوجي الالكتروني الثقافي المتخصص هذا الحوار النادر مع الروائي الأميركي راسل بانكس بمناسبة صدور روايته الجديدة بعنوان «المحمية»، حيث أشار إلى ارتباط هذه الرواية لديه بموسيقي الثلاثينات من القرن الماضي التي تقع أحداثها خلالها، وأعرب عن اعتقاده بأن الحلم الأميركي أبعد ما يكون عن الواقع في أميركا الآن، حيث أصبح طريقة للتلاعب بالناس والسيطرة عليهم، وتطرق إلى جوانب من عالمه الروائي، فيما يلي مقتطفات من الحوار :
ما هي الطقوس التي تواكب الكتابة لديك؟
أحسب أن معظم الكتاب لديهم طقوس ترتبط بالكتابة، وهذه الطقوس يراد بها إخراجك من الواقع، من الحياة اليومية إلى عالم القص، عالم اللغة. وقد سمعت من يصفها بأنها طريقة للوصول إلى حيث يغدو الذهن صفحة بيضاء، إلى عالم لا تقلق فيه على الفواتير المدفوعة أو المكالمات الهاتفية التي لم ترد عليها، وتجد نفسك تفكر فيما أنت عاكف على الاشتغال عليه فحسب.
وقد كان هيمنغواي يبدأ يومه ببري عشرات من أقلام الرصاص. وأنا أعمل في أستوديو، في مبنى صغير يقع على بعد ألف متر من داري، حيث أمضي إلى هناك كل صباح، وأقوم بتشغيل اسطوانات الموسيقى على الفور، حيث أستخدم الموسيقى كجدار بيني وبين العالم.
والموسيقى التي أقوم بتشغيلها هي بمثابة مفتاح لما أشتغل عليه. وعلى سبيل المثال، فعندما كنت أقوم بتأليف رواية »المحمية« التي تقع أحداثها في الثلاثينات وعلى وجه التحديد في عامي 1936 و1937 كنت أستمع إلى موسيقى الجاز الكلاسيكية التي تعود إلى تلك الفترة، وعلى وجه التحديد موسيقى بيني غودمان وليستر يونغ وكول بورتر وتين بان آلي.
وعندما أبدأ في تشغيل تلك الموسيقى يبدو الأمر كما لو أن فيلما على وشك أن يبدأ، فهي بمثابة شريط الصوت المصاحب لفيلم. والأمر يتوقف على الكتاب، على العالم الذي يتضمنه الكتاب، حيث تبدو الموسيقى كما لو كانت تصاحبه. تتسم كتبك بالدقة الشديدة. ما هي النسبة التي تخصصها للخيال في مواجهة الحقيقة في هيكل رواياتك؟
يلعب الواقع الاجتماعي والتاريخي والجغرافي دوراً مهماً في الكتابة الروائية، ولكنه يقوم بأدوار مختلفة، ومن هذه الأدوار تقديم سياق تاريخي واقعي لحياة الشخصيات، لان لكل شخصية سياقها التاريخي، الذي يعد بمثابة خلفية لها.
وفي الوقت الراهن فإنني لو أردت الكتابة عن حياتي اليوم لتعين عليَّ بشكل ما إدراج الحرب الجارية في العراق والانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة، لأنها أحداث تاريخية كبرى تجري وتشكل جزءا من السياق الخاص بي. وقد لا أكتب عنها، ولكنها تشكل الخلفية، وأنا استخدم الواقع بهذه الطريقة.
وهناك استخدام آخر للواقع التاريخي أو الاجتماعي أو الجغرافي وهو الاحتمال البسيط، إعطاء تفاصيل محدده، وإضفاء ملمس الواقع. ولهذا فإنني بحاجة إلى أن أعرف، إلى أن أجرى أبحاثاً، إلى أن أحصل على معلومات. وعلى سبيل المثال.
فإنني إذا كنت أكتب عن ليبيريا، وإذا قلت إنهم هناك يتناولون الإفطار فإن علي أن أعرف ما الذي يتناولونه في الإفطار، لكي أجعل ما أكتبه محتملاً، لكي أجعله واقعياً. وفي بعض الأحيان فإنني أحب أن استخدم شخصيات تاريخية، أناساً واقعيين في رواياتي. وفي رواية «المحمية» يظهر هيمنغواي وجون دوس باسوس في الرواية في لمحة سريعة.
باعتبارك كاتباً، هل تعتقد أن من المهم وضع الحلم الأميركي موضع التساؤل؟
أعتقد أن ذلك يرجع إلى أن الحلم الذي لا يتطابق مع الواقع هو حلم لا ينبغي أن تتصرف بناء عليه. وأحسب أن الحلم الأميركي قد أصبح طريقة للتلاعب بالناس، وبالتالي أصبح طريقة للسيطرة عليهم، لإقناع الشعب الأميركي بالتضحية بجانب كبير من حياة أبنائه وأبناء أبنائه من أجل حلم جدير بذلك ومن شأنه أن يجعل حياة الجيل المقبل أفضل من حياة الجيل الحالي.
والحقيقة هي أن 90% من السكان الذين ولدوا فقراء يظلون على فقرهم طوال حياتهم، ويولد أبناؤهم وأحفادهم في غمار الفقر ويظلون فيه. والحلم الأميركي مفاده أن ذلك لن يحدث، وهو يقول إنك إذا ولدت فقيراً فإن بإمكانك التخلص من الفقر، وإنه إذا لم يحدث ذلك فإن الخطأ يكون خطأك. وهكذا فإن الحلم الأميركي بالنسبة لي هو حلم ينبغي انتقاده. إنه حلم ذهبي، حلم جميل، ولكنه ليس حلما، وإنما هو فانتازيا، إنه ليس حلما يتطابق مع الواقع.
في روايتك «المحبوبة» تقول البطلة هانا: لم يعد هناك أحد لا يستعين بنوع من التنكر. فبمن نثق،هل الكتابة طريقة للتخلص من التنكر ونزع القناع أم لوضع قناع جديد؟
الكتابة بالنسبة للكاتب هي طريقة لرؤية وسماع ما لا يمكنك أن تراه أن تسمعه بغير ذلك والرؤية عبر كتابة رواية فحسب. وهكذا فإنني أحسب أن الكتابة بذلك المعنى هي طريقة لنزع القناع عن العالم لكي أستطيع رؤية الشخص وسماعه وفهمه. ولكن هذا جزء من القصدية ومن نتاج عملية الكتابة.
ولكن أحد الأساليب أو الاستراتيجيات الضرورية للقيام بذلك يتمثل في تنكر الكاتب، لأن الكاتب يتعين عليه أن يسكن في الشخصيات. والكاتب أكثر توازيا بالفعل مع الممثل السينمائي أو المسرحي منه مع المخرج. وقد اعتدت الاعتقاد بأن الكتاب هم أقرب إلى المخرجين منهم إلى الممثلين إلى أن انغمست في تقديم الأفلام.
ولكن في الحقيقة عندما بدأت في الاختلاط بالممثلين ومتابعة كيفية عملهم وتفكيرهم من وجهة نظرهم، أدركت أنهم يسكنون شخصياتهم بالطريقة التي أسكن بها شخصياتي، وأحسب أن ذلك يشبه التنكر أو وضع قناع. لقد قلت إنك غالباً ما تضع نفسك موضع المخاطب (بفتح الطاء) الذي يصغى لقصة البطل. تلك شخصية أخرى يتعين عليَّ ابتكارها وهي شخصية المستمع، لكي أصغي للشخصية. ويتعين عليَّ أن أسكن الشخصيتين كلتيهما بصورة متزامنة.
محطات في مسيرة بانكس
* ولد الروائي الأميركي راسل بانكس في 28 مارس 1940 في نيو انغلاند، ونشأ في عائلة تنتمي إلى الطبقة العاملة، حيث أثرت نشأته بقوة في كتاباته، وسعى لشق طريقه إلى الحياة العملية كرسام، لكنه انتقل إلى الأدب، واستهل حياته الإبداعية بالشعر .
وقدم مجموعته القصصية الأولى في عام 1975 تحت عنوان »البحث عن الناجين« وأتبعها بروايته الأولى »حياة عائلية« (1975) ثم مجموعته »العالم الجديد« (1978) لتتوالى بعد ذلك أعماله وأشهرها »كتاب جمايكا« (1980) و»حكم بون« (1995) و»الملاك على السقف« (2000) و»المحبوبة« (2004) وأخيراً »المحمية«.
* هو الرئيس الحالي للبرلمان الدولي للكتاب وعضو في أكاديمية الفنون والآداب الأميركية، وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة، وتلقى العديد من الجوائز الدولية، أبرزها جائزة جون دوس باسوس للرواية في عام 1985 وفاز بلقب مؤلف ولاية نيويورك وهو حالياً الفنان المقيم في جامعة ماريلاند، وهو يقيم حالياً في شمالي ولاية نيويورك.
* اقتبس فيلمان عن عملين شهيرين له هما »المحنة« (1990) و»الآخرة العذبة« (1991) ويجرى حالياً اقتباس روايتين له لتقديمهما على الشاشة الفضية.
منى مدكور
