يشير عنوان رواية راسل بانكس الجديدة إلى محمية خاصة في جبال الأديرو نداكس الأميركية، والتي تعد بمثابة برية فردوسية تهيمن عليها قلة من العائلات التي تتمتع بثراء طائل إلى حد أن تأثيرات الكساد الكبير لم تمسها على الإطلاق.
ويقدم بانكس وصفاً مروعاً للأوضاع الاقتصادية المحزنة التي هيمنت على الكثيرين في ذلك الوقت، والتي لا تزال قائمة في مثل هذه الأماكن التي يعاني سكانها ويلات الأزمات الحديثة. وقد كان الخدم والعاملون في المحمية يعيشون بالطريقة ذاتها التي عاش بها أقنان القرون الوسطى في المحمية التي تبلغ مساحتها أربعين ألف هكتار، حيث يلتزمون بالقواعد التي وضعها رواد المحمية الذين يزورونها صيفاً. وفي هذا الصدد يقول بانكس عنهم: »لقد سمح لهم بدخول المحمية وأراضي النادي ولكن من أجل العمل فحسب، وليس لصيد الأسماك أو الحيوانات أو التجول حسبما طاب لهم.. كان وهم البرية أمر مهم من حيث الحفاظ عليه كواقع«.
هذا الحراك والتوتر بين الوهم والواقع هو ما يثير اهتمام بانكس أكثر من أي شيء آخر هنا. فالرواية التي يقدمها لنا تدور في المقام الأول حول الصواب والخطأ وكيف أن الطبقة والجنس يجعلان الخط الفاصل بينهما ضبابياً وغائماً.
يركز بانكس على رجل يتحرك واثقاً بين الأثرياء والمعدمين، هو جوردان جروفز، الفنان اليساري الذي يبيع اللوحات للأثرياء من هواة جمع الأعمال الفنية، والذي يغوي زوجاتهم، ويصادق خدمهم. وقد أبدعت شخصيته على أساس شخصية روكويل كينت المصور وداعية العمل الشهير الذي تبرع بعدد من أعماله للاتحاد السوفييتي واصطدم بسناتور مكارثي، وظهرت صورته في نهاية المطاف على طابع بريد أميركي.
ولكن جوردان هو من ابداع خيال بانكس تماما، والمحمية تشير إلى أحداث تاريخية، ولكنها ليست مبنية على غرار ما نجده في روايتي مبدد السحب و المحبوبة وإنما نجد أن بانكس هنا قد أبدع مجموعة صغيرة من الشخصيات من مستويات مختلفة من المجتمع، ثم جمعها معاً من أجل مواجهة كارثية في هذه الساحة الرعوية خلال صيف عام 1936.
تستهل الرواية عندما ينطلق جوردان بطائرته إلى القصر القائم في البرية الذي يمتلك كل شيء فيه وحوله جامع المقتنيات الفنية دكتور كول الذي يقيم مع ابنته فانيسا ذات الثلاثين ربيعاً والتي طلقت مرتين، والتي ترددت الشائعات حول علاقاتها العاطفية بهيمغواي وماكس إرنست وبارون فون بليكسن، وعلى الرغم من أن جوردان لا يبدو في البداية مهتماً بها، إلا أنه يوافق على اقتراحها بالانطلاق بطائرته فوق البرية، وهو قرار سيؤدي إلى تورط يفوق كل ما كان يتوقعه.
بعد وفاة دكتور كول متأثراً بنوبة قلبية في وقت متأخر من تلك الليلة، تناشد فانيسا جوردان أن يحلق بها مجدداً على متن طائرته لتنثر رماد أبيها فوق البحيرة، وهو أمر يعد انتهاكا لأحكام المحمية ولكن جوردان يوافق في نهاية المطاف.
ولكنها تتآمر للقيام بشيء أكثر تعقيداً من نثر رماد أبيها أو مضاجعة جوردان، فوراء مظهر المرأة الجميلة التي تطالع العالم بالكثير من التألق تكمن شخصية خطيرة وغير متوازنة لامرأة يصل بها الخوف إلى حد البلاهة الأخلاقية، والحقيقة بالنسبة لها هي شيء يختلق من النقيض إلى نقيضه ما بين لحظة وأخرى.
هذا الموقف يبدو أبعد ما يكون عما يتبناه هيوبرت سانت جيرمين، وهو أحد أبناء غابات المحمية المعتزين بأنفسهم والذين يتم استدراجهم إلى مؤامرة فانيسال القاتلة، وسرعان ما يقع بدوره في براثن المستنقع الموحش حيث لا يعود بوسعه اختيار الصواب من الخطأ.
إن بانكس يتبدى لنا عبقرياً في إظهار الناس وهم ينحدرون إلى الأزمات التي تتلاعب بمنطقهم الأخلاقي، ولكن هذه الرواية تعتمد على الكشف عن العديد من الحقائق المذهلة التي تغير كل شيء كنا نعتقد أننا نعرفه عن هذه الشخصيات.
وبمعنى من المعاني فإن «المحمية» تعد عملاً من أعمال الإثارة الرومانسية تدور أحداثه في إهاب الواقعية الاجتماعية. وهي تتراوح بين لحظات من الأحداث السريعة والمتواترة واللاهثة وبين فقرات طويلة من التحليل العميق والمراوغ، واهتمامات الرواية السياسية والجمالية المعقدة يتم تصعيدها بسرعة بالغة من خلال اللمحات الرومانسية والعاطفية المحتدمة.
وعلى الرغم من إشادة العديد من النقاد والقراء والمطبوعات المتخصصة برواية بانكس، إلا أن باقات الزهور المتناثرة هذه لم تمنع نيران النقاد من الانهمار حول الكاتب الشهير. في ختام مقال مطول كتبه رون تشارلز في صحيفة »واشنطن بوست« عن الرواية، لا يتردد في الإعراب عن اعتقاده بأن الفضيحة التي تفجرها مؤامرة فانيسا تشد القراء حتى الصفحة الأخيرة من الرواية.
لكنه بالمثل ينتقد بشدة الفصول المتناثرة المطبوعة ببنط مختلف والتي تظهر لمحات من حياة جوردان وفانيسا في المستقبل، وهما يعملان في مسرح الحرب في أوروبا، وفي البداية تبدو هذه الأحداث موجزة للغاية بحيث لا ننقل للقارئ معنى على الإطلاق، وحتى حين تبرز بؤرة هذه المقاطع فإنها تظل بعيدة عن الحسم.
ويعرب تشارلز عن اعتقاده بأن هذه الفقرات هي العنصر الأكثر استعصاء على الفهم في رواية تجمع بصورة متبادلة بين إثارة الإحباط واجتذاب الاهتمام. هذه اللمحة النقدية التي تطرحها »واشنطن بوست« تظل بمثابة قطرة في محيط الانتقاد الهادر الذي نقرؤه في مقال للناقدة جيرالدين بيريل في صحيفة «الأوبزرفر» اللندنية.
هذا المقال بكامله هجوم عاصف على رواية بانكس الجديدة، فالكاتبة بيريل ترى في تقديم بانكس لشخصية جوردان مجموعة من الكليشيهات المبتذلة التي استهلكت تماماً. وهي تشير إلى أن بانكس بنى شهرته عبر رواياته العديدة على انتقاد الحلم الأميركي من خلال شخصيات تتردى في هاوية الفقر والكساد، وهي ترى أن »المحمية« لا تقدم جديداً في هذا الشأن إلا رؤية الشخصيات نفسها من الطرف الآخر من التلسكوب، حيث يتم التركيز هنا على عائلة كول الثرية والمترفة وهي تقضي عطلتها في منتجعها الصيفي الفخم.
وتشدد جيرالدين بيريل على أن رواية «المحمية» على الرغم من كل ما تحفل به من مباهج للقارئ إلا أنها رواية تثير الشعور بالإحباط، حيث تجمع معاً أفكاراً لا تضرب جذورها في أرضية واحدة قط، وهي لا تكون في أفضل مراحلها إلا عندما يكتب بانكس عن برية تاماراك، حيث نلمح تعاطفه مع الطبيعة ومع السكان المحليين الذين لا يسمح لهم بدخول المحمية إلا للعمل كخدم أو كأدلاء.
وتعرب الناقدة عن تعاطفها مع هؤلاء السكان المحليين، وبخاصة على نحو ما يعبر عنهم هوبرت سانت جيرمين وتتساءل عن السر في أن بانكس لم يركز عليهم في روايته خاصة وأن شخصيات الطبقة الراقية التي يركز عليها لم تظهر لنا إلا من خلال كليشيهات سوسيولوجية ومن خلال صور ميلودرامية لحياتها اليومية.
وربما كان هذا التضارب بين باقات الورود ورصاصات النقاد المنهمرة على بانكس هو على وجه الدقة الذي يدفعنا للاهتمام بهذا العمل من أعمال راسل بانكس، الذي لا نملك إلا أن نلاحظ أنه لم يتم تعريف القارئ العربي بها ولو في الحد الأدنى من الدقة والوضوح، فضلاً عن أنه لم يترجم أي عمل من أعماله إلى اللغة العربية.
الكتاب: المحمية
تأليف: فرانسيس روبنسون
الناشر: بلومزبري، لندن 2008
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط

