يحاول الدكتور آزاد سعيد سمو، في كتابه هذا «سعيد النورسي: حركته ومشروعه الإصلاحي في تركيا« نقض الغبار عن فكر إسلامي معتدل في تركيا الذي شابه الضمور في فترة السلطان عبدالحميد وبعد استلام الكماليين الحكم في تركيا. ويقرأ المؤلف الإسلام وجذوره في ذاك البلد الذي لا يمكن دراسة تاريخه في القرن العشرين دون ذكر سعيد النورسي الذي كان له دور مؤثر وواضح في الكثير من الأحداث التي شهدتها تركيا خلال القرن المنصرم.
في البداية يتحدث الدكتور آزاد سعيد سمو عن الحالات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي عاصرها سعيد النورسي الذي عاش ما يقارب خمسة عقود من عمره في الدولة العثمانية، وما يقارب ثلاثة عقود ونصف عقد في ظل الجمهورية التركية، ولا شك أن هناك فارقاً كبيراً بين المرحلتين من ناحية الحياة الاجتماعية التي عاشها الشعب التركي، وذلك بسبب التغييرات السياسية التي طرأت على البلاد بعد بروز جمعية الاتحاد والترقي. وكذلك بعد تسلم الكماليين الحكم في تركيا وإعلان النظام الجمهوري، فالتغيير السياسي الذي حدث في تركيا آنذاك كان تغييراً في الأفكار والإيديولوجيات أيضاً، لذلك صاحب التغيير السياسي التغيير الاجتماعي أيضاً. لكن استطاع الشعب التركي الحفاظ على موروثاته الاجتماعية ردحا من الزمن.
وحسب ما جاء في الكتاب أن سعيد النورسي ولد من أبوين كرديين في العام (1876)، واسم والده ميرزا، وكان مثالاً في الورع والتقوى، وكانت مهنته تربية المواشي والفلاحة، أما والدته فكانت تسمى (نوري) بالإمالة.
بدأ النورسي خطواته الأولى نحو العلم بتعلم القراءة والكتابة في مسجد قريته.
ثم بدأ بتعلم القرآن الكريم وكان ذلك سنة 1303هـ 1885م، وبعد تعلم النورسي القراءة والكتابة وقراءة القرآن الكريم قصد قرية طاغ كلي ـ القريبة من قريته ـ لكي يواصل تلقيه العلم عند الملا محمد أمين أفندي، وسرعان ما عاد إلى قريته واقتصر في تعلمه على الدروس التي كان يلقيها أخوه الكبير الملا عبدالله .
وذلك أثناء عودته إلى القرية في أيام الجمع، وبقي النورسي على تلك الحال مدة من الزمن غير انه أدرك فيما بعد أن يوماً واحداً في الأسبوع لا يكفي لجعله عالما، فاستأذن والديه ليذهب إلى قرية (بيرميس) ومنها إلى قضاء هيزان فدرس على يد الشيخ محمد أفندي مدة من الزمن، وبعدها تجول النورسي في عدد من القرى والمدن في كردستان تركيا طلبا للعلم مثل قرية نورشين وكواش وولاية بدليس.
إلا أن تحصيله للعلم بدأ بصورة جادة في قضاء بايزيد التابع لولاية أرضروم. حيث ضريح الشاعر الكردي الكبير (احمد الخاني) والأخير أيضا ينتمي إلى عائلة دينية.وفيما بعد انتقل إلى سيرت والتقى بالملا (فتح الله أفندي) في مدرسته في عام 1892، وبعد مداولات واستفسارات أعجب الملا فتح الله أفندي بقدرة الذكاء لدى النورسي، وقال الملا أفندي:« إن اجتماع الذكاء
الخارق مع القابلية الخارقة للحفظ في شخص واحد من أندر الأمور». ويذّكر المؤلف بان النورسي كان صاحب موقف من التطورات ولأجل ذلك تم نفيه إلى عدد من المدن النائية، وذاق السجن والمحاكمات والنفي لعدة مرات، وفي الأيام الأخيرة من حياته كان تحت الإقامة الجبرية في مدينة اسبارطة.
وعندما اشتد عليه المرض طلب من طلابه الذين كانوا يلازمونه أن يذهب إلى أورفة (رها) أو دياربكر (آمد) مع أن حالته الصحية تمنعه من أي حركة إلا أن إلحاحه لزيارة إحدى المدينتين اضطر طلابه الامتثال لأمره فقاموا بالسفر إلى أورفة ونزلوا في الفندق «آيبك بالاي».
وعندما علمت الشرطة بوصوله إلى أورفة قاموا بأمره بالعودة إلى اسبارطة إلا أن النورسي وخلافا لعادته امتنع عن تنفيذ أوامر الدولة وقرر البقاء وفي يوم الأربعاء 23/ 3/ 1960 قبيل صلاة الفجر توفي النورسي. أما عن حركة النور، أو حركة رسائل النور ـ يقول المؤلف ـ بان حركة النور هي الحركة التي أسسها النورسي في كردستان تركيا ومنها انطلقت إلى سائر أنحاء تركيا هي جماعة إسلامية إصلاحية، تتلقى تعليماتها من نور القرآن الكريم وهدفها إبراز مزايا القرآن الكريم وإنقاذ البشر من الزيغ والضلال.
أما بالنسبة لتاريخ تأسيس تلك الحركة يقول المؤلف ـ لا يمكن تحديد تاريخ دقيق له وسبب ذلك هو أن حركة النور لم تكن ـ في بداية الأمر ـ منظّمة ومرتّبة بالشكل المطلوب، ولكن مع ذلك يمكن تحديد سنة 1899 كبداية لمرحلة جديدة من مراحل عمر الحركة بعد أن علم النورسي من الوالي طاهر باشا أن هناك من الأعداء من يحيك المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.
أي بعد أن قال وزير المستعمرات البريطاني وليم غلادستون: ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكما حقيقيا، فلنسع إلى نزعه منهم الأمر الذي دفع بالنورسي بالقول: لأبرهننّ للعالم بان القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها .
المؤلف في سطور
* د. آزاد سعيد سمو هو كاتب من محافظة دهوك ـ إقليم كردستان العراق، متخصص بالعلوم الإسلاميّة.
* حاصل على الماجستير والدكتواره في الدراسات الإسلاميّة من جامعة الإمام الأوزاعي في لبنان.
* عمل مدرسا في جامعة صلاح الدين في إقليم كردستان العراق عدة سنوات.
* أشرف على العديد من رسائل الماجستير، وعلى العديد من البحوث العلمية في تلك الجامعة والمؤسسات العلمية والأكاديمية، إضافة إلى ذلك انه قدم العديد من البرامج العلمية والفكرية في عدد من الإذاعات ومحطات التلفزيون، وعضو في رابطة التدريسيين الجامعيين في العراق.
* شارك في العديد من المؤتمرات العلمية والثقافية والفكرية داخل العراق وخارجه.
له العديد من الأبحاث والدراسات الأكاديمية في مختلف الجوانب الشرعية والثقافية والفكرية منها »اليزيدية: عقائدها وتشريعاتها ومجتمعها«.
فاروق حجي مصطفى
الكتاب: سعيد النورسي حركته ومشروعه الإصلاحي في تركيا 1876 ـ 1960م
تأليف: د. آزاد سعيد
الناشر: دار الزمان دمشق 2008
الصفحات: 344 صفحة
القطع: المتوسط

