ما كان عليك أن تبتسم إلى الأبد يا دافنشي.. وما كان عليك أن تخادع نفسك، بأن ترسم جمرة روحك... الموناليزا بهذه الابتسامة الغامضة التي خادعت كل وجوه العالم بها، وجعلتهم في حيرة من أمرها.. إن لأبيك قسوة لا حدود لها...أي اختار أن يبعد أمك عنك، مع أن الأمومة شجرة توت تورث في قلب الأرض كل وجودها..
قال: إن الحرب قادمة، وعلينا أن نبقي شيئاً منا، حتى ينمو ويتكاثر... حتى لا ننقطع ولا يضيع أثرنا..
قُلت: إن الحرب لا تورث قوتاً حلواً... الحرب تورث قيماً لاتنسى أوجاعه أبداً..
وضيعت أمك يا ليورناردو دافنشي... أمك في نيران الحروب والمنافي والغربة والمجهول... وصرت تبحث عنها في حلم وقصيدة وذرة رمل..
وبقي من أمك دموعها وابتسامتها السحرية التي أخذت منك لب عقلك وقلبك وإحساسك ووجودك كله..
وما كنت تعلم إن كانت حية تتنفس حسرتها في رؤيتك، أوشاخ العمر منها وأفلت حتى أصبحت في مجهول أزلي.
صرت تواجه إصرار والدك... بهجاته ومسراته وتجارته عند اشتغال الحروب..
صار العالم لا منطقياً أمامك.. وأنت اليساري اليد.. تكتب من اليمين إلى اليسار. وليس من أحد له القدرة على قراءتك ما لم يقلب المعادلة..
ترى أكنت يساري الأفكار... تحارب الحروب، وتملأ سماء روحك بحمامات بيضاء.. كما لو أنك تتنفس كل أفراحك بالسلام..؟
لم يعد يشغلك طعام أو شراب ولا ظل ابتسامة، تجلس وحيداً تفكر في علوم وفنون وقراءات شتى... في محاولة للامساك بروحك التي فرت منك، وانسحبت، مختارة أو مكرهة عن عالمك الأثير...ولم يبق من أمك سوى دمعة وابتسامة. ارسم كل الحوارين ، وأندب نفسك بينهم.
هندس العالم كما ترى..؟ اجمع له الأرقام واجعل من علم الرياضيات واقعاً مراً، وحقق ما شئت لنفائس عقلك من بصيرة في التشريح والطبيعيات والفيزيولوجيا.
لا شيء يعوضك عن غياب أمك.
دافنشي... ارسمها كما تراها في داخلك.. في عمق موغل في العمق... بثوب اسود، بيدين متقاطعتين، بأصابع تسيل من عسل بحثها لك، وتوقها لرؤيتك..
ارسمها بشعر منسدل على كتفين كلتا من تعب وشغف وذكرى.
دافنشي... الموناليزا، أمك، أختك، حبيبتك،ابنتك، زوجتك، رفيقة دربك.. تنظرك وتراك.. تراها وتراك. تراك ولا تراها.. وأنت موجود فيها، وهي موجودة فيك.. وفيكما... شيء مشترك، لا علاقة له بالحضور أو الغياب..
أنتما جذر نبت من نبع واحد...لكما وجه واحد، رئة واحدة، قلب واحد... وكلّ واحد. عيناها، عيناك، استدارة وجهها، استدارة وجهك، يتمها... يتمك..
كاترينا... طيف أمك الحق... وموناليزا... هذا الطيف الحميم الذي اتسع حتى يحب كل نساء الأرض. كاترينا... كبرت، صارت بوسع الكون كله..
موناليزا... بدت كما لو أنها تعقد قرآن محبة بين كل النساء وكل الرجال..
أما سمعت يا دافنشي أن حارس أمك، حبيبتك الموناليزا، حارسها الأمين لسنوات خلت لا تنتقل إلى أماكن أخرى ... ومع ذلك تمكن أحد اللصوص من سرقتها بعد انشغاله هو في الانتباه إلى إنجيليو، الرسامة الهاوية التي راحت ترقب الموناليزا على مدى ثماني سنوات... تمكن فيها الحارس المتخفي ليون من عشق إنجيليو والزواج منها... ثم...
ألم تعرف يا دافنشي أن نابليون ضم إلى إمبراطوريته الواسعة الأرجاء. امبراطوريته بوسع المدى اسمها الموناليزا... التي ابتكرها عقلك ووجدانك..؟ خمسة قرون مرت على ذاكرتك وانسك ويقظتك وحلمك الأثير... صبحك ومساؤك... كل لحظاتك... مع الموناليزا، التي صبرت على أدق نظراتك وعلى مدى ست سنوات.... صرت فيها شيخاً عجوزاً بينما كانت في كامل صباها والق تفتحها وهي في الثلاثين.
ترى ... هل يمكن أن تمر السنوات الستون عليك، وكل نبضة في قلبك تصيح: موناليزا... موناليزا.... هل تشيخ أنت، وتحتفظ هي بشبابها. أكنت تذوب فيها وأنت تنظرها. أكنت تسلط عليها نظرات الأزل التي تجعلها تحتفظ بكامل بهائها.. بحيث يتخطاها الزمان ويبقى عطر شبابها لا يعرف التراكم والتجاوز...؟
لا عليك من أذى قومك عليك.. بحيث أهملوك... وجعلوك تودع ايطاليا...
وترسم نبض حبك في فرنسا... لا عليك، العالم كله وطنك، وطنك حيث شئت، وطن أنت، وطن يمتلئ بحب الموناليزا: الذات في الم والحبيبة..
لا عليك يا دافنشي من يسخر من اسمك... يسأل بخبث أو براءة:
ـ دافن... شيء!؟
أو يشوه الموناليزا... بشاربين، بوجه نمر، بمفاتيح على قلبها، سمكة، سجناً، اعلاناً، رجلاً، معالجتها بالكومبيوتر، بابتسامات شتى، طابع بريد...أوبريت... لا عليك مما قاله الشاعر التركي ناظم حكمت فيها:
«يا أحبة، سيئة هي الموناليزا/صدقوني/ لو لم تأمل في سماع أبناء/ من ديار بعيدة/ لسرقت مسدس حارس المتحف/ وأفرغته في صدرها الشمعي/ لتصبغ بلون الموت/ بسمتها اللعينة».
صدق ما قاله فرويد بأن الموناليزا ذكرتك بإبتسامة والدتك... والدتك المنفية، التي رأيتها بعمق فكرك، لا بالمشاهدة العابرة. فكانت الابتسامة الغامضة التي تبوح بالكمال ، كما تبوح بالأسئلة، كما تبوح بالتأويل ظن كما تبوح بالحزن العميق.
ودّع... ودّع ( العشاء السري) التاريخي المقدس الذي رسمته، وجعلت عبقريتك تصيرك طرازاً من المختبر الإبداعي الحي الذي يذهل أستاذه بحيث يحترم نفسه ويخلي الرسم لك أنت... فقد صرت أمامه أستاذاً وصار تلميذك البار.
ودّع... هذه الزوجة التي رأى زوجها أن يخلدها في صورة، وجعلها موديلاً أمام عناقيد بصيرتك... فكنت تسحرها، وكانت تسحرك على مدى سنوات ست من الدهشة..!
وحين اكتملت شجرتك البهية... تحولت إلى غابة، وصار القادمون يحجون إليها بالتناوب ومن يريد يريد تقليدها، عليه أن ينتظر عقداً من الزمن، وليس بمقدوره أن يأخذ مدة تزيد على نصف عام...الآخرون ينتظرون. الآخرون يبحثون عن أنفسهم في ابتسامة من أحببت إلى الأبد.. من أكتمل وجوده في روحك وعقلك إلى الأبد..
دافنشي... هل كان جيوكندو/زوج الموناليزا، يصدقك وأنت بإنجاز لوحة زوجته في مواعيد لا تفي بها أبداً، هل كان يعرف أن ملايين الناس سوف يعشقونها من خلال عشقك أنت... أنت يا دافنشي؟.
هل تبين ذاك الزوج المغفل... أن الملك فرانسوا قد وقع في غرام صورتها... فاقتناها بأغلى ثمن... وظل يحدق فيها حد الجنون؟
الموناليزا وحدها، كانت تعرف أن نظراتك كانت تلامس بشرتها الناعمة، أصابعها الفضية، وصبح وجهها المضيء، بالعينين التي كنت ترى فيها صورتك...
ابتسمت عندما قلت لها مرة:
ـ مونا...أريد أن أرى وجهي في عينيك، أن أنظم شاربي ورأسي ولحيتي...
قالت:
ـ وهل أنا مرآتك...؟
ـ ما كنتُ لأقول لك لو لم تكوني مرآة عقلي وروحي وقلبي وحواسي كلها..
كانت قد سمعت مثل هذه الكلمات لأول مرة... ولأول مرة أدركت كم كنتَ تحبها. ولأول مرة عرفت كم هي كبيرة في عينيك، وكم هي صغيرة في عيني زوجها.
كذلك... كانت تعرف أنها تتمتع بجمال عادي، لكنك أنت... أنت من جملها في الغيب، في الحلم والواقع وملأ المدى بوجودها السحري..
جمال كامن فيك... من أمك الغائبة، ومن حبيبتك الحاضرة، ومن شيخوختك الآفلة، ومن مخيلتك التي لا تحاصر بالألوان والخطوط والذاكرة، وخصومه ميخائيل انجيلو، ومقارنتك باوديب في منظور فرويد، وتخليك عن مهمات حاكم ميلانو: لودوفيكو المورو...أن يبقى عليك مهندساً حربياً، فإذا بك تقدم له « قيثارة من الفضة على هيئة جمجمة جواد» وإذا بالقيثارة تعزف أشجى الألحان...
ثم جعلت تدرس تعبيرات الصم والبكم في الملاجئ... وصرت تبحث عن سبل تشدهم إلى الفرح وأنت الذي تبتكر القلاع الحربية... وأنت الذي تشتري بكل ما عندك من مال... الطيور، لتطلق سراحها وتجعلها تحلق في سماء متسعة... وأنت الذي وزعت عمرك في البحث العلمي، في قلب الألوان، وفي التجوال كذلك، وفي التأمل العميق كذلك...
أنت السابح الماهر في بحيرة العينين والوجنتين والشفتين والرمشين والأنف و... و... رأيت ما رأيت... رأيت الموناليزا حزينة، تبتسم كما لو أنها تريد أن تبكي، تبكي كما لو أنها تريد أن تعطيك ابتسامة الوداع الأخير...
من هنا ؟استغنت بالمغنين والمهرجين حتى يروحوا عن روحك، روحها... روح الموناليزا وأنت تستعيد وجودها على القماشة..
حسدت القماشة التي تحط عليها. حسدت ألوانك وفرشاتك والباليث الذي تضع فوقه أصباغك. حسدت إصبعاً يخترق زاوية الباليث..
وعندما أنجزت ما أنجزت، أدركت أنك تعتزم البقاء إلى الأبد، أو الموت حالاً... وما كنت الذي يطيق على أمر..
الموناليزا... عادت إلى أحضان زوجها... الضابط الخشن الطباع، الآمر الناهي.... وروحك التي نظرتها في لوحة الموناليزا... في قبو، تحت الحراسة المشدودة، ثم في قفص ذهبي أكراماً للجمال..
هل كان بمقدورك أمر... سوى أن تودعها...؟
سألت الوداع في تلك اللحظة واللحظات اللاحقة:
ـ هل... هل بوسع الليل... بمداه، بطوله...أن يطفئ شموع وجهك يا موناليزا...
ـ دافنشي... شدّ على يدين خاليتين... علّهما تعيدان إليك أصابع الموناليزا.
ـ دافنشي... قاتل كل الحروب التي أخذت منك الموناليزا... اشتر بمالك وعقلك وروحك ووجودك كله... كل الحمامات البيضاء، أطلقها، أطلقها في سماء تتسع للتآخي والسلام... وحتماً... حتماً... ستعود إليك الموناليزا مع أول فجر لا تسمع فيه كلمة (حرب)..
الكاتب في سطور
* حسب الله يحيى كاتب وناقد ومترجم عراقي
* يعمل رئيسا لتحرير صحيفة التآخي العراقية
* انتقل من فضاء القصة إلى فضاء النقد الأدبي والفني
* تعرفه الذاكرة العراقية الأدبية منذ عقود عبر مجموعة من النصوص الأدبية والنقدية في الكثير المجلات الأدبية والصحف والمطبوعات المختلفة التي تضم بين ثناياها نتاجه القديم الحديث .
* صدر له العديد من الأعمال القصصية أبرزها «حدائق عارية» التي يعتمد فيها أسلوب تفحص الأشياء ونظرة خاصة في معالجتها.
* تتجلى تجربة حسب الله يحيى بمفاهيم النقد الأكاديمي الموضوعي النابع عن حس وقراءة عميقة.
* اسم حسب الله يحيى يتردد صداه بين النقد والقصة بوصفه قديماً يتجدد باستمرار.

