« إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده». . . هذه المقولة الشهيرة تنطبق على اللافتات والإعلانات التي تملأ شوارع مدن الجزائر وساحاتها العمومية، حتى صارت تزاحم المارة وتعطل سيرهم. في العاصمة كما في وهران وسطيف وقسنطينة وبجاية وغيرها تصطف آلاف من الألواح الاشهارية والإعلانات المنتشرة على الأرصفة تروج لسلع وخدمات معظمها أجنبي، فيما تشهد المناسبات السياسية والرياضية والتجارية الكبرى تعليق لافتات قماش في الشوارع وعلى البنايات بأحجام وألوان وبشعارات مختلفة.

فخلال التحضير لأول انتخابات تعددية في تاريخ البلاد في يوليو 1990 أحصت سلطات العاصمة 155 لافتة قماش على الجزء الرابط بين كنيسة «القلب المقدس» والجامعة المركزية، من شارع ديدوش مراد بوسط المدينة على طول لا يتعدى الكيلو متر الواحد. وتخيل كيف يكون منظر الشارع حين تعلق به يافطة في كل ستة أمتار وعلى عرض الطريق والرصيفين معا وما ستؤول إليه الرؤية، ناهيك عن حجب أجمل بنايات المدينة عن الأنظار.

أما الملصقات الورقية على الجدران من صور المرشحين ونصوص البرامج والشعارات وما إليها، فغطت الرخام والخزف والأبواب الفاخرة والواجهات الزجاجية وحتى التماثيل وأعمدة الكهرباء. كانت تلك الانتخابات ومع أنها محلية تخص مجالس البلديات والولايات وليس البرلمان أو الرئاسة أول هبة إشهارية بذلك الزخم في تاريخ البلاد. كانت محل انبهار لا يضاهيه غير الانبهار الذي خلقه تنوع الخطاب السياسي وجرأة الخطباء على خرق المحظور بتوجيه نقد مباشر للسلطة أمام الملأ.

وسجل تجار الأقمشة خلال هذه الحملة عائدات قياسية، وحققت للخطاطين على القماش مداخيل يتذكرونها لسنوات. وبقدر ما كانت تلك المناسبة سخية من حيث تقديم الجديد لسكان بلد اعتاد الرتابة وكل شيء على المقاس حين كانت الدولة هي المالك .

وهي الموجه وهي الخطيب والمرشح والناخب وصاحب الحق كل الحق في الإعلان، كانت أيضاً بداية جدية للتفكير في حماية تراث المدينة من «دخيل » اقتحمها بلا إذن وهدد أشياءها الجميلة. وبدأ الحديث لأول مرة عن «الإعلان الفوضوي» بعدما كان الأمل معلقا على حملات شنتها السلطات وقتها لتخليص العاصمة من «البناء الفوضوي».

خطوط حمراء

كان الحديث الذي يدور في الهيئات الرسمية والأوساط الشعبية وفي وسائل الإعلام حول «الغزو الإعلاني» واسعا شيقا وتابعه بشغف عدد كبير من الجزائريين، وفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد. وانقسم المهتمون بالموضوع إلى معسكرين فمنهم من رأى أن المسؤولية الجماعية للحفاظ على تقاليد المدينة وصورتها تستدعي وضع خطوط حمراء تتوقف عندها حرية نشر الإعلان في الأماكن العمومية، كون هذه الأماكن ملكا مشتركا لا تجوز استباحتها من أشخاص أو جماعات لأغراض خاصة.

ورأى آخرون أن الإعلان مسألة حيوية في النهج الجديد الذي تبنته البلاد حيث القوى السياسية والقطاع الخاص الناشئ بحاجة إلى الترويج للسلع والخدمات والأفكار التي تتنافس في الساحة، وتحديد مجال الإعلان يناقض هذا النهج الجديد في مضمونه وشكله. وتاه الكثيرون وسط هذا الجدل وقدرة الفريقين على تقديم مبررات مقبولة وإن كان من غير الممكن الجمع بينها.

ونقل التلفزيون والإذاعة وكذا الصحافة المكتوبة نقاشات جمعت الأخصائيين في الاتصال والتجار ومواطنين عاديين بلغت درجة عالية من الإثارة والتشويق حين دخلت في التفاصيل كانسجام الإعلان مع البيئة التي يوضع فيها ليشكل طرفا في الديكور بما يرفع من جمال المكان.

وقوته الشكلية واللغوية التي يجب أن تكون ـ في كل الأحوال ـ أقوى من مستوى السلعة التي يروج لها. وأن تكون الإعلانات متنوعة وذات جمالية عالية وأن يسند تنفيذ مشاريع الإعلانات الاشهارية مهما كان نوعها لمؤسسات مختصة معترف لها بالتخصص والكفاءة، وما إليها من الجوانب المتصلة بعلاقة الإشهار بالمحيط.

ولقد خلق هذا الجو المفعم بالحيوية لأول مرة اهتماما لدى العامة بموضوع كان لنحو ربع قرن من الزمن ينحصر في دائرة ضيقة جدا بين إداريين وقلة من الفنيين في الشركة الوطنية للنشر والإشهار الحكومية التي تحتكر هذا النشاط، لكن هذه الحيوية لم تدفع إلى إيجاد قوانين لممارسة النشاط الإعلاني في الأماكن العمومية إلا حديثا.

زمن الفوضى

وأشارت دراسات إلى أن كل ما هو منافسة في الجزائر إن كان في الاقتصاد أو في السياسة أو غيرهما وما يرافق ذلك من مستلزمات الإعلان انطلقت بلا ضوابط وطبعها الارتجال بفعل اندفاع التوجهات الجديدة منذ بدايتها بسرعة قصوى تجاوزت القواعد المعمول بها في النظام الاجتماعي السابق دون أن توفر قواعد بديلة مطابقة لتطلعات العهد الجديد تضبط بها الأمور.

فوضى الإعلان

وأشارت إلى أن فوضى الإعلان تبلغ ذروتها في المواعيد الانتخابية حيث يلاحظ الجميع أن المرشحين عموما لا يحترمون المساحات الاشهارية المخصصة لهم ويتعدون على مجال الآخرين وهو يؤثر سلبا على تنشئة الأطفال والشباب على احترام الغير وملكه ورأيه.

كما أن المناسبات الرياضية الكبيرة كمنافسة كأس الجمهورية ومباريات «الديربي» يلعب فيها الإعلان دور المحرض بدل التحضير لأجواء الاحتفال. وتحدث الأخصائي في الإعلان عبد المؤمن والي لـ «البيان» عن ما سماه استيعاب المدينة للسيل الإعلاني.

وقال « خلال 15 عاما الماضية لم تكن الممارسة الإعلانية على قواعد، وأرى أن الإعلانات واليافطات في معظم الأحيان تخاطب نفسها ولا تجد لها صدى لدى الجماهير لأسباب أهمها أن الجانب الجمالي فيها نادر وأن معظمها يحمل أخطاء لغوية مباشرة أو صيغ بلغة مستهلكة غير جذابة.

إن كثرة الإعلانات وبقائها معلقة حتى بعد انتهاء فترة صلاحيتها ينقص الكثير من قيمتها ويجعلها مبتذلة، فثمة مؤسسات رسمية وغير رسمية تعلق يافطات قماشية في مناسبات وتنساها لشهور حتى تتعامل معها عوامل الطبيعة وتحولها إلى مجرد قطع قماش تشوه المنظر.