هذه الملصقات التي باتت تملأ شوارع العاصمة بيروت تتعدد وظائفها بين التجاري والسياسي في مدينة ينفق ناسها معظم أوقاتهم على أحاديث السياسة، وتتداخل الملصقات الإعلانية في الشوارع والأحياء إلى حد الفوضى المطلقة كما يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية الدكتور زهير مناصفي الذي يعتبر أن تزاحم الملصقات التجارية .
ووضعها في أماكن غير ملائمة كسد الواجهات البحرية أو أي مشهد طبيعي آخر يخلق ردة فعل عكسية لدى المواطنين ويخسر بالتالي الإعلان هدفه الترويجي، ولفت إلى أن الكثير من الملصقات الدعائية في لبنان موضوعة بطريقة عشوائية وفي غير الأماكن المخصصة لها وهذا الأمر يلتبس على الناس الذين يرضخون للأمر ويصير الممنوع مقبولا ومسموحا أو كأنه أمر حضاري لا بد منه.ويميز مناصفي بين نوعين من الملصقات، التجارية التي تروج لسلعة والسياسة التي تبيع فكرة وإيديولوجيا، والنوعان هدفهما جذب الانتباه والاهتمام، وإذا ما كان الموضوع استهلاكيا تنعقد الشعارات حول النجاح ومفاتيحها الشباب والجمال والصحة، وإذا ما كان سياسيا فيتناول الإيديولوجية وغيرها من المواقف التي تحرك المجتمع.
واعتبر أن التوجه نحو الملصقات الشارعية يأتي بناء على دراسات أثبتت أنه في ظل وجود كم هائل من الإعلانات في الوسائل المرئية والمسموعة أصبحت مشاهدة الإعلان من قبل المواطن انتقائية بعد أن تحول إلى فسحة صغيرة يمارس الناس خلالها أنشطة محدودة أثناء البث.في حين يختلف الأمر مع الملصق الشارعي الذي يضعك ضمن آلية متسلطة سريعة لا مجال لمحاورتها ولا لتلافيها ولو لثواني تربط نزوات طبيعية بمسيرات اصطناعية أي المنتوج أو الفكرة لتصل إلى استجابة الشراء أو تبني الفكرة، وهو يتلاعب على النقص ليسد الحاجة في مكان ما ويطرحها من وجهة لا تثير الشبهة أي لا تنفر بل تدغدغ نرجسية الناس من خلال مدحهم، معتبرا أن هذا النوع من الدعاية يخلق حاجات اجتماعية يمكن أن تكون صحيحة أو وهمية.
وأكد أن الإعلان يهيء المتلقي ولا يدفعه مباشرة إلى الشراء، مشيرا إلى أن مضمون الملصقات التجارية ليس التعريف بالشيء فقط بل الاستقطاب من خلال شعار يحرك الجماعة ويعد بتحقيق الهدف من خلال طرح شعارات رائدة تحفيزية إذ يستخدمون الانفعال والعاطفة والرموز الخيالية لاستقطاب. وهو أي الملصق كفن مركب يضع العالم بين يديك وتصبح علاقة المتفرج الحالم الذي يأخذك إلى عوالم أخرى، وقال الأهم في استراتيجية الملصق هو خلق اختلافات وهمية عن سلع متشابهة تقنيا وهذا يدخلنا في التمايز الاجتماعي وفي عامل الثقة.
وقال الباحث والفنان التشكيلي زياد توبة، استهلت الحكومات اللبنانية بعد اتفاق الطائف مشروع إعادة الإعمار بمخالفات كبيرة على مستوى التخطيط المدني، وقد تراكمت الأزمات على مستوى المشهد الجمالي العام للمدن جراء فوضى الأعمار، من هنا فإن ما تسببه اللوحات الإعلانية نتيجة السياسات المتعاقبة يشكل مشهدا كارثيا داخل فضاء المدن اللبنانية.
واللوحات الإعلانية واحدة من الأشياء التي نشأت وتناثرت ولا يمكن أن يغفل ما تراكم بعد الحرب الأهلية على مستوى التخطيط المديني بعشوائية متفلتة من الرقابة والتخطيط المسبق، ولم تكتف شركات الإعلان بالتوزيع العشوائي على الأسطح والطرقات بل اقتحمت كل المساحات المتوفرة على أسطح الأبنية ولفّت الأبنية بلوحات شاهقة تخل في توازن المشهد البنياني للمدينة،الذي طالته أصلا العمارة العشوائية.
وقد ساهمت اللوحات الإعلانية في حفلة الجنون القائمة على مستوى العمران «الرمادي» الذي لا يتمتع بأي هوية عمرانية وبأي مشهدية جمالية. لقد تناثر فضاء المدن تحت وطأة التشوهات التي تراكمت جراء ذهنية الربح السريع على حساب المشهد الجمالي لأبل على حساب كل الاعتبارات الثقافية والاجتماعية.
إزاء التأثيرات الثقافية والجمالية يبقى دور المؤسسات الرسمية في تنظيم هذه الظاهرة، ويؤكد مسؤول لجنة الإعلام في بلدية بيروت علي بيضون وجود مرسوم بلدي ينظم هذا القطاع إلا أن هناك مخالفات كثيرة تحصل لاسيما خلال العامين الأخيرين في ظل انشغال الجميع بأوضاع البلاد المتأزمة.
إضافة إلى وجود شعارات وملصقات قديمة تعود لسنوات الحرب، وقال لقد حررنا عشرات المخالفات وتسعى البلدية إلى ملاحقة المخالفين لإزالة ملصقاتهم عن الطرقات وبشكل خاص الرئيسية التي تعكس وجه المدينة الحضاري.



