الكتاب المعنون باسم مصر للكاتب فيليب كونراد مقسم إلى عدة فصول وكل فصل يتحدث عن حقبة معينة من تاريخ مصر. الفصول الأولى مخصصة لمصر القديمة الفرعونية. والفصول التالية مخصصة لمصر المسيحية أو القبطية.

والفصول الأخيرة مخصصة لمصر العربية الإسلامية. هكذا نلاحظ أنه تعاقبت على تاريخ هذا البلد العظيم عدة أحقاب وعدة حضارات مختلفة. إنها متراتبة أو متراكمة فوق بعضها البعض كالطبقات الجيولوجية. ولا ينسى المؤلف أن يتحدث عن طبقة رابعة هي طبقة الحداثة التي ابتدأت مع غزو نابليون بونابرت للبلاد ثم بشكل أخص مع حكم محمد علي باشا الذي أدخل مصر في الحداثة فعلاً.

يقول المؤلف في فصل بعنوان: محمد علي مؤسس مصر الحديثة: في عام 1801 كان الفرنسيون قد غادروا مصر للتو. وعادت مصر إلى سابق عهدها لكي تصبح إقليماً تابعاً للإمبراطورية العثمانية. وهكذا فقدت الاستقلالية الذاتية الكبيرة التي كانت تتمتع بها إبان حكم المماليك الذين قضى عليهم الإمبراطور الفرنسي.

وهذه حالة لم تكن تناسب النخب العربية الراغبة في الاستقلال على الأتراك. ومعلوم أن تدخل نابليون أشعل لديهم الحس الوطني المصري والعربي الأصيل. ولكن في ذات الوقت كانت هناك ثلاث قوى تريد أن تفرض نفسها على البلاد: الانجليز، والسلطان العثماني، والمماليك الراغبون في إعادة حكمهم أو استعادته من جديد.

ثم يردف المؤلف قائلاً: في مثل هذه الظروف بالذات يظهر على مسرح التاريخ شخص استثنائي يدعى: محمد علي. وعلى الرغم من أنه ليس مصريا أبدا إلا أنه استطاع أن يصبح زعيم مصر وقائدها ومؤسس السلالة الحاكمة فيها ومدشن نهضتها وعزتها القومية. وهذا من أغرب الأمور وعجائب المصادفات في التاريخ.

فالرجل ولد في ألبانيا بمنطقة مقدونيا عام 1769، ثم أصبح جنرالا في الجيش العثماني. وشاءت الصدفة أن يرسلوه إلى مصر على رأس حامية عسكرية. وهناك عرف كيف يقضي على المماليك ويحل محلهم على رأس الدولة. ومعلوم أنه أوقع بهم عن طريق الحيلة. فقد دعا زعماءهم إلى حفلة عشاء في القلعة الشهيرة. وبعد أن دخلوا واستقروا غدر بهم وأمر قواته بفتح النار عليهم فمزقهم اربا اربا. وعندئذ استقر له الوضع وحكم مصر لمدة نصف قرن تقريبا. ولم تقم للمماليك قائمة بعدئذ.

ثم راح يرسل البعثات إلى الخارج وبخاصة إلى فرنسا لأنه كان معجبا بالحضارة الفرنسية أكثر من غيرها. وكان على رأس أولى البعثات ذلك الشخص الذي سيصبح رائد النهضة في مصر والعالم العربي: رفاعة رافع الطهطاوي. وبعدئذ ظلت سلالة محمد علي تحكم مصر حتى أطاح بها جمال عبد الناصر عام 1952 عن طريق ثورة الضباط الأحرار.

وهذا يعني أن هذه السلالة الألبانية الأصل حكمت مصر من عام 1805 إلى عام 1952: أي طيلة قرن ونصف. وكان جمال عبد الناصر أول مصري أو عربي يحكم مصر منذ زمن طويل. يقول المؤلف بهذا الصدد ما معناه:

إن الرجل الذي استطاع أن يفرض نفسه على زملائه بعد سنتين على اندلاع الثورة كان يدعى جمال عبد الناصر. وسوف يكون تأثيره حاسما ليس فقط على مصر وإنما على العالم العربي ككل أيضا. ولكن بعد أربعين سنة من موته لم يعد يثير أي حنين لدى الشعب المصري. بل إن تراثه السياسي يبدو شاحبا ولا أحد يريد العودة إليه أو إلى عهده. وهذا من أغرب الأمور. فالرجل كان الأكثر شعبية في تاريخ مصر والعرب. ولكن سبحان مغيّر الأحوال.

لقد جسّد عبد الناصر مرحلة القومية العربية كأقوى وأجمل ما يكون. وبدا وكأنه البطل الذي ينتظره العرب منذ زمن طويل. ولكن التحديات التي واجهها جمال عبد الناصر كانت ضخمة ومتعددة وربما أكبر من إمكانيات مصر ذاتها. وقد استطاع أعداؤه في نهاية المطاف القضاء عليه وبخاصة بعد نكسة خمسة حزيران الرهيبة.

ولكن عبد الناصر حافظ على هيبته بعد موته لدى العرب. فذكراه محفوظة ومحترمة على عكس معظم القادة الآخرين. يضاف إلى ذلك أن العصر الأصولي الذي حل محله لم يكن بأفضل منه. على العكس تماما، ولذلك فإن بعض العرب يتأسفون عليه وإن كانوا لا يريدون العودة إلى نظام الحزب الواحد والمخابرات والتضييق على الحريات.

ثم يتحدث المؤلف عن نجيب محفوظ ويقول: إنه أكبر روائي أنجبته مصر في تاريخها كله. بل إنه أكبر روائي شهده العالم العربي بمجمله. وهو مفخرة العرب لأنه الوحيد الذي نال جائزة نوبل من بين كل الأدباء والشعراء والمفكرين الآخرين.

كان نجيب محفوظ هرما من أهرامات مصر. وقد عاصر كل العهود من العهد الملكي أيام فاروق، إلى العهد الثوري أيام عبد الناصر والسادات وحسني مبارك حتى توفي أخيرا عن عمر مديد. ورواياته تصور كل التطورات التي طرأت على المجتمع المصري منذ بدايات القرن العشرين وحتى نهاياته.

ومعلوم أنه استقبل بحماسة ثورة الضباط الأحرار عام 1952 بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر. ولكنه غير رأيه فيما بعد عندما لاحظ أن النظام الجديد يشير باتجاه الديكتاتورية ونظام الحزب الواحد والجريدة الواحدة والصوت الواحد.

والواقع أن نجيب محفوظ كان ديمقراطيا حقيقيا. لقد كان ليبراليا معجبا بطه حسين وأحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وكل ذلك الجيل الذي صنع مجد الآداب المصرية والعربية. وبالتالي فكان متعلقا إلى أقصى الحدود بالحرية الفكرية والتعددية السياسية والصحفية

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: إن مصر على مفترق الطرق.

فإما أن تنجح في تجربتها الديمقراطية وتستمر على خط التحديث العقلاني وإما أن ينتصر تيار الإخوان المسلمين ويشكل فيها جمهورية إسلامية كما حصل في إيران والسودان وأماكن أخرى، ولذلك المستقبل القريب سوف يقول لنا في أي اتجاه ستسير مصر.

الكتاب: مصر

تأليف: فيليب كونراد

الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2008

الصفحات: 398 صفحة

القطع: المتوسط

Egypts

Philippe Conrad Presses

Universitaieres de France Presses Paris 2008

P.398