قرر الفنان والروائي جورج دو مورييه جد الروائية الشهيرة دافن دي مورييه، بعد مضي سبع سنوات من عمله كرسام كاريكاتير في مجلة بانش وحينما كان رائد ذلك الفن وفي أوج شهرته، أن يتحول إلى كتابة الرواية. وقد لاقت أعماله الروائية الثلاثة نجاحا كبيرا، وحققت أفضل المبيعات في انجلترا وأميركا.
وبينما حققت رواية مورييه الأولى بعضا من النجاح، فإن «تريلبي» وصلت في نجاحها إلى قمة السماء وهو المصطلح الذي كان يستخدمه الفرنسيون في تلك المرحلة. تلك الرواية ألهمت الموسيقيين وملحني الأوبرا والمسرحيين لتشمل عموم الناس، ويذكر أن مدينة في فلوريدا اختارت لشوارعها أسماء أبطال روايته، كما وصل الأمر إلى الأزياء والمأكولات. من خلال الفن والخيال معا شكل عالما من فردوس الأحلام حيث لا مكان للزمن أو الحقيقة المرة. ومن خلال تلك الأحلام كان يسعى لتغييب حتمية الموت. وبعد مضي ربع قرن من الرسم الساخر لأوساط المجتمع الارستقراطي، وجد مساحة واسعة من الحرية في التواصل والحركة والحوار المكثف من خلال الرواية.
ساهم دو مورييه عبر أعماله الثلاثة في تحديث الرواية الرومانسية التقليدية من خلال الولوج إلى العقل الباطن. ومن الذاكرة والأحلام والتنويم المغناطيسي والتواصل الحر والتداعي والكتابة الآلية تتألف الظواهر الست التي اهتم بها الطب النفسي وتناولها الكاتب في أعماله.
وفي نهاية عام 1894 بدأ دو مورييه العمل على روايته الثالثة «من المريخ». وفي ذات الشهر الذي نشرت فيه الحلقة الأولى من عمله في المطبوعة الشهرية «هاربرز مانثلي»، توفي دو مورييه بأزمة قلبية مثل سفينجالي وكان ذلك في 8 أكتوبر 1896.
وطلب في وصيته أن يكتب على قبره «القليل من الثقة في أننا حين نموت نجني ما زرعناه لذا الوداع» ومن أهم أصدقائه الأديب هنري جيمس الذي آمن بموهبته وشجعه على تجربة الكتابة وكان دي مورييه حينها في الخامسة والخمسين من عمره. ويطرح دو مورييه في روايته «تريلبي» عدة محاور منها سحر الموسيقى وقوة تأثيرها على الناس وإفساد البراءة وحب السيطرة والطمع.
وجمع في شخصية بطل العمل سفينجالي التي حققت شهرة واسعة، بين أربع شخصيات غامضة، اليهودي المرتحل وأورفيوس الموسيقي والشيطان والكابوس الذي يهيمن على النيام. ويظهر دي مورييه جوانب كل شخصية بحرية كاملة فاليهودي يتقبل السخرية واحتقار الآخرين له للوصول إلى هدفه، وأورفيوس المخلوق الشيطاني الذي يسخر موهبته الموسيقية لاكتساب القوة والسيطرة. كما بات اسم الشخصية بمثابة مصطلح يستخدم لوصف نموذج من الناس فيه من صفات سفينجالي.
أما شخصية البطلة تريلبي، فتمثل البراءة ونقيضها والعفوية والضعف ودور الأم المدبرة.
وتتجلى تناقضات شخصيتها من خلال حياتها اليومية، فهي تعمل كموديل عارية لثلاثة فنانين شبان من بريطانيا يسكنون في باريس في استوديو في الحي اللاتيني لمتابعة دراستهم للفن.
كانت تريلبي بعد انتهاء ساعات عملها عند الشبان الثلاثة وهم ليتل بيلي والليرد وتافي، تقوم بالأعمال المنزلية لهم، مما عمق روابط الصداقة فيما بينهم مع التقدير والاحترام لتلك الشابة التي أعادت لبيتهم الأجواء العائلية. ودفعت طبيعتها البسيطة الشبان إلى إحاطتها برعايتهم وحمايتها من الآخرين والدفاع عن طهارتها ونقائها.
لم يكن لتريلبي اليتيمة من معيل سوى مدرس الموسيقى سفينجالي الذي كانت ترهب جانبه وتخشاه، وحينما نمت مشاعر الحب بينها وبين ليتل بيلي، بدأت تحدثه عن مخاوفها منه وكانت تراه في أحلامها مثل عنكبوت ضخم له رأس سفينجالي.
وعندما تناهى إلى والدة ليتل بيلي رغبة زواج ابنها من تلك الفتاة، سارعت إلى باريس والتقت بتريلبي ورجتها أن تبعد عن ابنها لأن مثل هذا الزواج كفيل بتدمير مستقبل ابنها والعائلة بأجمعها، وتنجح في إقناع الفتاة بالابتعاد عن ولدها.
وفي تلك الأثناء كان سفينجالي قد يئس من تعليم تريلبي الغناء نظرا لعدم امتلاكها الحس الموسيقي، وكان الشبان الثلاثة يمقتونه وفي ذات الوقت يرهبون جانبه ويتحاشون التواصل معه. وبعد مضي أعوام وأعوام يسمع الشبان الثلاثة عن مغنية اشتهرت بروعة غنائها وصوتها في جميع أنحاء أوروبا. ومن اسمها «لا سفينجالي» عرفا أنها زوجة ذلك المدرس الموسيقي الغامض.
وحينما يعلن عن عرض للمغنية في لندن يذهب الشبان الثلاثة بشوق لسماعها. وكم كانت دهشتهم كبيرة حينما وجدوا على خشبة المسرح الفتاة تريلبي لا غير، وأدهشتهم بإطلالتها المميزة، فقد كانت جامدة في وقفتها وكان وجهها خاليا من أي تعابير وعيناها كما لو أنهما زجاجيتان.
المؤلف في سطور
ولد جورج لويس بالميلا بوسون دو مورييه في 6 مارس 1834 في باريس من أب فرنسي وأم بريطانية، ودرس فيها الفن ثم انتقل إلى بلجيكا حيث فقد بصره في عينه اليسرى. وفي ألمانيا التقى بإيما وايتويك التي أصبحت زوجته عام 1863.
وفي عام 1865 أصبح من موظفي المجلة النقدية«بانشوكان» يقدم رسما كاريكاتوريا مرتين في الأسبوع. وبسبب ضعف بصره بدأ دو مورييه عام 1891 بتقليل مسؤولياته في المجلة واستقر في هامبستيد، حيث كتب رواياته «بيترإيبيتسون» ونشرت عام 1891، و«تريلبي» عام 1894، و«من المريخ» 1897
الكتاب: تريلبي
تأليف: جورج دو موريية
الناشر: إنترناشيونال بورك 1899
الصفحات: 464 صفحة
القطع: المتوسط
Trilby
George Dumaurier
International Book 1899
P.464

