يعد كتاب «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» من أهم الكتب التي ألفت في الحب، بل هو أنفعها، وهو كما قال فيه المؤلف: يصلح لسائر الناس وهو عون على الدين والدنيا، والقارئ يجد فيه ما يشبع نهمه إلى هذا اللون من المعرفة.
لأنه يجمع إلى الكلام عن الحب وفلسفته ومذاهب الناس فيه، رأي الشريعة وحكمتها وأدبها، وهو روضة حافلة بالطرائف الأدبية والمسائل الفقهية، إلى جانب ما يشيع فيه من ألوان الغزل الرقيق والوعظ الرفيق.مؤلف كتاب «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» هو العلامة الفقيه ابن قيم الجوزية، من أئمة الدين، ورائد من رواد التحرر الفكري، وداعية من أعظم دعاة الاجتهاد ونبذ التقليد الأعمى.
ابن قيم الجوزية: هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي، ولد سنة 691 ه، وتوفي سنة 751 وبذلك يكون قد مات وعمره يقارب الستين عاماً، وليس غريباً وقد نشأ «ابن القيم» في عصر ازدهر فيه العلم وكثر العلماء، أن يكون غزير المعرفة، واسع الثقافة، وقد وجد السبيل أمامه ممهداً لدراسة العلوم الشرعية والعربية وعلم الكلام والتصوف.
كذلك كان قسطه من دراسة التاريخ وعلم الاجتماع وافراً، وقد يعجب القارئ إذ عرف أنه كان عظيم الدراية بالمسائل الأدبية والنحوية وفنون الشعر، وانه كان ملماً بكثير من العلوم التي كانت معروفة في عصره إلمام الخبير.
جعل كتابه «روضة المحبين» في تسعة وعشرين باباً، منها: في أسماء المحبة، في اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها، في دواعي المحبة ومتعلقاتها، في ذكر مناظرة بين القلب والعين، في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه، في أن اللذة تابعة للمحبة في الكمال والنقصان، في ذكر فضيلة الجمال، في علامات المحبة .
من الباب الثاني والعشرين: في غيرة المحبين على أحبابهم: وغيرة العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة يحبها الله وغيرة مذمومة يكرهها الله، فالتي يحبها الله أن يغار عند قيام الريبة، والتي يكرهها أن يغار من غير ريبة، بل مجرد سوء الظن، وهذه الغيرة تفسد المحبة وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه.
وفي الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتعجبون من غيرة سعد: لأنا أغير منه والله أغير مني»، وقال: «عبد الله بن شداد» الغيرة غيرتان: غيرة يصلح بها الرجل أهله، وغيرة تدخله النار. والله سبحانه وتعالى يغار على قلب عبده أن يكون معطلاً من حبه وخوفه ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فالله سبحانه وتعالى خلقه لنفسه واختاره من بين خلقه.
كما في الأثر الإلهي: ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عن ما خلقتك له».وهناك غيرة مذمومة، منها غيرة يحمل عليها سوء الظن، فيؤذي بها المحب محبوبه، ويغري عليه قلبه بالغضب، وهذه الغيرة يكرهها الله، إذا كانت في غير ريبة، ومنها غيرة تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقه، كما ذكر عن جماعة أنهم قتلوا محبوبهم .
