الإخلاص في الحب ترف لا يناسب حياتنا نحن البحارة، ظلَّ القبطان ثيو بابادوبيلوس واقفاً في مواجهتي وهو يشرح باقتضاب حقيقة الوضع في غرفة محركات الباخرة. عندما كف عن الكلام لاحظت لأول مرة أن قمرته مزدحمة بما فيها من أمتعة، وخلال لحظات الصمت، انتابني إحساس بأن القمرة قد ازدادت ضيقاً عما كانت عليه عند دخولنا.

نظرت إلى مساعد القبطان ستايروف اليوناني ـالقبرصي الجالس إلى يميني فبدا لي أنه مثلي لم يكن يتوقع أن تكون الأمور بهذا السوء. جلس بابادوبيلوس خلف مكتبه المصنوع من خشب الجوز القابع في صدر القمرة، أفرغ الرماد من غليونه في نفاضة كريستال كبيرة، حشاه بالتبغ وهو يلقي علي نظرة متفحصة بطيئة. قال وهو يشعل الغليون بلغة إنجليزية ذات لكنة واضحة: ـ «العودة إلى ميناء سانت جون غير واردة مطلقاً، والانتظار لحين وصولنا إلى ميناء هاليفاكس مستحيلة». نظر إلى مساعده كما لو أنه خجل من عجزه، تنحنح وهو يشبك يديه ويضمهما إلى صدره كعادته عندما يريد أن يتخذ قراراً صعباً:

ـ «لابد أن نصلح العطل دون أن نتوقف. أضعنا الكثير من الوقت، وإذا لم نقم بإيصال الحمولة إلى كاركاس في الموعد المحدد سينطبق الشرط الجزائي على رقابنا كفكي قرش مفترس!»

بسط كفيه كما لو انه يصلي:

ـ الأكثر سوءاً من انفجار أنبوب وحدة التبريد، هو أن وحدة الطاقة قد توقفت عن توليد التيار الكهربائي، ومؤشرات شدة التيار تنخفض بسرعة لهذا لا نستطيع إيقاف المحركات، لأن ضعف التيار قد لا يمكننا من الإقلاع بها مرة أخرى.

شفط الهواء من منخريه مطلقاً تنهيدة تنم عن شعوره التام بالعجز. أطرق مقطباً:

ـ «الأسوأ من كل ما سبق هو أن الأنبوب المنفجر يمر في نفق خدمات ضيق لا يسمح بارتداء كمامة، كما أنه عديم التهوية، وقد حاول الحداد إدخال لحام الأكسجين إليه لإصلاح العطل لكنه اختنق بالغازات قبل أن يباشر العمل».

نقل عينيه بيني وبين ستايروف، قال بشيء من الحرج:

ـ «إصلاح العطل يحتاج من خمس إلى عشر دقائق، وقد قرأت في سجلك أنك عملت غواصاً لبعض الوقت. هل تحسن استعمال لحام الأكسجين ؟»

هززت رأسي بتوجس إذ خمنت ما يرمي إليه.

هب واقفاً كما لو أن النار قد اشتعلت في ثيابه:

ـ «أنت أملنا الوحيد أيها السوري، يجب أن تتصرف فوراً!»

أوَّل من تذكرته وأنا أزحف في نفق الخدمات وشعلة الأكسجين الزرقاء تتراقص على بعد بضعة سنتيمترات من وجهي هو أبى الحاج مصطفى. كنت في السابعة من عمري عندما سرقت ليرة من جيبه لحضور فيلم «هرقل يغزو جوف الأرض».

لم يضربني يومها، بل أجلسني قبالته وراح يحدثني بهدوء مرعب. قال لي إن من يسرق صوصاً يسرق جملاً، وأفهمني أن السارق يحشر مع الكافر والزنديق والقاتل في جهنم وبئس المصير: «كلاَّ ليُنْبَذَنَّ في الُحَطَمة، وما أدراك ما الحُطَمَة، نار الله الموقدة، التي تطَّلع على الأفئدة، إنها عليهم مؤصدة، في عَمَدِ ممددة» صدق الله العظيم !

شرعت في لحم الأنبوب المنفجر فبدأت السوائل المتبقية فيه تتحول إلى أبخرة خانقة، وبما أنه ليس من منفذ للتهوية فقد وجدت نفسي في غيمة سامة من أبخرة الزيوت والكلس المحترق بالأكسجين. قلت متهكماً في سري: «كنت تُشَكِّك بوجود جهنم في الآخرة فإذا بك تكتوي بنارها هنا على الأرض!».

كتمت نفسي مستثمراً المهارة التي نميتها أثناء الغوص حتى آخرها، أنجزت نصف العمل تقريباً قبل أن أبدأ بتنفس الأبخرة السامة. في البداية أحسست بخدر في أعلى رأسي وزوغان في عيني، ثم شعرت بالنار تنتقل إلى عيني ومنهما إلى جسدي كله. انتابني شعور شديد بالغثيان أيقنت معه أنني سأفقد وعيي قبل أن أكمل سد الفجوة لكنني واصلت العمل حتى لم اعد أرى شيئاً.

أفقت وقناع الأكسجين يغطي فمي وأنفي. عبر غلالة الغَبَش رأيت ابتسامة امرأة ترتدي مئزراً أبيض، كان وجهها جميلاً يغطيه نمش خفيف كنثار الذهب. ظننت أنني ميت وأنها ملاك جاء يحاسبني، لكن يدها الدافئة التي تجس نبضي، ووجود القبطان ومساعده إلى جوارها، جعلني أدرك أنني ما زلت حياً. سألتها:

ـ «أين أنا»

أجابتني بالإنجليزية قائلة بلطف بالغ:

ـ «أيها السيد أنت في ميناء هاليفاكس، كندا».

التفتت الطبيبة إلى القبطان وقالت بلهجة عملية:

ـ بحاركم الشجاع هذا بحاجة إلى استشفاء، كم ستبقون في الميناء؟»

قال القبطان بتوجس:

«يجب أن نغادر فور انتهائنا من التزود بالوقود».

قطبت الطبيبة، قالت بهدوء:

ـ «في هذه الحالة، عليكم أن تتركوه هنا، لأنه يجب أن ينقل إلى المشفى فوراً »

خيم الوجوم على القبطان ومساعده، قال ستايروف:

«عفواً أيتها الطبيبة، لكن خط عودتنا لا يمر بها ليفاكس!»

زمت الطبيبة شفتيها كما لو أن الأمر لا يعنيها.

ـ «اللوائح واضحة بهذا الصدد، بحاركم بحاجة للاستشفاء، يجب أن يكون تحت ملاحظة طبية مكثفة طوال الأيام الثلاثة القادمة، وفي حال ممانعتكم سأدون هذا في سجل السفينة». خيم الوجوم على الجميع، رفعت قناع الأكسجين عن وجهي قلت بصوت واهن لا يشبهني:

ـ «أنا في وضع جيد. ولا أريد مغادرة السفينة».

انشرحت أسارير القبطان بابادوبيلوس، قطبت الطبيبة، قالت باستغراب وشيء من النزق:

ـ «هل أنت متأكد!»

هززت رأسي بالإيجاب، أحسست بضيق في صدري فأعادت الطبيبة قناع الأكسجين إلى مكانه وكررت سؤالها بجدية تامة:

ـ «أسألك مرة أخرى، هل أنت متأكد!»

قلت لها بشيء من نزق من وراء قناع الأكسجين:

ـ «نعم، مرة أخرى، أنا متأكد تماماً !»

عندها أعطتني ظهرها كما لو أنها أرادت أن تقول لي إن من يستخف بحياته لا يستحق احترام الآخرين. خاطبت الطبيبة القبطان:

ـ «في هذه الحالة، يجب أن تدخلوه إلى المستشفى، في أول ميناء تصلون إليه، لابد أن يراه طبيب متخصص في أمراض الصدر، ولكي لا يفوتكم هذا سأدونه في سجل السفينة».

قبل الغرق في تلك الغيمة السامة لم ألزم الفراش بسبب المرض أبداً. أسماني أبي (الدلفين) لأنني كنت أمضي معظم وقتي في البحر وأخرج للصيد حتى في عز الشتاء، وعندما كان الجميع يلزمون أسرتهم بسبب الأنفلونزا كان أقصى ما يصيبني هو أن أطلق عطستين أو ثلاثاً حتى لو أمضيت نهاري كله عارياً تحت المطر!

شعرت بالندم على ما فعلت بعد مغادرة ميناء هاليفاكس. ففي اليوم التالي ازداد شعوري بالغثيان، وازداد جسدي ثقلاً وصارت أنفاسي تخرخر. كان واضحاً من خلال صفرة القسم الظاهر من جسدي، أن الغيمة السامة التي لدغتني قد تأخذني بصورة نهائية إلى الغيوم. اليوم جاء القبطان ثلاث مرات ليطمئن عليَّ، وفي المرة الأخيرة قال لي مربتاً على كتفي قبل أن يغادر قمرتي:

ـ «تماسك أيها السوري، عصر الغد نصل إلى ميناء بوسطن...تماسك».

عندما بقيت وحدي شعرت بالشفقة على نفسي وتصاعدت غصة سدت بلعومي، قلت في سري «هاهو دلفينك يا أبي يغرق في شبر ماء !»

خلال الفترة التي أمضيناها في أثينا قبل الانطلاق في رحلتنا الطويلة هذه إلى كاراكاس، كنا نلتقي في غرفتها الضيقة في حي كاليثيا كل يوم. كانت تصر على البقاء معي طوال فترة وجودي على اليابسة، وقد رآها بابادوبيلوس، مرات عدة، توصلني إلى حوض ميناء بيراس، وفي إحدى تلك المرات رآها تطوق جسدي الضخم بذراعيها وتدفن وجهها في صدري، بينما كنت أنا شاحباً مغلق العينين. يومها استوقفني وقال لي بمودة ولطف أبويين:

ـ «صحيح أنك ضخم كالحوت، لكنك تحمل في داخلك قلب طفل صغير. اسمع يا خالد، الإخلاص في الحب ترف لا يناسب حياتنا نحن البحارة».

كنت أتسكع بالقرب من ميناء بيراس عندما رأيتها لأول مرة، رمقتني بنظرة من فوق كتفها الأيمن وهي تعبر الشارع بينما النسيم يداعب شعرها الأسود المنسدل. كانت قد استحوذت عليَّ لدرجة أنني تابعت النظر إليها من فوق كتفي الأيسر حتى ارتطمت بعمود الإنارة كما في الأفلام. وقفت متلوياً من الألم اضغط يدي على صدغي. وعندما رأتني على هذه الحال انفجرت بالضحك وعادت، وقفت أمامي، تأملتني للحظة ثم مدت يدها :

ـ «ماريا سيفيريس»

ضحكت بدوري. مددت يدي مقاوماً شعوري بالألم شددت على يدها، قدمت نفسي:

ـ «خالد البحري»

سألتها عما إذا كانت تتكلم الإنجليزية، فأومأت بالإيجاب وسألتني من أي البلاد أنا.

ـ «من اللاذقية... سوريا».

ابتسمت وسألتني باهتمام

ـ «هل تعرف أوغاريت؟»

أذهلتني المصادفة، قلت بحماس:

ـ أنا من هناك! هل سبق لك أن ذهبت إلى أوغاريت؟»

نظرت إلي بتشكك إذ ظنت أنني افتعل الكلام رغبة في التودد إليها. فعرضت عليها جواز سفري.

أشرت إلى اسم رأس الشمرة على الجواز قلت لها بإخلاص شديد.

ـ «انظري هنا، مكان الولادة رأس الشمرة، ورأس الشمرة هي القرية التي تقوم حاليا، على أنقاض مملكة أوغاريت التي أبيدت قبل أربعة آلاف سنة، حوالي عام 1180 قبل الميلاد».

أخذت الجواز من يدي وراحت تتفحصه كما لو أنها ضابط هجرة، غمغمت:

ـ «أمر لا يصدق! أنت من ذلك المكان فعلاً»

يومها ظللنا نمشي في الشوارع حتى أنهكنا، كانت تحدثني عن أوغاريت (الحقل المحروث)، التي عرفت بداية الاستقرار الزراعي للإنسان منذ مطلع الألف الثامن قبل الميلاد ، أي قبل عشرة آلاف عام من الآن. قالت لي بحماس:

ـ «يبدو ان أجدادك الأوغاريتيين قد أعطوا البشرية أصل كل الأبجديات،ونحن الإغريق أخذنا عنهم ترتيبنا الأبجدي».

قلت لها بجدية:

ـ «هذا صحيح فترتيب الحروف في الأبجدية الاوغاريتية والعربية هي ألف باء جيم دال، وهو الترتيب نفسه باليونانية: ألفا بيتا جاما ديلتا»

ضحكت وتابعت قائلاً بين الجد والمزاح:

ـ «لكن يبدو لي أنك الشخص الوحيد في اليونان الذي يقر بهذا الأمر»

قطبت قائلة بشيء من الاستياء:

ـ «هذا غير صحيح، نحن اليونانيين نقر بهذه العلاقة، منذ زمن طويل، فالمؤرخ اليوناني (هيرودوت ) قال بوضوح: «إن اليونانيين تعلموا فن الكتابة من الساحل السوري».

كانت مهووسة بالتاريخ وتدرسه في جامعة أثينا، وفي أوقات فراغها تعمل كمرشدة سياحية.

أخيراً قادتني إلى مطعم صغير تعرفه في المدينة القديمة. عقب جلوسنا قالت لي كمن يكشف سراً إن عائلتها من جزيرة كريت، وجدها، الذي سماها على اسم أمه، كان يعتقد أن أهل كريت يرتبطون بصلة نسب ما مع العرب، وكان يستشهد على ذلك بوجود كثير من الكلمات العربية في لغتهم.

قلت لها مبتسماً:

ـ «قد يكون هذا صحيحاً، ماريا اسم عربي أصله مريم وقد حذف حرف الميم من آخره للتخفيف. وقد يكون اسم عائلتك الصفوري. من يعلم قد تكون ماريا سيفيريس هي...مريم الصفوري».

عندما نطقت باسم الصفوري لم أستطع ان أمنع نفسي من الضحك.

أخبرني القبطان بابادوبيلوس لاحقاً أنه قد جاء في آخر الليل ليطمئن علي فرآني أبتسم في نومي. قال متشاقياً:

ـ أعرف جيداً لمن كانت تلك الابتسامة.

تابع مبتسماً بلطف وامتنان بالغين:

ـ «نحن على مشارف خليج ماساشوستس، وقبل غياب الشمس ستكون سفينتنا راسية في ميناء بوسطون، وستكون أنت بين أيدي أمينة» راقبت نقاط السيروم وهي تتساقط برتابة فغرقت في نوم عميق. عندما استيقظت أحسست أن حالتي قد غدت افضل إذ لم أشعر بالغثيان عندما رفعت قناع الأوكسجين ،لكن جسدي كان ما يزال ثقيلاً. لاحظت أن الظلام قد حلّ، وان محركات السفينة قد كفت عن إصدار هديرها المكتوم!

أشعلت ضوء قمرتي، أطل القبطان من الباب، قال لي بلطف وارتباك:

ـ «وصلنا، هناك مشكلة صغيرة مع سلطات الهجرة، سنسويها، اطمئن.

أغلق القبطان الباب خلفه وهو يتكلم بلكنته المميزة مع شخص آخر.

دخل مساعد القبطان ستايروف وعلى وجهه ابتسامة محرجة، قال متظاهراً بالمرح وهو يفرك يديه مدارياً ارتباكه:

ـ «أيها السوري، يبدو أنك شخص غير مرغوب به في بلاد «الشيت» اغتصبت ابتسامة، كنت على وشك أن أسأل ستايروف عما يقصد بذلك الكلام، لكن باب القمرة فتح فجأة ودخل منه شرطي أميركي برتبة رقيب في زيه الرسمي المميز.

ماج الرقيب الضخم إلى اليمين واليسار وهو يمسح جسدي الضخم الممدد فوق السرير كما لو أنه ينظر إلى ضفدع عملاق ملتصق بالأرض، كان يحمل جواز سفري بين إبهام وسبابة يده اليمني، ضرب راحة يده اليسرى بالجواز ثلاث مرات،ثم رفع يده دون أن يلتفت قائلاً باستعلاء:

ـ «لو سمحتم دعونا بمفردنا»

راقبت القبطان ومساعده يخرجان وعلى وجهيهما علامات الاستياء.

قال لي وهو يقلب الجواز كما لو أنه يراه للمرة الأولى:

ـ «أنت سوري؟»

استفزتني طريقته الفظة في لفظ كلمة «سوري» كما لو أنها تهمة شائنة، فأحسست أنني قد استعدت بعضاً من قواي الخائرة:

ـ «نعم، سوري منذ الولادة، وحتى الموت»

حك رأسه، حدجني بنظرة مستطلعة :

ـ «مولود في رأس الشمرة؟، أين تقع هذه المدينة؟».

ـ «هي حالياً مجرد قرية على الشاطئ السوري، لكنها كانت عاصمة مملكة أوغاريت التي كان قصر ملكها بحجم البيت الأبيض عندكم، فقد كشفت التنقيبات الأثرية أنه كان يضم تسعين غرفة إضافة لصالات الاستقبال والأجنحة الملكية ومكاتب الموظفين وجناح السجلات الإدارية والمكتبة التي اكتشف فيها عدد كبير من الرقم الفخارية ومن أهمها أقدم أبجدية في تاريخ البشرية؛ أبجدية أوغاريت!

أطلق الرقيب ضحكة استهزاء.

ـ شت! متى كان ذلك ؟

أحسست أنني أستعيد قواي، قلت وأنا أحدق في عينيه:

ـ «كان ذلك، قبل أن يكتشف كولمبوس بلاد (الشيت) بأربعة آلاف عام» حدق بي كما لو انه يفكر برد على كلامي، لكنه لوح بيده كما لو أنه يطرد الفكرة من أمامه، قال بلهجة عملية:

ـ «شيت! أنت تضيع وقتي، قبطان سفينتك يطلب إدخالك المشفى، وأنت سوري ولا تملك تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة،لكن اللوائح تقضي بمعالجتك، هل لديك أية فكرة تخرجنا من هذه المأزق؟»

قلت ببساطة:

ـ «أفضل فكرة أن تعطوني فيزا كي أعالج وأزور مدينتكم! أنا مولع بالسفن الشراعية وأتمنى أن أقوم بزيارة السفينة الشراعية كونستتيوشن الموجودة في حوض البحرية بميناء بوسطن».

بدت علامات الارتياب على الشرطي، قال بتوجس:

ـ «شيت! ماذا تعرف عن تلك السفينة ؟»

ـ «أعرف أنها قد حققت نصراً كبيرا، في حرب عام 1812 وهي بحالة ممتازة حتى الآن».

ازداد ارتياب الشرطي. تناول سماعة جهاز الإرسال المعلقة على صدره أسفل الكتف، تحدث بلكنة أميركية لم أفهم منها شيئاً، وعندما أنهى مكالمته سألني بشيء من اللطف كما لو أنه يحاول استدراجي:

ـ «هل ثمة أماكن أخرى تتمنى زيارتها في بوسطن أيضا؟»

ـ «نعم، أتمنى أن أزور «تشاينا تاون» و «أولد ساوث ميتينغ هاوس» الذي كان يجتمع فيه رجال الثورة الأميركية قبل إعلان ثورتهم على الإنجليز عام 1775. وأود كثيراً لو تتاح لي الفرصة لزيارة مكتبة «ذا أولد كورنر» التي كان يجتمع فيها المفكران رالف والدو إيمرسون، وهنري ديفيد ثورو. وإذا بقي معي وقت فقد أذهب لزيارة البيت الذي ولد فيه الرئيس المقتول جون كندي!»

حدق في وجهي كما لو أنني كائن غير أرضي:

«شيت! لست هنا بصفة دليل سياحي، أنا هنا بشان تأمين العناية الطبية الضرورية لك، هل تريد الحصول على عناية طبية أم لا؟»

ـ «طبعاً أريد».

ـ «إذاً قف ووجهك للحائط، وضع يديك خلف ظهرك»!

رأيته يخرج الأصفاد المعلقة على وركه، غمغمت بذهول :

ـ «ماذا تنوي أن تفعل ؟»

ـ «شيت، هيا، قف ووجهك للحائط. أنت من تابعية تعتبر تهديداً للسلامة الوطنية في بلادنا، يجب أن أضع الأصفاد في يديك، إذا كنت تريد النزول إلى الأرض الأميركية للحصول على العناية الطبية».

تسارع الدم في شراييني، حتى كدت اسمع دقات قلبي، قلت للشرطي مقلداً لهجته الآمرة:

ـ «شيت ! تريد تقييدي كي تأخذني للمستشفى!»

قال بلهجة حازمة قاطعة:

ـ «نعم، إنها الطريقة الوحيدة لمنحك العناية الطبية، إذا كنت تريد ذلك، فقف حالاً، شيت! إنك تضيع وقتي!»

استبد بي غضب فظيع، قلت مقلداً لهجة الشرطي.

ـ اسمع يا حضرة الرقيب، اذهب وقل لرؤسائك إن ذلك البحار السوري من رأس الشمرة، يرفض الحصول على العناية الطبية عن طريقكم،ويرفض النزول إلى بلادكم!

والآن آمرك أن تستدير وتخرج من قمرتي فوراً! وعندما تصل إلى الباب يمكنك أن تذهب مباشرة إلى الجحيم!

القاص في سطور

* كاتب سوري من مواليد 1948.

* يعمل في الصحافة الثقافية منذ أوائل السبعينات

* عضو مجلس اتحاد الصحفيين السوريين منذ عام 1981 له عدد من المجموعات القصصية ابرزها:

«العريف غضبان» و«قيامة عبد القهار عبد السميع» و «الآنسة صبحا» و«عبثاً تؤجل قلبك» و«أبٌ مستعار » كما كتب عددا من المسرحيات للاطفال أبرزها:

«الكلب الأزرق» و«الأصدقاء الستة» وكتب للتلفزيون عددا من المسلسلات أبرزها:

«نهاية رجل شجاع» عن رواية بنفس العنوان للكاتب حنا مينه، و«أخوة التراب» بجزئيه الاول والثاني الذي فاز بالجائزة الذهبية في مسابقة المسلسلات الدرامية في مهرجان القاهرة الثاني للإذاعة والتلفزيون 1996.

ـ تُرجمت بعض قصصه إلى الفرنسية والإنجليزية والصينية والروسية، وكُتبت عنها أطروحات جامعية.

قصة: حسن م. يوسف