يُعد الناقد د. سعد البازعي أحد الوجوه الثقافية في ميدان النقد السعودي والعربي، وتضاف تجربته إلى نقاد آخرين كعبدالله الغذامي وسعيد السريحي ممن أثْروا الحركة النقدية بطروحات واجتهادات نقدية وفنية في تتبع الأثر الأدبي العربي في الشعر والسرد بشكل عام.
سعد البازعي في هذا اللقاء يضع بعضاً من تصوراته الجمالية والأكاديمية في ميدانه النقدي ويؤشر الى مكامن خلل مشخّصة في الفهم العلمي للمصطلح الأوروبي واستعمالاته في اللغة العربية. ويعرج على الحياة الثقافية السعودية عبر الرواية الجديدة التي انفجرت في السنوات الخمس الأخيرة وموقفه النقدي من قصيدة النثر. هل يمكن القول إن عصر الرواية في المملكة العربية السعودية قد بدأ الآن بعدما صدرت في عام واحد حوالي خمسين رواية معظمها لكاتبات سعوديات ؟
الرواية السعودية بدأت قبل ذلك بكثير وهناك أعمالٌ روائية يجب أن لا يُغمط حقها لمجرد أنها نشرت قبل السنوات الخمس الأخيرة كروايات تركي الحمد وعبده خال وغازي القصيبي وقبلهم إبراهيم ناصر الحميدان وجيل من روائيي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي؛ وبلا شك فإن العصر الحالي يشهد طفرة سردية اشتعلت في السنوات الخمس الأخيرة على الساحة الأدبية السعودية.
وهذا له أسبابه التي يمكن لنا أن نتحدث عنها بشيء من التفصيل من ناحية الكم والنوع معا، فبعض الروايات جيدة وذات مستوى فني لافت للنظر كرواية «الآخرون» لصبا الحرز و«البحريات» لأميمة خميس وروايتا ليلى الجهني وغيرها، ومن الملاحظ أن معظم هذه الروايات هي لكاتبات سعوديات وبتقديري فإن علاقة المرأة بالسرد علاقة طويلة في الأدب السعودي بشكل خاص وربما في الأدب العربي عامةً.
وكان للمرأة السعودية دورٌ كبيرٌ في الحضور القصصي في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات وكان حضورها بارزاً ولافتاً لكن هذا الحضور سرعان ما انطفأ بعد فترة، لكنه عاد هذه المرة من خلال الرواية في السنوات الأخيرة. ألهذا تميل معظم الكاتبات إلى اللجوء للأسماء المستعارة في محاولة ربما للهروب من هذا الواقع..؟
محمد حسين هيكل وهو رجل نشر رواياته باسم مستعار . المرأة العربية في العالم العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر لجأت الى الاسم المستعار والسبب يكمن في حساسية وضع المرأة وحساسية ما تكتبه لاسيما حينما تتناول الجانب الحسي والعاطفي من حياتها، وبقدر ما يتعالى صوت المرأة في البوح والتعبير عن هذه الموضوعات المحاطة بالتابوهات بقدر ما يصعب البوح بشخصيتها، مع أن بعض الكاتبات السعوديات لم يلجأن إلى إخفاء أسمائهن الحقيقية..
هذا الكم الروائي المنتشر على الساحة السعودية أين لنا أن نضعه في مسيرة ومسار الرواية العربية ؟ لا أعتقد أن هناك انجازات كبيرة في هذا الجانب لكنه خطابٌ يتنامى ويتطور فهو في مراحله الأولى. الأعمال المتميزة قليلة وحتى المتميز لا أضعه الى جانب الأعمال العربية الروائية الكبيرة وهناك أعمال روائية ليس لها قيمة فنية أصلاً .
قصيدة النثر السعودية
وماذا عن الشعر السعودي في مختلف تجلياته الإبداعية والجمالية؟ هناك تيارات مختلفة ومتعددة في المشهد الشعري السعودي وهنا أتكلم عن الأنواع الثلاثة الرئيسية وأعني الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لكن النوعين الأبرز هما قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وأنا شخصياً أنحاز إلى قصيدة النثر لأنها برأيي تمثل الخطاب الشعري الأكثر أهمية في المرحلة الحالية وأن أفضل ما لدينا هو قصيدة النثر وقلت هذا أكثر من مرة.
على أن هذا لا يعني أن بقية الأنواع ليست فيها شعرية ولكن مشكلتها أنها معاقة بقاموس شعري مستهلك أو بما سمّاه أحدهم بـ «الإرهاق الجمالي » هناك تكرار المجازات و المفردات حتى أصبحت مملة بالنسبة للقارئ؛ لكن قصيدة النثر حققت انجازات كبيرة على يد عدد من الشعراء مع أن انتشارها يبقى نسبياً لأنها قصيدة نخبوية، محدودة الانتشار ولا تتفاعل معها إلا فئة محدودة من المجتمع، وهي مشكلتها الأساسية ولكنها مشكلة تواجه قصيدة النثر في تاريخ الأدب بشكل عام.
كيف تصف المتلقي السعودي في مجتمع محافظ لهذا النوع الشعري بوصفه جزءاً من الحداثة الثقافية العامة؟
كثير من المتلقين لا يعرفون عن قصيدة النثر شيئاً وهناك متلقون يعادونها كلياً ومنهم نقاد معروفون ولا يعدّونها شعراً وفي الأحوال كلها يظل جمهورها محدوداً ونقادها قلّة، وأعتقد أن جمهور قصيدة النثر في السعودية لا يزيد عن 100 شخص! واعتقد أن الشعراء يدركون ذلك ومن الجميل إن هذا لن يثبطهم.
وكيف يتحدد دور الناقد في مؤازرة هذا النوع الشعري ؟
مهمتنا كنقاد مدربين لدينا شيء من الحس النقدي هو في تضييق هذه الفجوة بين النص المتميز وبين القارئ الذي لديه قدرة على التواصل مع هذه النصوص، في الأقل توسيع دائرة التلقي لمثل هذه النصوص.
معروف عنك إنك تتردد كثيراً في إطلاق الأحكام النقدية .. أما زلت على هذا التردد ؟
هذا السؤال يتضمن أنني أطلق أحكاماً لكنني أتردد قبل إطلاقها. كلامي عن قصيدة النثر هو حكم ولو يزعج البعض وكذا ما قلته عن بعض الروايات وآخر ما ذكرته في معرض لندن للكتاب بحضور بعض الأسماء الروائية المعروفة كرجاء الصانع صاحبة رواية «بنات الرياض» هو نقل صورة مغايرة لما يُشاع عن أن بعض الروايات السعودية هي صورة حقيقية لكل ما هو موجود في البلد أو أن هذه الروايات هي المهمة فقط.
فكان مهماً إطلاق بعض الأحكام القيمية بأن نقول إن هناك رواية مهمة اسمها «الآخرون» أهم من رواية «بنات الرياض» ولأنها لم تترجم ولم يعرفها الآخرون فإنهم يستعجلون الأحكام على الساحة الأدبية السعودية وترونها من خلال عمل واحد. هذه أحكام نقدية لكنني لاشك أظل أعتبر أن الحكم النقدي ينبغي أن يصدر عن تروٍ لأنه ليس هناك أسهل من إطلاق الأحكام. الناقد يقوم بدور قضائي إلى حد كبير. وبعض الأحكام كان لها تأثير كبير في شيوع أعمال معينة وبروزها..
إذا لم تكن قد غادرتَ النقد الأكاديمي فما هي نظريتك النقدية؟ وما هي أسس استقراءاتك النقدية للنص الأدبي؟
أصدر رؤيا تعطي وزناً للأبعاد الثقافية والاجتماعية ولا أحاكم النص جمالياً وحسب، لكن أحاول أن أقيم توازناً بين هذه الأبعاد فأطالب النص أن لا يكون ذا مضمون ثقافي بمعنى أنه يستبطن الحياة الإنسانية والاجتماعية وأطالب بالعمق، بالرهافة الأدبية .. هذه مسارات عامة يمكن للناقد أن يتلمسها وهو يقرأ النص الأدبي .. خذ كتابي «ثقافة الصحراء» فإنه يعطي انطباعاً أولياً من هذا التوجه.
ربط النص ببيئته وسياقه الثقافي العام، فهذه رؤيا سبقتها برسالتي للدكتوراه وكانت أيضاً دراسة لنصوص أدبية في سياق ثقافي أو حضاري بشكل عام. هذا لا يعني تغييباً للأبعاد الجمالية للنص. هناك قراءات قمت بها لنصوص أدبية مختلفة من زاوية جمالية خالصة ومع ذلك فلا أظن أن ذلك هو الأغلب، فالأغلب عندي هو السياق الثقافي والحضاري في قراءة النص ؛ ربما أنني أبحث عن نصوص تستجيب لهذا السياق أكثر مما أبحث عن نصوص تهمله..
ثقافة الصحراء
وأين وصلت ثقافة الصحراء بشكل عام في سعيها لأن تؤسس نموذجها الأدبي الخاص بها؟
أعتقد أنها توارت كثيرأً. الآن نتحدث عن أدب مدن اختصرته بـ «نثر المدن» وقصدت به الأعمال الروائية والسرديات وقصيدة النثر وهنا أربط بين الرواية وقصيدة النثر وأراهما نتاجاً طبيعياً لحياة المدينة التي تتأصل وتزداد اتساعاً في حياتنا المعاصرة، وهذا ما أدى بثقافة الصحراء وبمفهومي الذي طرحته أنها لم تعد ذات أهمية كبيرة.
فثقافة الصحراء كان المقصود بها النصوص النثرية والسردية والشعرية وهي تحاول استعادة الهوية من خلال الثقافة والبداوة والصحراء، مقاوِمة للحياة المدنية وما نعيشه الآن هو قبول للحياة المدنية واعترافاً بتعقيداتها .. هذا هو قدرنا المعاصر: أن لا مجال للهرب الرومانسي فثقافة الصحراء في جوهرها ثقافة رومانسية ولم يعد هناك مجال لأحد أن يقول أنا بدوي فنحن أصبحنا أبناء مدن وقصيدة النثر والرواية شاهدان على ذلك.
ما سر خلافك مع الدكتور عبدالله الغذامي؟
خلافي معه على المصطلح. أنا متخصص بالأدب الإنجليزي وعندما عدتُ الى السعودية عدت معبأ بمعرفة نقدية غربية، عندها وجدت الغذامي يطرح مفاهيمَ نقدية حديثة تبيَنَ لي أن فيها خللاً كبيراً في فهمه للنظريات الغربية ومصطلحاتها فانتقدته.
فمثلاً مصطلح «التقويض» لا يُفهم على أنه «تشريح» وهذا ما شرحه فخطّأتُهُ وحدث خلاف بوجهات النظر، ثم أنني وجدت أن تطبيقات الغذامي لهذه المفاهيم أدت إلى قراءة غير دقيقة . وجدته يخلط بين البنيوية والتقويضية والنقد الثقافي وغيرها ولا شك أنني أتحفظ على طريقته في الأقل وفي تبنيه وتسرعه في التعريف بها كما لو كان يعرف مصادرها الأصلية .
قد يكون هناك التباس في فهم المصطلح لدى الكثير من النقاد وليس الغذامي وحده ؟
أعتقد أن مشكلة الغذامي ليست مشكلته وحده بل هي مشكلة كثير من النقاد العرب في فهمهم للأطروحات الغربية، فقراءاتهم غالباً ما تكون مترجمة أو شارحة كما ذكرت ذلك في كتابي «استقبال الآخر» إذ وضعت فيه رداً في سياق أشمل من النقد العربي الحديث لتفاعله مع المفاهيم الثقافية والأدبية الغربية.
ثم أصدرت «دليل الناقد الأدبي» مع ميجان الرويلي في محاولة لتصحيح الالتباس وبث رؤية نقدية أكثر دقة وأكثر وعياً بالخلفية الحضارية لهذه المفاهيم بحيث أن النقاد والدارسين الذين يرومون توظيفها في دراساتهم تصدر عن معرفة حقيقية بها وليس عن معرفة مجتزأة، ومن هنا نشأ الخلاف بيني وبين الغذامي .
هل هو خلل في التفاهم بينك وبين الآخرين ؟
عندما أنتقد الآخرين ألجأ إلى النص . أضع تعريفه وفهمه مقابل تعريف دريدا مثلاً .. يعني كيف يفهم هو مع صاحب النظرية الأصلية .. هذا ليس اجتهاداً..أنا أسمي هذا خلطاً فهل نفسح المجال لمن يريد أن يقول ما لديه دون التثبت من دقة المصطلح وفهمه ونقول هذا اجتهاد ! ينبغي للناقد أن يكون له مفهوم حقيقي ويرينا من أين أتى بهذا المفهوم . هل من الممكن أن أجتهد بتعريف البنيوية على إنها سريالية وأقول هذا اجتهادي !
وهل ناقد مثل الغذامي لا يفرق بين المصطلحات النقدية؟
مع الأسف الغذامي لا يدرك الفرق بين نقد النماذج العليا لدى نورثروب فراي وعند كارل يونغ وبين البنيوية وبين دريدا في التقويض أو التفكيك .. أبداً لا يرى فرقاً في ذلك ! يعرّف الشيء عدة تعريفات متناقضة وهذا ما حصل في أشهر كتبه «الخطيئة والتكفير» الذي أعطاه شهرة كبيرة وأعطى انطباعاً للآخرين من أنه يقود حركة نقدية تطويرية.
أنا لا أشك في نواياه وأعتقد أن مما يُحسب له هو أنه أصّل فكرة التحديث النقدي ودعمه وهذا جهدٌ طيّب له .. لكن مشكلة الغذامي فيما بعد أنه عاد في كتابه «الحداثة في المملكة العربية السعودية» ليصوغ الحركة النقدية وكأنه البطل الوحيد فيها! وهذا الكتاب عجيب وغريب في نزعته الذاتية المؤسفة.
وكيف ينظر إليك الغذامي هو الآخر؟
رأيه موجود في كتابه «حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية » ويرى فيه أنني محافظ وأنني لا أفهم حتى في النظريات الغربية!
تأصيل الفكرة
عبدالله الغذّامي يعرّف الشيء عدة تعريفات متناقضة وهذا ما حصل في أشهر كتبه «الخطيئة والتكفير » الذي أعطاه شهرة كبيرة وأعطى انطباعاً للآخرين من أنه يقود حركة نقدية تطويرية . أنا لا أشك في نواياه وأعتقد أن مما يُحسب له هو أنه أصّل فكرة التحديث النقدي ودعمه وهذا جهدٌ طيّب له..
إصدارات الدكتور سعد البازعي
* ثقافة الصحراء (1991)
* إحالات القصيدة ( 1998)
* المكوّن اليهودي في الثقافة ؟ المعاصرة ( 2002)
* المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية ( 2007)
* استقبال الآخر (2004)
* أ بواب القصيدة (2004)
* شرفات للرؤيا (2005)
* جدلية التجديد
* نصف قرن من الشعر السعودي
* دليل الناقد الأدبي مشترك مع ميجان الرويلي
وارد بدر سالم


