يتعرض عالمنا العربي وبنسب متفاوتة بين بلد وآخر إلى ما نسميه إعلامياً بالإرهاب، وعلى صعيدين إن لم يكن أكثر، على صعيد الدول الأوروبية وأميركا التي تحارب الإنسان العربي وتضيق عليه الخناق على اعتبار أن كل عربي - إرهابي، وهذا ما نسميه إرهاب دولة، ويمارس ضد المواطن مثلما يضغطون به على الكثير من الأنظمة حتى وإن كانت من الدول المعتدلة والمتعاونة مع النسيج الدولي.
أما الإرهاب الآخر فكما نعرفه من خلال التفجيرات الانتحارية أو السيارات المفخخة، أو القنابل الموقوتة إلى آخره من فنون دمار الإنسان، وهذا يوجه أيضاً إلى الإنسان، وفي العراق تحديداً، وبعض الأقطار المرصودة بين الحين والآخر، كما حدث في المملكة العربية السعودية، أو الجزائر، أو المغرب.
وإذا كانت الأجهزة الأمنية مسؤولة عن محاربة الإرهاب، فإننا كشريحة مثقفة ينبغي أن تقف صفاً واحداً أمام هذه القوى التي تعمل بالخفاء، لأننا في مقدمة الشرائح الاجتماعية المقصودة بالتصفية، ونشكل أيضاً الخندق الفكري الأول أمام قوى الظلام على اختلاف تسمياتها أو انتماءاتها.
وجزء من أسلحتنا التي ينبغي أن نستعملها في الضد من هذه القوى إضافة إلى أدبياتنا وكتاباتنا التي تشكل متراس توعية جماهيرية، فإن الأنشطة الثقافية النوعية هي بلا شك سلاح مهم وضروري ليس في هذه المرحلة فحسب بل وعلى مدى المستقبل، ولعلي أذكركم بمهرجان العراق الحضارة سنة 2004 الذي نظمته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية.
وأشيد هنا أيضاً بمهرجان المدى الخامس الذي نظم في أربيل العراق من 29 أبريل - 7 مايو الحالي، ويجيء في فترة من أحرج الفترات التي يمر بها القطر العراقي وأخطرها، لأنه ابتلي ليس فقط بهجمات انتحارية وتفجيرات يومية وتصفيات جسدية، مستهدفة حياة الإنسان العراقي إنما أيضاً تستهدف فكره من خلال الحركات الرجعية التي سيطرت على الساحة السياسية والفكرية والاجتماعية.
التي تسترت بتسميات مختلفة كقناع تخفٍ الجانب الرجعي - الطائفي- الديني- العشائري - القومي أحياناً، مع أنها لا تحمل إلا بعدها السيئ، الذي يخنق الفكر المتنور الحضاري ويشكل قاعدة تقدم ووسيلة للتطور، وسلاح قمعها والقضاء عليها.
لذا فإن مهرجان المدى الخامس يأتي رداً على كل هذه القوى الإرهابية، والطائفية، وهي لا تختلف عن بعضها لأنها جميعاً في زورق واحد هو الإرهاب، إن كان فكرياً أو جسدياً، أن شجاعة القائمين على المدى لدليل على أن العراق ما زال يمتلك من الطاقات الإبداعية والفكرية ما يؤهله أن يداوي جراحه، ويعيد عافيته وينطلق كما حدث في تاريخ هذا البلد العريق الذي تعرض إلى أكثر من 44 احتلالاً عسكرياً في تاريخه، ورغم ذلك استقبل حضارات مختلفة، وخلق حضاراته معبراً عن كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني.
