« التزوير» رواية تتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) كتبها الروائي الألماني نيكولاس بورن ونشرها سنة 1979، أي والحرب مستعرة، غير أنه لم يتمكن من مشاهدة نهايتها.
ذلك أن الموت عاجله بسبب سرطان الرئة وهو في ريعان الشباب إذ توفي في نفس السنة التي نشر فيها الرواية عن عمر يناهز الـ 42 سنة، ولبورن رواية ثانية بعنوان » صفحة التاريخ المقلوبة على الأرض« فضلاً عن مجموعة قصصية والأعمال الشعرية الكاملة مع مجموعة من المقالات النقدية والخطابات. ويرى مترجم الرواية إلى اللغة العربية حسين الموزاني أن الرسالة التي تتضمنها الرواية لم تكن موجهة إلى الألمان بقدر ما يمكن القول انها موجهة إلى العرب بدرجة أساسية، إذ انهم هم المعنيون بالحرب، لتتوفر لهم فرصة جيدة للنظر إلى أنفسهم بمنظار الآخرين.
فالصحافي جورج لاشن مراسل مبعوث إحدى الصحف الألمانية الصادرة في هامبورغ لتغطية أخبار الحرب وهو الشخصية الرئيسة التي تدور في فلكها بقية الشخصيات، يعينه في عمله مصور الجريدة هوفمان، وهما بحكم عملهما يؤلفان فريقاً واحداً غير أنهما متناقضان في شخصيتيهما ومن هنا توّلد الكثير من النفور بينهما.
وتساعد لاشن الموظفة في السفارة الألمانية أريانا بعد أن تقلص عدد العاملين في السفارة الألمانية تدريجياً بسبب استمرار الحرب حتى باتوا بعدد أصابع اليد الواحدة ومع هذا فإن أكثرهم مهيأ للرحيل ومغادرة لبنان مع تطورات الأحداث التي تتغير على الأرض من يوم لآخر.
ولاشن الذي يُفكر بزوجته غريتا التي تعيش في المانيا مع ولديه كارل واليزا ويعلم أنها تخونه هناك مع العديدين كما يخونها هو هنا ويقيم علاقات مع أخريات في مقدمتهن أريانا التي آثرت في النهاية أن تقيم علاقات مع عشاق عرب وأن تتبنى طفلا على الاستمرار بعلاقتها معه، بينما ذهنه لا ينفك بالتفكير بهذه الحرب المحزنة التي يموت بسببها الكثيرون يوميا: إنني طوال حياتي لم أفكر في الموت على أنه شيء تافه مثلما أفعل هذه الأيام، لأن الخطر نفسه أصبح مثيرا للسخرية.
ويكتب في مسودته: أكوام من عظام البشر في الرمال.. كانوا بشرا حقيقيين، قتلهم بشر آخرون. عشرات الناس يختفون كل يوم، ولم تعد حياة الناس ذات قيمة، إلا بوصفها سلعة للتبادل، حتى لو كانت قيمتها عبارة عن ضحية انتقام تعويضا عن ضحايا القتل لآخرين. فالرهائن باتوا سلعة للتبادل، ومَنْ لا يُسأل عنه يكون مصيره التصفية الجسدية بعد تحديد الهوية.
ولاشن وهوفمان بحكم كونهما يحملان جوازات سفر المانية سهّل لهما التنقل بحرية في العديد من مناطق لبنان خاصة تلك التي تسيطر عليها ميليشيات لها علاقات ودية مع بلدهم، وشاهدا مرة معا عملية اعدام على الهوية، حاول لاشن منعها إلا أنه لم يتمكن واكتفى هو وهوفمان بتصويرها والكتابة عنها.
وشيئا فشيئا تعّرف لاشن على العالم العربي الذي كان يزوره فيقبع بضعة أيام في قشرته الخارجية، وأتاحت لهما حرية الحركة تلك أن يشاهدا ويصورا ويكتبا عن الكثير من المجازر المروعة والتي أهم ضحاياها بالتأكيد عرب وجُلّهم من اللبنانيين.
ولاشن بعد أن كان يؤاخذ هوفمان على مشاعره الباردة حتى في تصويره لمشاهد القتل الشنيعة ويحّدث نفسه عنه: أي نُظم وأحكام تختفي وراء شخصية هوفمان، وأي حيادية منتصرة تحملها نظراته حين يثبتها في منظار التصوير، وأي تَحّضر وحشي هذا الذي يُظهره.
هو نفسه أدرك أن من السخافة في الواقع أن يُذّكر اليوم أحدا بالقول الملّح: لا تقتل! فقد أصبح القتل مادة يومية تُمارس كأي مهمة ومهنة، ثم أنه آمن مُحّدثا نفسه بذلك: إن جميع المشتركين في هذه الأعمال لا بد أنهم يتسترون على شيء ما ثم يعتذرون فيما بعد ويُهّدأون الخواطر، إنهم كلهم مخطئون وزائفون!
ولأن لاشن كان يربط مراحل حياته بطفولته فقد حدّث نفسه: مهما كنت حساسا وشفافا في طفولتك، فإنك تحولت عندما أصبحت صحافيا إلى غول متوحش، متبلد الإحساس، إن سوء حظك يكمن في قدرتك على تذكر المشاعر المناسبة لكل موقف جديد من مواقفك الحياتية.
فقد استطاعت هذه الحرب تحويل قناعات لاشن وأن عليه أن يُنفذ ما تمليه عليه طبيعة المهنة، وأن يبذل كل ما في وسعه ليتذكر المشاعر والأحاسيس الإنسانية أو أن يفتعلها! بعد أن أصبح مجرد مراسل يوجه ويدار من بعيد!!.. وأن عليه أن يكتب تقارير مروعة من أجل المال وحده، لأن هناك طلبا ملحا على بضاعة الرعب والتهويل، طلبا لا يمكن اشباع نهمه: هناك الكثير من الناس الذين يريدون الاطلاع دائما وبشكل متواصل على حربهم التي يخوضها الآخرون نيابة عنهم!..
تعّرف لاشن على رجل الماني يدعى رودنك ويقيم في لبنان ويُقدم خدماته القذرة لمن يرغب خدمة لمصالحه أولا، ولأن رودنك كان يُظهر أنه على اتصال مع قوى فاعلة على الساحة فقد أظهر له لاشن كونه صحافيا أنه مهتم جدا بمعرفة أسرار تهريب الأسلحة لكتابة تقرير عنها، غير أن رودنك قال له: كلمة تهريب كلمة خاطئة، هل تعلم أن الناس هنا لا يسمون تجارة البضائع العادية تهريبا؟!.. الناس في جونيه يستطيعون مساعدتك.
هذه الرواية التي تتحدث عن الأمس، تتحدث عن اليوم أيضا! فماذا عن اليوم، الآن؟ حيث تتناقل الأخبار أن كل ثلاثة من أربعة لبنانيين يحمل جواز سفره بجيبه احترازا للمجهول القادم، وسط خوف شديد من تكرار السيناريو والأحداث.. الآن.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على شرارة الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت أكثر من عَقد ونصف العَقد وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء، وتشرد وهاجر بسببها مئات الآلاف، وشبع بعدها الإنسان العربي واللبناني منهم خاصة، شبعوا قهرا من رهانات الأوهام، فهل باتوا يؤمنون اليوم بأن التعايش السلمي هو الضروري والحتمي من أجل غدٍ أفضل لهم ولأبنائهم ولمستقبلهم في وطن يضمهم جميعا، ليس في لبنان وحده - وهو أجمل بلد عربي - وإنما في كل الوطن العربي؟!.. أم أن البديل هو الإصرار على « التزوير ! ».
الكاتب في سطور
نيكولاس بورن 1937 - 1979
توفي عن 42 عاماً اثر صراع مرير مع المرض
ترك مجموعة قصصية وأعمالاً شعرية ومقالات في النقد الأدبي
عاش فترة طويلة في لبنان وعايش الحرب الأهلية وعاين ويلاتها ومآسيها الكبيرة

