أما إن العرب منذ جاهليتهم يهتمون بالبيان عامة. وبالشعر خاصة. فتلك قضية لم تعد مجالاً للدفع. فلقد كانت لهم من ظروف حياتهم القبلية ما خلق لهم هذا الاهتمام. حين وجدوا في الاعتناء بالشعر والأخبار وأنباء القبائل.
ما ملأ أوقات مجالسهم. ومنذ بداية معرفتنا بالتراث العربي القديم. ونحن أمام غلبة الفن الشعري. وكتاب «طبقات الشعراء». لمحمد بن سلام الجمحي. هو أحد هذه النماذج التي يختلط فيها المنهج النقدي بالمنهج التاريخي. والتي تمثل مرحلة مبكرة في تاريخ أدبنا العربي.
ولد «أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي» في البصرة سنة 139 هـ وعاش كالكثيرين من رجال عصره متنقلاً بين المراكز الثقافية المختلفة حتى مات سنة 231 ه. وكتابه «طبقات الشعراء» الذي نعتبره اليوم من تراث الإنسانية. يمثل مصدراً ضخماً من معارفنا الأدبية والنقدية المتعلقة بقديمنا. وسما الكتاب إلى قمته بفضل عاملين: الأول: ما تضمنه من آراء نقدية.
جامعاً الكثير مما كان شائعاً حتى زمانه. ومضيفاً إليها ما ألهمه فكره الناقد إلى حقيقة الفن الشعري والذوق الأدبي الذي لا يخلو من الأصالة. والثاني: يأتي من انه سجل ودَون أخباراً أدبية أصبحت من بعده ملكاً لمؤرخي الأدب والشعر. وقد اخترنا من الكتاب: 1 ـ من المقدمة: يقول ابن سلام الجمحي: ذكرنا العرب وأشعارهم. والمشهورين والمعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها.
إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب. وكذلك فرسانها وسادتها وأيامها. فاقتصرنا من ذلك ما لا يجهله عالم. ولا يستغني عن علمه ناظر في أمر العرب. فبدأنا بالشعر.ففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين. فنزلناهم منازلهم. واحتجنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجة وما قال فيه العلماء. وقد اختلف الناس والرواة فيهم. فنظر قوم من أهل الشعر بالشعر. والنقاد في كلام العرب. والعلم بالعربية. إذا اختلف الرواة. فقالوا بآرائهم. وقالت العشائر بأهوائها.
ولا يقنع الناس من ذلك إلا الرواية عمن تقدم. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعراً. فألفنا من تشابه شعره إلى نظرائه. فوجدناهم عشر طبقات. أربعة رهط كل طبقة متكافئين متعادلين. ثم إنا اقتصرنا ـ بعد الفحص والرواية ـ عمن مضى من أهل العلم إلى رهط أربعة. على أنهم أشعر العرب طبقة. ثم اختلفوا فيهم بعد.
