بين الشاي والقهوة: عندما ظهر الشاي في قرى وبادية الحجاز انحاز الرجال إلى القهوة وانفردت مجالس النساء بالشاي، وظلت القهوة سيدة مجالس الرجال، وظل الشاي يطرق هذه المجالس تفكهاً.
وقد أنكر الشاعر سعيد الظاهري شرب الرجال للشاي ودعاهم لتركه لأنه يشدهم للبقاء طويلاً في بيوتهم فتخلو مجالس الرجال من أكثرهم إنه أكثر من مشروب دافئ لذيذ ومنعش في ليلة شتاء باردة، فالشاي له فلسفات كثيرة لدى العديد من الشعوب، وله طقوس في تقديمه وطريقة تناوله، وإعداد الحجرة التي يُتناول فيها الشاي، و وراء إعداده وتقديمه فكر وطقوس وثقافة عريقة لدى عدد كبير من الشعوب.
الفراعنة اكتشفوا أوراقه على ضفاف النيل تنبت عشوائياً كنتيجة لخصوبة الأرض بطمي ماء النيل، وعندما تم تحليل هذه الأوراق على أيدي حكماء (أطباء) الفراعنة النابغين في الطب وقتذاك، وجدوا أنه يساعد على تركيز الفكر والحفاظ على الذاكرة في أفضل حالاتها؛ وكانوا يخلطونه بأوراق الكاركاديه الحمراء التي تنتهي بزهور أورجوانية ثم ينقعونهما في ماء فاتر لمدة لا تزيد على ساعتين ثم يصفى ويُشرب الرحيق المخلوط في أكواب من الفضة المطعمة بالذهب الخالص، وكان يقدم لعلية القوم والمسنين.
أما الأطفال حديثو الولادة في العهود الفرعونية المختلفة فكان الفراعنة يقيمون احتفالات يتم فيها غسل المولود داخل «طشت» فضي مليء بماء الشاي حتى يشب الصغير على عقل سليم حكيم وذاكرة لا تغيب وهذا الاعتقاد وراءه فلسفة فرعونية راسخة حتى الآن في صعيد مصر ولكنها تختلف من حيث المظهر فيتم مزج الشاي بالكحل الأسود لتكحيل عيون الصبايا لتزداد جمالاً واتساعاً.
فلسفة تلقائية تسود صعيد مصر في كيفية تناول الشاي في الصعيد (جنوب الوادي) يتم تحضيره بعد صلاة العشاء عن طريق إشعال الخشب داخل حفرة في الأرض ووضع «إبريق» بداخله ماء وشاي وسكر ويترك حتى يغلي لمدة لا تقل عن ربع ساعة، ثم تتناوله العائلة الصعيدية مجتمعة في الليل تحت ضوء القمر لحل المشاكل وإبرام الاتفاقية وإتمام الموافقة على الزواج من أسرة أخرى.
وحول «نصبة الشاي» كما يطلق عليها في صعيد مصر تحل المشاكل، ويعتقد الصعايدة وخاصة الأجيال القديمة منهم بأن الشاي المغلي ذا اللون الداكن، يُركز التفكير ويساعد على نوم هادئ حيث يتم تدفئة الجسم كله، بعكس ما يقال حديثاً بسبب احتوائه على الكافايين كمادة تقلل ساعات النوم، ومن ناحية أخرى فإن الشاي في صعيد مصر يتناوله الناس وخاصة الطبقة العمالية أكثر من 6 ـ 8 مرات خلال اليوم.
ويصاحب الشاي الإنسان في رحلة عمره حتى عصرنا الحالي، فهو المشروب الذي معه وحوله تلتف الأسرة كما يصاحبه العديد من التعليقات الشعبية أو الأمثلة وراءها فلسفة خاصة منها «شاي يعدل المزاج»، وكلمة «المزاج» هنا تحتوي على بُعد ثقافي فلسفي دون أن يدري المتحدث به، فاعتدال المزاج يعني السلام الداخلي للإنسان، والصفاء الذهني له، واستعادة أيام الصبا عندما تلتف العائلة حول «عِدة الشاي» خاصة في رمضان.
عدة الشاي في مصر عبارة عن صينية نحاسية كبيرة منحوتة يدوياً عليها زخارف جميلة، تضع ربة المنزل فوقها «السبرتايا» وهي موقد صغير نحاسي داخله سبرتو أحمر وله فتيل يشعل بالكبريت بعد رفع الغطاء النحاسي عنه ويوضع إبريق شاي عليه ثم يسكب في أكواب متوسطة بها نعناع طازج فيمتلئ المكان برائحة مميزة، وتدور الأحاديث حول السياسة ومشاكل الأسرة.
وهنا تكمن فلسفة خاصة بالشاي وهي فلسفة التجمع وهي تعكس بالضرورة مشاعر الاطمئنان والسكينة خاصة لدى الصغار والمسنين بصفة خاصة، وهذه المشاعر تعرف في الفلسفة الحديثة باسم «الشعور الجمعي» وهناك العديد من نظريات في علم النفس تعالج المرضى في حالة تجمع كل الحالات المشابهة معاً، أما الشعور بالدفئ فيعكس راحة للنفس، تزيل غربتها ومخاوفها. لم تقف رحلتنا مع الشاي في وادي النيل وصعيد مصر، وإنما هناك في البعيد في جنوب شرق آسيا المزيد من البُعد الفلسفي وراء ذلك المشروع الكهرماني اللون.
ماذا عن اليابان؟
طقوس وفكر وفلسفة وراء قدح من الشاي، أماكن لها خصوصية ومناخ خاص جداً يقدم فيها الشاي، معاً، ندخلها ونتعرف على أسرار فلسفتها..
«سادو»، كلمة يابانية تعني طريقة تحضير الشاي خاصة الأخضر منه وكيفية تقديمه للضيوف، وترجع طقوس تحضير الشاي وتقديمه في اليابان إلى القرن الرابع عشر، حيث ابتكر «موراتا شوكو» وهو وراهب وفيلسوف ياباني، ـ ابتكر ـ أول طريقة تحضير وتقديم الشاي.. فما هي؟
أول من قدم له شوكو الشاي على الطريقة اليابانية كان لعائلة «شيكاجا» الحاكمة وقتذاك، وكان الشاي يقدم من قبل في غرفة نائية بعيدة عن الضيوف، أما «موراتا شوكو» فتقوم فلسفته في تحضير الشاي أمام الضيوف على بعد المشاركة بالنظر في طريقة التحضير والتقديم، بالإضافة إلى أن طريقة الجلوس في بهو واسع يعكس فلسفة صفاء النفس وارتياح الذهن والهدوء.
وأيضاً غير «شوكو» الأواني التي كان يقدم فيها الشاي من قبل والتي كانت تصنع من السيراميك بلون واحد، والجديد الذي قدمه «شوكو» في مجال تقديم الشاي هو وضعه في ابريق مزخرف يدوياً شديد الدقة في رسوماته معه العديد من الفناجين رائعة الصنع تعكس جماليات وفلسفة الحضارة اليابانية العريقة في هذا المجال والتي ترتكز فلسفتها على عدة بنود، هي:
«وا»، تعني صفاء النفس وروحانيات عالية وقت تحضير وتقديم الشاي، وإيجاد طاقة وجدانية تعرف حديثاً باسم «أورا»، هذه الطاقة تجذب الناس بعضهم لبعض وقت تناول الشاي بالطقوس اليابانية.
«كي»، ترمز إلى إيجاد أجواء حميمية من الاحترام لكل الحاضرين من ضيوف وندلاء في تقديم الشاي واحتسائه. «سي»، هي رمز لضرورة المظهر الأنيق والنظيف للإنسان داخلياً «روحنياته» وخارجياً. «جاكو»، وهي رمز لسلامة التفكير وقوة الذاكرة وهدوء النفس.
فلسفات مدروسة ومطبقة حتى الآن على طريقة إعداد الشاي وتقديمه، وربما من هنا لم يعد الشاي مجرد مشروب دافئ لذيذ في ليالٍ «شتوية». واليوم في اليابان يتم تدريب الأجيال الجديدة على فلسفة تحضير الشاي وثقافة تقديمه وكيفية تهيئة المكان الخاص بتناول الشاي، يتم التدريب على غرار الطريقة القديمة التي ابتكرها «موراتا شوكو».
فما هي إذن مواصفات الغرفة التي يتم فيها احتساء الشاي في أجواء رائعة؟
الغرفة تبنى من الخشب الخفيف المأخوذ ابتداءً من أشجار خاصة بالغابات، ينقع قبل بناء الغرفة به في ماء وأي مادة متطايرة كالسبرتو أو الخل حتى يسهل تشكيله أثناء البناء. أبواب الغرفة الخشبية هذه ونوافذها تتكون من نوع خاص من الورق الأبيض المثبت على عيدان الخشب ويرسم عليه زخارف وكتابات يابانية تضفي الإغراق في المحلية بعيدة عن أي تحديث.
أما الأرضية فتفترش بنوع من خوص النخيل الأملس يتميز بلونه الأخضر الفاتح ومرونة أوراقه. وفي زاوية بعيدة نسبياً في الغرفة يحضر الشاي الذي يبدأ بتنظيف الأدوات المصنعة من أفخم أنواع الصيني ذي الزخارف اليابانية المتفردة ومعظمها يميل للون الأزرق أو الارجواني ويحدد بالذهب.
يقدم الشاي في أجواء من الاحترام، وعلى الضيوف تقديم الود والشكر ولا يتم ذلك إلاّ بعد غسل اليدين جيداً، لخصوصية المناسبة، بالإضافة إلى ضرورة خلع الحذاء والسير بهدوء والجلوس على الأرض بعد افتراشها بخديدات مكسوة بالحرير الياباني الطبيعي.
والشاي المقدم في اليابان قديماً وحديثاً هو الشاي الأخضر يقدم دون السكر، ولكن معه تقدم بعض من قطع الحلوى صغيرة القطع وهي بمثابة المذاق الحلو مع الشاي الأخضر. غرف الشاي هذه لابد وأن تطل على حدائق جميلة ومجار للماء أو شلالات صناعية، وذلك يعكس فلسفة الجمال وتلاحمها مع مشاعر السلام والمذاق الرائع.
حديثاً، وفي الحدائق اليابانية الشهيرة تبنى هذه الغرف بالطريقة التقليدية ذاتها، والجميل هنا أن الأجيال الجديدة من اليابانيين مقبلون على الطقوس ذاتها بعيداً عن أي مظاهر للعولمة. والشاي الأخضر الياباني والمعروف باسم «أوتشا»، له فوائد صحية رائعة منها سهولة وتنظيم الهضم، وإذابة الدهون العالقة في الجهاز الهضمي، وهو واقٍ طبيعي ضد الأكسدة وسرطان الجهاز الهضمي، ولذلك فهو يقدم دائماً بعد الطعام، فيما عدا في وجبة الصباح يقدم قبلها بساعة لإذابة الدهون بالجهاز الهضمي.
يقدم اليابانيون كذلك الشاي الأحمر والمعروف باسم «كوتشا» وهو يقدم في المناسبات والاحتفالات. ويقام سنوياً في اليابان مهرجان للشاي، يعكس من خلاله طريقة تحضير وتقديم الشاي، يقام في ساحات كبيرة وأيضاً تجوب الشوارع عربات كبيرة مبني عليها رمز لبيت الشاي الياباني.
أيضاً تقام في أوقات متفرقة من العام ورش عمل لتعليم الصغار الطريقة اليابانية التقليدية لتحضير وتقديم الشاي حتى تترسخ في أذهان الصغار فلسفة وثقافة هذا المشروب الرائع والذي يحتل مساحة كبيرة وعريقة في التراث والثقافة اليابانية قديماً وحديثاً.
ورحلتنا مع الشاي ممتدة، هنا نحط برحالنا في بريطانيا العظمى صاحبة اصطلاح «فايف أوكلوك تي» «Fife Oclock tea» وهو اصطلاح بريطاني عريق له طقوسه وفلسفته أيضاً التي ترتكز على معاني التجمع والتشاور في أمور الأسرة ابتداء وأمور السياسة والاقتصاد كذلك.
وللإنجليز حكايات مع الشاي، فكانوا قديماً يحضرونه من مستعمراتهم في الهند التي تعتبر من أكبر الدول المصدرة للشاي وأفضل جودة تزرع على أراضيها، وكان قديماً يطلق على الهند مزرعة الشاي العالمية، ويبدو ان حالة التمرد البريطاني دفعت الحكومة بأخذ قرار زراعة الشاي محلياً في بريطانيا في المناطق المعتدلة المناخ نسبياً التي تبتعد عن مناطق هطول الثلوج مثل منطقة كوريفل جنوبي غرب إنجلترا وهي المنطقة التي تتشابه مناخياً مع سفوح الهيمالايا التي اشتهرت بزراعة أجود أنواع الشاي.
وقرار زراعة الشاي في بريطانيا قد يكون منذ قال «جوناثان جونز» وهو واحد من أكبر المزارعين الكبار: «لابد أن يزرع الشاي على أرض بريطانية». ويستهلك الشعب البريطاني حسب الإحصائيات الحالية 2006 ـ 2007 قرابة 165 مليون كوب يومياً، وما زال الإنجليز يروجون للشاي الإنجليزي، حسبما أكد ويليام جورمان المدير التنفيذي لمجلس الشاي البريطاني في لندن؛ والذي أعرب كذلك عن ضرورة اتساع مساحات زراعة الشاي في بريطانيا.
فلسفة عريقة
تعامل البريطانيون مع الشاي على أنه حالة ثقافية ووجدانية مستمرة بعيدة عن تيارات التحديث تقف بصلابة وقوة وراء «فايف أولوك تي»، وهي ببساطة عدم طمس معالم الماضي العريق، بل الحفاظ عليه والسير به ومعه وسط تحديات العولمة التي وجدت كل الصعوبات لاختراق تقليدية البريطانيين كباراً كانوا أم صغاراً..
شاي المدرسة
المدارس البريطانية تخصص يوما كل أسبوع لتدريس كيفية تحضير وتقديم الشاي على الطريقة الإنجليزية التقليدية والتي تصدت بكل عراقة لمظاهر العولمة الحديثة. بالإضافة إلى أن الطلاب عليهم ـ بعد التعليم ـ تقديم الشاي مرة كل أسبوع لمراحل الدراسة المختلفة.
ما هي مراسم تقديم الشاي الإنجليزي؟
تبدأ المراسم باختيار نوعية الشاي أولاً، فهناك الخشن منه والأقل خشونة ومعظمه دون إضافة أي نكهات صناعية كالياسمين او زهور البابونج، يقدم في إبريق من الفضة الخالصة مرتفع وله غطاء زخرفي منقوش ومحفور يدوياً، الإبريق يرتكز على ثلاث أرجل بها انحناءات جمالية ولابد من تدفئة الإبريق من الداخل بماء مغلي لمدة عشر دقائق ثم سكب الماء وإضافة الشاي ومعه ماء مغلي جديد.
يغطى الإبريق الإنجليزي بغطاء من الصوف البريطاني الراقي المعروف باسم «بي هايف» B Hayeve، وهو غطاء مشغول بالتريكو حتى يحفظ سخونة الشاي، سكرية ولبانة فضية ومقبض يشبه الملقط لالتقاط قوالب السكر ـ تقليد بريطاني ـ فهناك لا يستخدمون السكر الناعم أو المبلور.
طقم الشاي الفضي هذا يوضع على صينية من الفضة الخالصة ملساء ـ يوضع ـ فوق «ترابيزة» شاي عبارة عن ترابيزة برفين من الخشب الإنجليزي المعروف باسم خشب «ماهوجني»، ترتكز على عجلات كبيرة، تسحب الترابيزة عن طريق مقابض فضية في الرف الأعلى توضع صينية الشاي وطاقمه، والرف الأسفل يوضع طبق فضي كبير ترص عليه قطع من الكيك الإنجليزي التقليدي بالفواكه والجافة المعروفة عالمياً باسم «إنجليش كيك» English cake وهو تقليد بريطاني، فلسفته هو عدم طمس كل ما هو تقليدي وعريق.
تقدم الشاي ربة المنزل أو الجدة بهدوء بريطاني رائع لم تعصف به مشكلات عصر حديث.. من طقوس تناول شاي الخامسة بعد الظهر هو الظهور بملابس انيقة ومظهر لائق حتى بين الصغار من أفراد الأسرة.
قصائد الشاي
دعيني أصبُّ لك الشاي،
أنتِ خرافيّة الحسن هذا الصباح،
وصوتكِ نقشٌ جميلٌ على ثوب مراكشيَّه
وعقدكِ يلعبُ كالطفل تحت المرايا..
ويرتشفُ الماء من شفة المزهريّه
دعيني أصبُّ لك الشاي، هل قلتُ إني أحبُّك؟
هل قلت إنِّي سعيدٌ لأنك جئتِ..
وأن حضورك يسعد مثل حضور القصيدة
ومثل حضور المراكبِ، والذكرياتِ البعيده..
نزار قباني
من ديوان «أحبك والبقية تأتي»
(هل فعلت الشاي؟)
يجيبني وعقب سيجارة
عالق في زاوية فمه
(لم تأت لشرب الشاي
بل لشرب الوقت)
الشاي ليس بطيئا
نحن سريعون
منذر المصري
من ديوان «الشاي ليس بطيئاً»
اليوم تصنعين لي شاي الصباح
قبل عشرين عاماً صنعتِ لي القهوة التي أقلعتُ عنها مؤخراً
بالأنامل نفسها.
وبالخوف الذي ازدهت أعمارنا
في ظلاله.
تذهبين إلى المطبخ مباشرة
تفتحين الأدراج، تضعين الإبريق
أراقب المشهد في صمت
أنتشل نفسي من ضباب السنين
لكنك القديرة
بارتجاف وضجر تبعثرين الرّفوف
تستعيدين حكاية «الدّقي» و«الميريلاند»
الأفكار السّريّة
وحارس الحديقة الأعور
الذي يرقب العشاق في قبلاتهم الخاطفة
كي يبتز منهم بضعة دراهم.
مسرنمين في عبق الحكاية
وفيضها الذي لا ينتهي (رغم رداءة الطّقس)
حين فاض الإبريق على ناره
كما فاضت السنون فجأة
وأغرقتِ الوجوه والمكان.
سيف الرحبي
من كتاب « يتيمة الدهر تأملات في الجفاف واللاوجودي»
منى مدكور