لم يعد إنسان اليوم، ومنذ عقود زمنية عديدة، خصوصاً، بحاجة إلى قطع مسافات بعيدة، لرؤية من يريد التحدث معه، أو سماع صوته. لقد خرجت المسافة من التاريخ، انزاحت الحدود جانباً، انتفت الحاجة إلى الصوت المرتفع..
مثلما انتفت الحاجة إلى أن يتخذ أحدنا وضعية معينة، تشعِر مقابله باحترام يتناسب ومكانته، في الهيئة والحركة! فالهاتف صار الامتداد والمداد، الجنّي الذي يتمشهد صوتياً، وهو يستجيب لنداء صاحبه، ينصاع له إلى حين، يطربه بالقدر الذي يحسن تدبر أمره معه، يهيم في فضاءات كبرى.
مثلما يشغل خطوطَ المسافات القصية، وعبر الحدود والقارات، ليدخِل طرفاً آخر في حياته، إثر رنَّات، هي طرقات على الباب، وأكثر كثافة، أبلغ إشعاراً، لأن الطارق الصوتي مرفق به، ولأنه كذلك، يمنحه مضاء العزيمة في التلقي، واتخاذ الوضعية التي يرتاح فيها أو لها، أو التعبير بالشكل الذي يجده أنسب إليه، أو يعتقده هكذا.
ليس الهاتف جهازاً آلياً، لا يعبَأ بأمره، إنما ولادة تحول في علاقاتنا انتظرت طويلاً، من يتدبر أمرها بأساليب أكثر نجاعة، ليوجزها، ويزيدها عمقاً، ويضفي عليها طابعاً من اللامعقول المعقول، من السحر الذي يتشرب كينونة حامله، أو صاحبه، دون أن يهيئه لأن يكون المتفرد في موقعه! الهاتف جهاز رصد، من كل المقاييس، يضع الجميع في خانة اعتبارية واحدة، ليس في وسع أي كان، استعراض قوته من خلاله.
كما يشتهي، على أنه يديره، بطريقة يبزُّ بها سواه، إنه محقق ديمقراطية على مستوى التقانة، ملبّي رغبات حبيسة في الصدور، مغيث صاحبه في ساعة شدة، شاغل الفراغ، مانع للصمت، أو السكون، مخترقه، واهب المسافات القصية أنسيُّ الصوت المبعِد للوحشة، موحّد العالم على طريقته، من خلال قدرته على تمرير كل الأصوات، وباللغات كافة، في مشهده الصوتي، كونه مدشن المباغتات.
وربما يكون صاعقاً، من جهة أخرى، بما يحمله من أخبار متوقعة وصادمة، إنه من ناحية شريك صامت في كل ما يخص الصوت المتحول رموزاً، لكنه فضَّاح أسرار، لأنه في الطرف الآخر، يشير بصمت، من نوع مختلف، إلى أن ما يمرره، لا يقيم علاقة بين طرفين، وإنما يضعه في حسبانه.
على الأقل، ليس شريكاً في اقتسام السر المفصَح عنه، أو الكلام الذي يصطبغ بصيغة خاصة، إنما الحيادي واللا حيادي معاً، وأن قائمة الأصوات التي تتزاحم من خلاله، تحيله إلى حلبة سباقية، تمارس فيه زحزحة جانبية وظائفياً، تخرج العالم من دائرة الذبذبات الصوتية، وقد تضع العالم، وعبر خطوط اتصاله، على شفير هاوية، إنما، ودائماً، لا مسؤولية له في كل ذلك.
يبدو لي الهاتف، في فكرة نشوئه، مثلما هو في فكرة تطوير «جيناته» المادية، أو التقانية، مسعيً من مساعي التاريخ الغامض، والذي يقود الإنسان الحامل لاسمه، باتجاهات متاهات شتى، ليس لأنه مهيَّأ للدفع به نحو قلب المتاهة، إثر الأخرى، وإنما لأن ما يألف الإنسان فكرته، ويتحفز لصناعته، ويخرج عن طوره، جرَّاء طفرته هذه، وهو في مواجهة ما صنعته يداه، تأخذه زينة من نوع آخر، مثلما تمارس فيه افتتاناً، فيودع في فاتنه، ما كان عليه الحرص عليه، والتنبُّه له.
ما يجب إبقاؤه في دائرة المتابعة، وجعله تحت الإشراف الدائم! فالهاتف هاو لشرك، محفّز للإيقاع به في حبائله، إنه فضائحي ماهر بامتياز، وكثيراً ما ينقلب على حامله، أو صاحبه، ولعله في «تصرفه» هذا، يمتلك المبررات كلها، في استعمال أو اعتماد الأدوات التي تمكّنه ممَّن أمكنته منه، أن ينال منه، لأنه لم يفلح في حفظ السر، في الوفاء بالعهد الذي يتضمنه، دون أن يسميه، أن يشعره بأهميته من خلاله، ولكن شريطة ألا يرفع صوته.
ويستسلم لغواية الترددات التي تخرجه من دائرة سكناه الضيقة، تضعه في قلب العالم الصاخب، خارج الحدود التي لم يعد لها عدته النفسية، أن يكون في مرمى ما لم يحسب لها حساباً، فالهاتف في كوسموبولوتيته، نزَّاع، هداف إلى الأمداء الواسعة، وما يأخذه يعطيه، والباديء أظلم، طبعاً!
لا ملامة عليه، إذ يلتبس وضعه على الإنسان، لا يطعَن في حسن سلوكه، باعتباره يؤدي المطلوب منه، يلتزم بقاعدة التعامل الأخلاقية: أوله شرط، وآخره نور!، ولعل اللاملتزم بشرطية العلاقة، يتعرض لأذى مشرَط الغفلة المتعلقة بالهاتف، إنما، ودائماً، يكون براء من كل تهمة تُنسب إليه، فالذي يديره، ويغيربه على الحدود كلها، آناء الليل، وأطراف النهار، وينكشف ذاتياً للملأ الخارجي، سرعان ما يتعرض للعوم، والتزبيد، يفقد خاصية ورع السر، دفء الآصرة المطلوبة، فنور آخره، من نور أوله.
إن الهاتف، في مشهده الصوتي، قد أحال العالم كثيراً إلى اللاخفاء، إلى المكاشفة، من خلال الانخطاف بميكانيزم عمله، دون التهيؤ لقوته، للثمالة المترتبة على البوح بكل مكنون، ووديعة نفسية من خلاله، فهو لا يحسن كتمان السر، وليس لديه ذاكرة لكتمانه، بقدر ما ينشره مباشرة، والذي ينساق لفتنته، يلقى تبعات هواه، فيما يزينه له صوته!
ابراهيم محمود
